قوله تعالى: طه «١». يقرأ بفتح الحرفين، وكسرهما، وبين ذلك، وهو إلى الفتح أقرب. وبفتح الطاء وكسر الهاء، وقد تقدّم في (كهيعص) من الاحتجاج ما فيه بلاغ.
قوله تعالى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ «٢» يقرأ بفتح الهمزة وكسرها. فالحجة لمن فتحها:
أنه أوقع عليها: (نودي)، فموضعها على هذه القراءة نصب. والحجة لمن كسر: أنه استأنفها مبتدئا، فكسرها، وليس لها على هذه القراءة موضع من الإعراب، لأنها حرف ناصب.
قوله تعالى: لِأَهْلِهِ امْكُثُوا «٣». يقرأ بضم الهاء وكسرها. وقد ذكرت علّته في البقرة. «٤»
قوله تعالى: طُوىً «٥» يقرأ بإسكان الياء من غير صرف، وبالتنوين والصّرف.
فالحجة لمن أسكن ولم يصرف: أنه جعله اسم بقعة، فاجتمع فيه التعريف، والتأنيث، وهما فرعان، لأن التنكير أصل، والتعريف فرع عليه. والتذكير أصل، والتأنيث فرع عليه، فلمّا اجتمع فيه علتان شبّه بالفعل فمنع ما لا يكون إعرابا في الفعل. «٦»
وقال بعض النحويين: هو معدول عن «طاو» كما عدل «عمر» عن «عامر» فإن صح ذلك، فليس في ذوات الواو اسم عدل عن لفظه سواه. والاختيار: ترك صرفه، ليوافق الآي التي قبله. والحجة لمن أجراه ونوّنه: أنه اسم واد مذكّرا، فصرفه، لأنه لم تجتمع فيه علّتان، تمنعانه الصّرف.
قوله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ «٧». يقرأ بتخفيف «أنا» وفتح الهمزة وبالتاء في «اخترتك»، وبكسر الهمزة وفتحها وتشديد النون، وبنون مكان التاء وألف بعدها في (اخترتك).
فالحجة لمن فتح الهمزة وخفّف وأتى بالتاء: أنه جعل (أنا) اسما لله تعالى مقدّما على الفعل
_________________
(١) طه: ١.
(٢) طه: ١٢.
(٣) طه: ١٠.
(٤) انظر: ٧١ عند قوله تعالى: مَشَوْا فِيهِ.
(٥) طه: ١٢.
(٦) وهو الخفض والتنوين.
(٧) طه: ١٣.
[ ٢٤٠ ]
مرفوعا بالابتداء، و«اخترت» الخبر، والتاء اسم للفاعل، والكاف اسم المفعول به.
والحجة لمن كسر الهمزة وشدّد النون. أنه جعلها حرفا ناصبا مبتدأ، وشدّد النون لأنها في الأصل نونان أدغمت إحداهما في الأخرى تخفيفا. والحجة لمن فتحها: أنه ردّ الكلام على قوله: (أني أنا ربك)، وأنا اخترناك كما تخبر الملوك عن أنفسها بنون الملكوت.
قوله تعالى: أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ «١». يقرءان بوصل الألف الأولى وقطع الثانية وفتحها، وبقطع الأولى وفتحها، وبقطع الثانية وضمّها، والفعل في القراءتين مجزوم، لأنه جواب الطلب. فالحجة لمن وصل الأولى وفتح الثانية: أنه أتى بالكلام على طريق الدعاء بلفظ الأمر فوصل الأولى، لأنها من فعل ثلاثي، وقطع الثانية لأنها من فعل رباعي.
والحجة لمن قطعهما: أنه أخبر بذلك عن نفسه، وقياس ألف المخبر عن نفسه قياس النون، والتاء، والياء الزوائد مع الألف في أول الفعل المضارع، فمتى انضممن حكم على الألف بالضم، ومتى انفتحن حكم على الألف بالفتح، لأن الألف إحداهن عند الأمر بالفعل، والطلب، والدّعاء، والمسألة.
قوله تعالى: الْأَرْضَ مِهادًا «٢». يقرأ بإثبات الألف وحذفها. فالحجة لمن أثبت الألف هاهنا وفي الزخرف «٣»: أنه جعله اسما للأرض أي: جعلها لهم فراشا والحجة لمن حذف الألف: أنه جعله مصدرا من قولك: مهدتها مهدا، كما تقول: فرشتها فرشا. فأمّا التي في عَمَّ يَتَساءَلُونَ «٤» فبالألف إجماع لموافقة رءوس الآي.
قوله تعالى: مَكانًا سُوىً «٥». يقرأ بضم السين وكسرها. فالحجة لمن ضم: أنه أراد:
مكانا مساويا بيننا وبينك. والحجة لمن كسر «٦»: أنه أراد: مكانا مستويا أي: لا مانع فيه من النظر. وقيل: هما لغتان فصيحتان إلّا أنه اسم مقصور لا يبين فيه إعراب، لأنه قصر
_________________
(١) طه: ٣٠، ٣١، ٣٢.
(٢) طه: ٥٣.
(٣) الزخرف: ١٠.
(٤) النبأ: ٦.
(٥) طه: ٥٨.
(٦) في الأصل: (لمن ضم) وهو تحريف لأنه لا يتفق مع الأسلوب من ناحية ولا مع اللغة من ناحية أخرى، فقد قال ابن هشام: «سواء تكون بمعنى مستو، ويوصف به المكان بمعنى: أنه نصف بين مكانين، والأفصح فيه حينئذ أن يقصر مع الكسر نحو (مكانا سوى) وهو أحد الصفات التي جاءت على فعل كقولهم: ماء روى، وقوم عدى). انظر: (المغنى لابن هشام ١: ١٢٤).
[ ٢٤١ ]
عنه، أو لأنه مأخوذ من قوله: مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ «١» أي محبوسات فكأنه حبس عن الإعراب.
قوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ «٢». يقرأ بفتح الياء والحاء وبضم الياء وكسر الحاء. وهما لغتان:
فالفتح من سحت، والضم من أسحت، ومعناهما: استأصل.
قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٣». أجمع القراء على تشديد نون «إنّ» إلّا (ابن كثير) و(حفصا) عن (عاصم) فإنهما خفّفاها. وأجمعوا على لفظ الألف في قوله:
(هذان) إلا (أبا عمرو) فإنه قرأها بالياء. وأجمعوا على تخفيف النون في التثنية إلّا ابن كثير فإنه شدّدها. فالحجة لمن شدّد النون في (إنّ) وأتى بألف في (هذان): أنه احتج بخبر (الضحاك) «٤» عن (ابن عباس) «٥»: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن بلغة كل حيّ من أحياء العرب. وهذه اللفظة بلغة «بلحارث بن كعب» «٦» خاصة، لأنهم يجعلون التثنية بالألف في كل وجه، لا يقلبونها لنصب ولا خفض. قال شاعرهم:
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
«٧» فلما ثبتت هذه اللفظة في السّواد بالألف، وافقت هذه اللغة، فقرءوا بها، ولم يغيّروا
_________________
(١) الرحمن: ٧٢.
(٢) طه: ٦١.
(٣) طه: ٦٣.
(٤) هو الضّحاك بن سفيان بن عوف بن كعب، يكنى أبا سعيد، وصحب النبي ﵊، وولّاه رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وروى عنه سعيد بن المسيّب، والحسن البصري. انظر: (أسد الغاية ٣: ٣٦).
(٥) انظر: أسد الغابة ٣: ١٩٢.
(٦) قال الجاربردي: «إن بلحارث بن كعب، وخثعما، وزبيدا، وقبائل من اليمن، يجعلون ألف الاثنين في الرفع، والنصب، والخفض على لفظ واحد» انظر: (شرح الجاربردي على الشافية لابن الحاجب ١: ٧٧). وقال ابن جماعة: نسبها إلى بني الحارث من النحويين الكسائي، ونسبها أيضا إلى خثعم وزبيد وهمدان، ونسبها أبو خطاب لكنانة، وبعضهم لبني العنبر، وعذره، ومراد، وغيرهم. انظر: (حاشية ابن جماعة على شرح شافية ابن الحاجب ١: ٢٧٧).
(٧) ينسب إلى أبي النّجم: الفضل بن قدامة العجلي، وقيل إلى رؤية بن العجاج، وهذان البيتان من الرجز المشطور. «وغايتاها» مفعول «بلغا» والضمير للمجد، وأنثه باعتبار أنه صفة، أو رتبة. والمراد «بالغايتين»: المبدأ والنهاية. أو غاية المجد في النسب، وغايته في الحسب. انظر: (الإنصاف لابن الأنباري ١: ١٨)، و(شرح ابن عقيل ١: ٣٨). و(حاشية الخضري ١: ٣٨).
[ ٢٤٢ ]
ما ثبت في المصحف. والحجة لمن خفف النون: أنه جعلها خفيفة من الشديدة فأزال عملها، وردّ ما كان بعدها منصوبا إلى أصله، وهو المبتدأ، وخبره، فلم يغيّر اللفظ ولا لحن في موافقة الخطّ.
فإن قيل: إن اللام لا تدخل على خبر المبتدأ، لا يقال: زيد لقائم. فقل: من العرب من يفعل ذلك تأكيدا للخبر. وأنشد شاهدا لذلك:
خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا
«١» والوجه الآخر: أن يكون (إن) هاهنا بمعنى «ما» واللام بمعنى «إلّا» كقوله تعالى:
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ «٢» معناه: والله أعلم: ما كل نفس إلّا عليها حافظ «٣».
وقال: (أبو العباس المبرد) «٤»: أولى الأمور بإن المشددة أن تكون هاهنا بمعنى «نعم» كما قال (ابن الزبير) «٥» للأعرابي لما قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك فقال له: (إنّ وراكبها) أراد: (نعم وراكبها) وأنشد:
بكر العواذل بالضّحى يلحينني وألومهنّه
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت ت فقلت إنّه
«٦» أراد فقلت: نعم، فوصلها بهاء السكت. فقيل له: إنّ اللام لا تدخل على خبرها إذا كانت بمعنى «نعم» فقال: إنما دخلت اللام على اللفظ لا على المعنى. والحجة لمن قرأها بالياء ما روي عن (عائشة) «٧» و(يحيى بن يعمر) «٨»: أنه لما رفع المصحف إلى
_________________
(١) انظر: فرائد القلائد: ٨١.
(٢) الطارق: ٤.
(٣) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري: (ورقة: ٢٥٧) مخطوط.
(٤) انظر ص ١٦٥.
(٥) انظر: أسد الغابة ٣: ١٦١.
(٦) في الخزانة ٤: ٤٨٥، وقد نسبا إلى عبيد الله بن قيس الرقيّات وانظر: الكتاب ١: ٤٧٥، ٢: ٢٧٩. وشرح المفصل ٣: ١٣٠، وفي المغنى لابن هشام ١: ٣٦، ٢: ١٧٥. والبيان والتبيين للجاحظ ٢: ٢٧٩، وانظر: تحقيق أستاذنا عبد السلام هارون في صاحب هذين البيتين، هل هو: عبد الله، أو عبيد الله؟.
(٧) عائشة: انظر: أسد الغابة ٥: ٥٠١ وغيره من كتب الطّبقات.
(٨) يحيى بن يعمر: ويكنى: أبا سليمان. وكان عالما بالعربية والحديث، لقي عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وروى عن قتادة، ومات بخراسان سنة تسع وعشرين ومائة: انظر: (نزهة الألباء: ١٠).
[ ٢٤٣ ]
(عثمان) «١» قال: أرى فيه لحنا، وستقيمه العرب بألسنها.
فإن قيل: فعثمان كان أولى بتغيير اللحن: فقل: ليس اللحن هاهنا أخطاء الصواب، وإنما هو خروج من لغة قريش إلى لغة غيرهم «٢». والحجة لمن شدد النون في التثنية مذكورة في النساء «٣».
قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ «٤». يقرأ بوصل الألف، وقطعها. فالحجة لمن وصل:
أنه جعله بمعنى اعزموا. والحجة لمن قطع: أنه أراد: فأجمعوا الكيد، والسّحر. ودليل الوصل، قوله تعالى: فَجَمَعَ كَيْدَهُ «٥» ولم يقل: فأجمع.
قوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ «٦». يقرأ بالتاء «٧» والياء. والحجة لمن قرأ بالتاء: أنه ردّه على الحبال والعصي، لأنه جمع ما لا يعقل. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه ردّه على السّحر.
قوله تعالى: تَلْقَفْ «٨» يقرأ بفتح اللام وتشديد القاف، والرفع، والجزم، وبإسكان اللام وتخفيف القاف والجزم. فالحجة لمن شدّد ورفع: أنه أراد: تتلقف فأسقط إحدى التاءين تخفيفا، وجزم بجواب الأمر، فقد روى عن (ابن كثير): تشديد هذه التاء وما شاكلها في نيّف «٩» وثلاثين موضعا. والحجة لمن خفف وجزم: أنه أخذه من لقف يلقف وجزمه بالجواب أيضا. والحجة لمن شدّد ورفع: أنه أضمر الفاء فكأنه قال: الق ما في يمينك، فإنها تلقف، أو يجعله حالا من (ما) كما قال: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ «١٠».
قوله تعالى: إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ «١١». يقرأ بإثبات الألف وحذفها. فالحجة لمن
_________________
(١) عثمان: انظر: (أسد الغابة ٣: ٣٧٦ وغيره من كتب الطبقات).
(٢) انظر: كتاب القرآن الكريم، وأثره في الدراسات النحوية للمحقق من ٢٤ إلى ٢٩ طبع دار المعارف.
(٣) انظر ص ١٢١.
(٤) طه: ٦٤.
(٥) طه: ٦٠.
(٦) طه: ٦٦.
(٧) هي قراءة الحسن البصري، وقرأ بالياء عامّة قراء الأمصار. وفي نظر الطبري أن القراءة التي لا يجوز غيرها، «يخيل» بالياء، لإجماع الحجة من القراء عليه. انظر: الطبري (١٦: ١٤٠) المطبعة الأميرية سنة ١٣٢٨ هـ.
(٨) طه: ٦٩.
(٩) نيّف بتشديد الياء، وعوامّ الناس يخففونه، وهو لحن عند الفصحاء. «اللسان: نوف».
(١٠) المدثر: ٦.
(١١) طه: ٦٩.
[ ٢٤٤ ]
أثبتها: أنه جعله اسما لفاعل مشتقا من فعله. والحجة لمن حذفها، أنه أراد اسم الفعل وهو المصدر.
قوله تعالى: لا تَخافُ دَرَكًا «١». أجمع القرّاء على الرفع إلا حمزة فإنه قرأه بالجزم على طريق النهي. فالحجة لمن رفع. أنه جعله خبرا وجعل (لا) فيه بمعنى (ليس).
فإن قيل: فما حجة (حمزة) في إثبات الياء في تَخْشى «٢» وحذفها علم الجزم «٣»؟
فقل له في ذلك وجهان أحدهما: أنه استأنف: (ولا تخشى)، ولم يعطفه على أول الكلام فكانت (لا) فيه بمعنى (ليس) كما قال تعالى: فَلا تَنْسى «٤». والوجه الآخر: أنه لما
طرح الياء أشبع فتحة السين فصارت ألفا ليوافق رءوس الآي التي قبلها بالألف.
قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ «٥». يقرأ بقطع الألف وإسكان التاء، وبوصلها وتشديد التاء. فالحجة لمن قطع: أنه أراد: فألحقهم وهما لغتان؛ لحق وألحق. والحجة لمن وصل: أنه أراد: سار في أثرهم.
قوله تعالى: قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ «٦». يقرءان بالتاء وبالألف والنون إلا ما قرأه (أبو عمرو) من طرح الألف في «ووعدناكم» فمن قرأه بالتاء. فالحجة له:
أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه، لأن التاء اسم الفاعل المنفرد بفعله. والحجة لمن قرأه بالنون والألف: أنه جعله من إخبار الله ﷿ عن نفسه بنون الملكوت لأنه ملك الأملاك، وعلى هذه اللغة يتوجه قوله: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ «٧»، لأنه خاطبه بلفظ ما أخبر به عه نفسه، فأمّا قوله: (وعدناكم) و(أوعدناكم) فالفرق بينهما مذكور في البقرة «٨».
قوله تعالى: آمَنْتُمْ لَهُ «٩». يقرأ بالاستفهام والإخبار. وقد ذكرت علله في الأعراف «١٠» قوله تعالى: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ «١١» يقرءان بالكسر معا، وبالضم.
فالحجة لمن كسر: أنه أراد: نزل ووقع. والحجة لمن ضم: أنه أراد؛ وجب. والوجه:
الكسر لإجماعهم على قوله تعالى: وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ «١٢».
_________________
(١) طه: ٧٧.
(٢) طه: ٧٧.
(٣) أي أنها تحذف في حالة الجزم.
(٤) الأعلى: ٦.
(٥) طه: ٧٨.
(٦) طه: ٨٠.
(٧) المؤمنون: ٩٩.
(٨) انظر: ٧٦ عند قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا.
(٩) طه: ٧١ وفي الأصل (به) وهو خطأ.
(١٠) انظر: ص: ١٦١ عند قوله تعالى: (أأمنتم به).
(١١) طه: ٨١.
(١٢) هود: ٣٩.
[ ٢٤٥ ]
فإن قيل: ما وجه الإدغام في قوله: (فيحلّ) والإظهار في قوله: (ومن يحلل)؟
فقل: إنما يكون الإدغام في متحرّكين، فسكن الأول لاجتماعهما، ثم يدغم. فإن كان الأول متحرّكا، والثاني ساكنا بطل الإدغام، فالأصل المدغم فيمن ضم (فيحلل) وفيمن كسر (فيحلل) فنقلت الحركة من اللام إلى الحاء وأسكنت اللام ثم أدغمت. فهذا فرقان ما بين المدغم والمظهر.
قوله تعالى: بِمَلْكِنا «١» يقرأ بكسر الميم وضمّها، وفتحها. فالحجة لمن كسر:
أنه أراد: اسم الشيء المملوك كقولك: هذا الغلام ملكي، وهذه الجارية ملك يميني.
والحجة لمن ضم: أنه أراد بسلطاننا. ودليله قوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٢» يريد:
السّلطان. والحجة لمن فتح: أنه أراد: المصدر من قولهم: ملك يملك ملكا.
قوله تعالى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا «٣» يقرأ بالتخفيف والتشديد. فالحجة لمن خفف: أنه أرادهم بالفعل، وجعل النون والألف المتصلين به في موضع رفع «٤». والحجة لمن شدد:
أنه جعل الفعل لما لم يسمّ فاعله، ودلّ عليه بضم أوله وكان أصله ولكنّا حملنا (السامريّ)، فلما خذل الفاعل أقيم المفعول مقامه، فرفع، لأن الفعل الذي كان حديثا عن الفاعل صار عن المفعول فارتفع به.
قوله تعالى: أَلَّا تَتَّبِعَنِ «٥». يقرأ بإثبات الياء وصلا ووقفا على الأصل، وبإثباتها وصلا وحذفها درجا اتّباعا للخط في الوصل، والأصل في الدّرج، وبحذفها وصلا ووقفا اجتزاء بالكسرة منها.
قوله تعالى: يا ابن أم «٦» يقرأ بكسر الميم وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه أراد:
يا ابن أمي، فحذف الياء اجتزاء بالكسرة منها، والوجه إثباتها، لأن هذه الياء إنما تحذف في النداء المضاف إليك، إذا قلت: يا غلامي، لأنها وقعت موقع التنوين، والتنوين لا
يثبت في النداء.
_________________
(١) طه: ٨٧.
(٢) غافر: ١٦.
(٣) طه،: ٨٧.
(٤) على أنه فاعل.
(٥) طه: ٩٣.
(٦) طه: ٩٤.
[ ٢٤٦ ]
فأما الياء هاهنا فالتنوين ثبت في موضعها إذا قلت: يا ابن أم زيد، وإنما حذفت الياء لما كثر به الكلام، فصار المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فحذفت الياء كذلك. والحجة لمن فتح: أنه أراد: يا ابن أمّاه، فرخّم، فبقيت الميم على فتحها، أو بنى ابنا مع الأم بناء (خمسة عشر)، أو قلب من الياء ألفا وقد ذكرت وجوهه في الأعراف «١» مستقصاة بما يغني عن إعادته هاهنا.
قوله تعالى: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ «٢». يقرأ بالياء والتاء فالياء لمعنى الغيبة والتاء لمعنى الحضرة.
قوله تعالى: لَنْ تُخْلَفَهُ «٣». يقرأ بكسر اللام وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعل الفعل (للسامريّ) والهاء كناية عن الموعد. والحجة لمن فتح: أنه أراد: الدّلالة على أنه مستقبل ما لم يسمّ فاعله. والهاء على أصلها في الكناية، وهي في موضع نصب في الوجهين.
قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ «٤». إجماع القراء فيه على الياء وضمها على ما لم يسم فاعله إلّا ما اختاره (أبو عمرو) من النون وفتحها. وله في ذلك وجهان: أحدهما أنه أتى بالنون في ننفخ ليوافق به لفظ نَحْشُرُ «٥»، فيكون الكلام من وجه واحد. والثاني:
أن النافخ في الصّور، وإن كان إسرافيل، فإن الله ﷿ هو الآمر له بذلك والمقدّر والخالق له، فنسب الفعل إليه لهذه المعاني. ودليله قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها «٦» والمتوفّى لها ملك الموت ﵇.
قوله تعالى: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها «٧». يقرأ بفتح (أن) وكسرها. فالحجة لمن فتحها:
أنه ردّه على قوله: أَلَّا تَجُوعَ «٨» يريد: وأنك لا تظمأ فردّه على المعنى لا على اللفظ.
والحجة لمن كسر، أنه استأنف ولم يعطف. ومعنى لا تظمأ: أي لا تعطش. ولا تضحي:
أي: لا تبرز للشمس.
قوله تعالى: فَلا يَخافُ ظُلْمًا «٩». يقرأ بالياء وإثبات الألف والرفع، وبالتاء وحذف
_________________
(١) انظر: ١٦٤.
(٢) طه: ٩٦.
(٣) طه: ٩٧.
(٤) طه: ١٠٢.
(٥) طه: ١٠٢.
(٦) الزمر: ٤٢.
(٧) طه: ١١٩.
(٨) طه: ١١٨.
(٩) طه: ١١٢.
[ ٢٤٧ ]
الألف والجزم. فالحجة لمن قرأ بالياء والرفع أنه جعله خبرا. والحجة لمن قرأ بالتاء والجزم أنه جعله نهيا. ومعنى الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه. والهضم: النقصان.
قوله تعالى: أَعْمى «١» في الموضعين يقرءان بالتفخيم والإمالة. فالحجة لمن فخم:
أنه أتى به على الأصل. والحجة لمن أمال: أنه دلّ بذلك على الياء. وقيل في معناه:
أعمى عن حجته، وقيل عن طريق الجنة.
قوله تعالى: لَعَلَّكَ تَرْضى «٢». يقرأ بفتح التاء وضمّها. فالحجة لمن فتحها: أنه قصده بكون الفعل له ففتح، لأنه من فعل ثلاثي. والحجة لمن ضم: أنه دلّ بذلك على بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله، والأمر فيهما قريب، لأن من أرضي فقد رضي. ودليله قوله تعالى: راضِيَةً مَرْضِيَّةً «٣».
قوله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ «٤». يقرأ بالياء والتاء. والحجة فيه ما قدّمناه في أمثاله، والاختيار التاء لإجماعهم على قوله: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ «٥».