قوله تعالى: هُدىً وَرَحْمَةً «٥» أجمع القراء على نصبهما على الحال. أو القطع من «الآيات» لأنها معرفة (والهدى) و(الرحمة) نكرتان، وقد تمّ الكلام دونهما إلّا ما قرأه (حمزة) بالرفع وله في ذلك وجوه: أحدها: أن يكون (هدي) مرفوعة بالابتداء، و(رحمة) معطوفة عليها و(للمحسنين) الخبر. والثاني: أن يكون بدلا من قوله:
آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً، لأن (آيات الكتاب) كذلك هي، أو يكون أضمر لها مثل ما أظهر للآيات، فرفعها بذلك، لأن الآيات جامعة للهدى والرحمة.
قوله تعالى: وَيَتَّخِذَها «٦» يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه ردّه على قوله: يَشْتَرِي «٧».
والوجه أن يضمر لها (هو) لأن الهاء والألف كناية عن (السبيل). والحجة لمن نصب: أنه ردّه على قوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وليتّخذها هزوا.
قوله تعالى: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ «٨»، يا بُنَيَّ إِنَّها «٩» يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ «١٠» يقرأن بالتشديد وكسر الياء، وفتحها، وبالتخفيف والإسكان. فالحجة لمن شدّد وكسر:
أنه أراد: يا بنييّ بثلاث ياءات: الأولى: ياء التصغير. والثانية: أصليّة، وهي لام الفعل. والثالثة: ياء الإضافة إلى النفس، فحذف الأخيرة اجتزاء بالكسر منها، وتخفيفا للاسم لما اجتمع فيه ثلاث ياءات.
_________________
(١) الروم: ٥٤.
(٢) انظر: ١٧٢.
(٣) الروم: ٥٧.
(٤) الروم: ٤١.
(٥) لقمان: ٣.
(٦) لقمان: ٦.
(٧) لقمان: ٦.
(٨) لقمان: ١٣.
(٩) لقمان: ١٦.
(١٠) لقمان: ١.
[ ٢٨٤ ]
ولمن فتح الياء مع التشديد وجهان: أحدهما: أنه أراد: يا بنياه، فرخّم، فسقطت الألف والهاء للترخيم، لأنهما زائدتان، فالألف زيدت لبعد الصوت، والهاء للسكت، فبقي الاسم على الفتح الذي كان عليه قبل الترخيم.
والثاني: أنه شبّه هذه الياء لما رآها مشدّدة ومعها ياء الإضافة بياء الاثنين إذا أضيفت إليها، ففتحها كما فتحوا قوله: إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ «١».
فإن قيل: فما الفرق بين قولك: (ابنتي) وبين قولك (يا بني)، وكلاهما مضاف إلى النفس بالياء الشديدة؟ فقل: الفرق بينهما لطيف فاعرفه، وذلك أن الياء في قولك:
ابنتيّ ساكنة طبعا لأنها بدل من الألف التي لا يمكن الحركة فيها بوجه، ثم يدخل ياء الإضافة لأن النون تذهب لمعاقبتها لها. والأصل في ياء الإضافة: الحركة، فكان الفتح أولى بها ففتحت لذلك، وأدغمت فيها ياء التثنية لسكونها، فهذا وجه الفتح في الياء، المضاف إليها التثنية.
وأمّا وجه كسر الياء في قولك: يا بنيّ: فإن وزن «ابن» كوزن «حصن» فإذا قلت في التصغير: حصين كان كقولك: بنيّ، فاجتمع فيه ياء التصغير وياء الأصل التي هي لام الفعل، وكان الإعراب عليها جاريا كما جرى على النون من (حصين)، ثم دخلت عليها ياء الإضافة فاجتذبت الياء الشديدة لقوتها إلى الكسر، لأن من شرطها أن تزيل الاعراب عمّا وليته وتردّه إلى الكسر، كقولك: «حصيني» فتسقط ياء الإضافة في «بنيّ» لكثرة الياءات فتبقى «٢» كقولك «حصين» بكسر النون وسقوط الياء. فأنت الآن تعلم ضرورة أن الياء من (حصين) ساكنة وهي ياء التصغير. ومثلها في قولك: (بني)، والنون المكسورة في قولك: (حصين) مثلها ياء الأصل في (بنيّ) وهي مكسورة كالنّون، لتدل بالكسر على ياء الإضافة الساقطة. فهذا تلخيص الفرق بين ياء الإضافة في التصغير والتثنية، والدّلالة على فتح الياء في التثنية، وكسرها في التصغير. وأمّا الحجة لمن خفف الياء وأسكن:
فإنه صغّر، ولم يضف، فلما اجتمع في آخر الاسم ياءان حذف إحداهما وبقّى الأولى، وهي ياء التصغير على سكونها، فأجحف بالاسم. ولو أتى به منادى على أصل المواجهة لقال: يا بنيّ لأنه نداء مفرد.
_________________
(١) القصص: ٢٧.
(٢) : أي بنيّ.
[ ٢٨٥ ]
قوله تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ «١» يقرأ بإثبات الألف والتخفيف، وبحذفها والتشديد.
وقد ذكر في أمثاله ما يغني عن إعادته. ومعنى قوله لا تصاعر خدك: أي لا تمل بوجهك ولا تعرض تكبرا. وأصله من «الصّعر» وهو؛: داء يصيب البعير، فيلتوي له عنقه.
قوله تعالى: إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ «٢» أجمع القراء على نصب (مثقال) إلا (نافعا) فإنه رفعه. والحجة له: أنه جعل (كان) ممّا حدث ووقع، ولا خبر لها إذا كانت كذلك.
قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ «٣» يقرأ بالجمع والإضافة، وبالتوحيد «٤». فالحجة لمن جمع: أنه أراد بذلك جميع النعم التي ينعم الله بها على عباده. ودليله قوله: شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ «٥» فالهاء هاهنا: كناية عن اسم الله ﷿. والحجة لمن وحّد: أنه أراد نعمة الإسلام، لأنها جامعة لكل النّعم، وما سواها يصغر في جنبها. فالهاء هاهنا علامة للتأنيث. فأمّا قوله:
(ظاهرة وباطنة) فالظاهرة: نعمة الإسلام، والباطنة: ستر الذنوب.
قوله تعالى: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ «٦» يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه ردّه على (ما) «٧» قبل دخول (إنّ) عليها أو استأنفه بالواو كما قال: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ «٨». والحجة لمن نصب: أنه رده على اسم (إن).
فإن قيل: فإن من شرط أبي عمرو أن يرفع المعطوف على (إنّ) بعد تمام الخبر كقوله: وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها «٩» فقل: حجته في ذلك: أن (لو) تحتاج إلى جواب يأتي بعد الابتداء والخبر فكان المعطوف عليها كالمعطوف على (إن) قبل تمام خبرها.
والدليل على ذلك أن تمام الخبر هاهنا في قوله: ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ «١٠» وهذا أدلّ
_________________
(١) لقمان: ١٨.
(٢) لقمان: ١٦.
(٣) لقمان: ٢٠.
(٤) أي بإسكان العين، وبعد الميم تاء منونة منصوبة على التأنيث والإفراد.
(٥) النحل: ١٢١.
(٦) لقمان: ٢٧.
(٧) في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ آية: ٢٧.
(٨) آل عمران: ١٥٤.
(٩) الجاثية: ٣٢ بعد قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
(١٠) لقمان: ٢٧.
[ ٢٨٦ ]
دليل على دقة تمييز أبي عمرو ولطافة حذقه بالعربية.
قوله تعالى: بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ «١» إجماع القراء على التاء إلا ما رواه (عياش) «٢» عن أبي عمرو بالياء، ولم يروه (اليزيدي) «٣».