قوله تعالى: كهيعص «١». يقرأ بفتح جميع حروفه. وبإمالتها. وبين الإمالة والفتح.
وبإمالة الياء وفتح الهاء وبكسر الهاء وفتح الياء. فالحجة لمن فتحهن: أنه أتى بالكلام على أصله، ووفّاه حقّ ما وجب له، لأن الحروف إذا قطعت كانت أولى بالفتح فرقا بينها وبين ما يمال من الأسماء، والحروف، والأفعال. والحجة لمن أمالهن: أنه فرّق بين هاء التنبيه، وهاء الهجاء، وبين ما إذا كانت نداء، وإذا كانت هجاء. والحجة لمن قرأهن (بين بين):
أنه عدل بين اللفظين، وأخذ بأقرب اللغتين. والحجة لمن أمال بعضا، وفخّم بعضا: أنه كره توالي الكسرات أو الفتحات، فأمال بعضا، وفخم بعضا. وقد قلنا فيما تقدم: إن العرب تذكّر حروف الهجاء وتؤنثها، وتميلها وتفخمها، وتمدّها، وتقصرها، ولها مراتب:
فما كان منها على حرفين مدّ مدّا وسطا، وما كان على ثلاثة أحرف، مدّ فوق ذلك.
وقيل في معناهن: إن الله تعالى أقسم بحروف المعجم، لأنها أصل لتأليف أسمائه، فاجتزأ بما في أوائل السّور منها. وقيل: هي: شعار للسورة. وقيل: هي سر الله تعالى عند نبيّه. وقيل: كل حرف منها نائب عن اسم من أسماء الله ﷿، فالكاف من (كاف) والهاء من (هاد) والعين من (عليم) والصاد من (صادق).
قوله تعالى (صاد) ذِكْرُ «٢». يقرأ باظهار على الأصل وبالإدغام للمقاربة بين الحرفين.
قوله تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ «٣». يقرأ بالإدغام وطرح الحركة من الراء لمجانسة الحرفين وطلب التخفيف. وبالإظهار، لأن الحرفين من كلمتين، والحركة تمنع من الإدغام، وإنما يجوز الإدغام مع السكون، لا مع الحركة.
قوله تعالى: مِنْ وَرائِي «٤». يقرأ بإسكان الياء لطول الاسم، وثقله بالهمز، إلّا ما روي عن (ابن كثير) أنه فتح الياء مع المدّ، لئلا يجمع بين ياء إضافة ساكنة، وهمزة مكسورة، ففتحها طلبا للتخفيف.
قوله تعالى: وَلِيًّا يَرِثُنِي «٥». يقرأ بالجزم، والرفع. فالحجة لمن جزم: أنه جعله
_________________
(١) مريم: ١.
(٢) مريم: ١، ٢.
(٣) مريم: ٢.
(٤) مريم: ٥.
(٥) مريم: ٥، ٦.
[ ٢٣٤ ]
جوابا للأمر، لأن معنى الشرط موجود فيه، يريد: فإن تهب لي وليّا يرثني. والحجة لمن رفع: أنه جعل قوله: يرثني صلة «١» لوليّ، لأنه نكرة، عاد الجواب عليها بالذكر، ودليله قوله تعالى: أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ «٢». ولو قيل: إنه إنما جاز الرفع في قوله:
(يرثني) وما أشبهه، لأنه حال، حلّ محلّ اسم الفاعل لكان وجها بيّنا. ودليله قوله تعالى:
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ «٣» يريد: (لاعبين) وفيه بعض الضعف، لأن الأول حال من (وليّ) وهو نكرة، وهذا حال من الهاء والميم، وهما معرفة.
قوله تعالى: وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ «٤». يقرأ بالرفع والجزم عطفا على ما تقدّم من الوجهين في أول الكلام.
قوله تعالى: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا «٥». يقرأ بالكسر والضم، وما شاكله من قوله صِلِيًّا «٦» وجِثِيًّا «٧» وبُكِيًّا «٨». فالحجة لمن قرأ بالكسر: أنه نحا ذلك لمجاورة الياء، وجذبها ما قبلها إلى الكسر، ليكون اللفظ به من وجه واحد؛ لأنه يثقل عليهم الخروج من ضم إلى كسر. والحجة لمن ضم: أن الأصل عنده في هذه الأسماء الضمّ، لأنها في الأصل على وزن: (فعول) فانقلبت الواو فيهن ياء لسكونها وكون الياء بعدها فصارتا ياء مشددة.
فإن قيل: فهلا كانت هذه الأسماء بالواو، «٩» كما كان قوله وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا «١٠» بالواو، فقل: الأصل في الواحد من هذا الجمع (عاتو وجاثو) لأنه من (يعتو) و(يجثو)، فانقلبت فيه الواو ياء لانكسار ما قبلها، كما قالوا: (غاز) والأصل (غازو)، لأنه من يغزو، فجاء الجمع في ذلك تاليا للواحد في بنائه، لأن الجمع أثقل من الواحد،
_________________
(١) يريد بالصلة: الصفة، وهذا التعبير شائع عند قدامى النحاة.
(٢) المائدة: ١١٤.
(٣) الأنعام: ٩١.
(٤) مريم: ٦.
(٥) مريم: ٨.
(٦) مريم: ٧٠.
(٧) مريم: ٦٨، ٧٢.
(٨) مريم: ٥٨.
(٩) أي: صلّوا، وجثّوا، وبكّوا.
(١٠) الفرقان: ٢١.
[ ٢٣٥ ]
والواو أثقل من الياء، فإذا كان القلب في الواحد واجبا كان في الجمع لازما.
فأمّا قوله: (عتوّا) فإنما صحّ بالواو؛ لأنه مصدر، والمصدر يجري مجرى الاسم الواحد حكما وإن شارك الجمع لفظا، فصحّت الواو فيه لخفّته، واعتلت في الجمع لثقله، واعتلالها في واحده.
فإن قيل: فيلزم على هذا أن يجيز في قوله: فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا «١» كسر الميم فقل:
هذا لا يلزم، لأنه مصدر، والفعل منه مضى يمضي مضاء، ومضيّا. وقد بيّنا وجه صحّة لفظ المصدر. وإنما كان يلزم ذلك لو أنه جمع لماض، فأمّا وهو مصدر (فلا).
قوله تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ «٢». يقرأ بالتاء، وبالنّون والألف. فالحجة لمن قرأه بالتاء:
أنه ردّه على قوله: (هو على هيّن)، وقد خلقتك. والحجة لمن قرأه بالنون والألف: أنه حمله على قوله: وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا «٣»، وقد خلقناك، وكلاهما من إخبار الله تعالى عن نفسه.
فإن قيل: فما معنى قوله: وَلَمْ تَكُ شَيْئًا «٤» فقل: معناه: ولم تك شيئا مرئيا مخلوقا موجودا عند المخلوقين، فأما في علم الله فقد كان شيئا، وإنما سمّي «يحيى»، لأنه حيي من عقمين، قد نيّفا على التسعين، ويئسا من الولد.
وقوله: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا «٥» قيل: لم يسمّ باسمه غيره. وقيل: لم يولد لأبويه ولد قبله. وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٦» يحتمل الوجهين.
قوله تعالى: لِأَهَبَ لَكِ «٧». يقرأ بالياء، والهمزة. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله من إخبار جبريل ﵇ عن الله ﷿. ومعناه: ليهب لك ربك. والحجة لمن قرأه بالهمز: أنه أراد بذلك: حكاية جبريل ﵇ عن الله تعالى: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ وهو يقول: لِأَهَبَ لَكِ، فأراد أن جبريل ﵇ أخبر بذلك عن نفسه،
_________________
(١) يس: ٦٧.
(٢) مريم: ٩.
(٣) مريم: ١٣.
(٤) مريم: ٩.
(٥) مريم: ٧.
(٦) مريم: ٦٥.
(٧) مريم: ١٩.
[ ٢٣٦ ]
لأنه هو كان المخاطب لها، والنافخ بأمر الله في حيّها «١».
قوله تعالى: وَكُنْتُ نَسْيًا «٢». يقرأ بفتح النون وكسرها. فالحجة لمن فتح أنه أراد المصدر من قولك «نسيت». والحجة لمن كسر: أنه أراد: كنت شيئا ألقي فنسي، والعرب تقول: هذا الشيء لقى «٣» ونسي «٤»، ومنه قول الشاعر يصف امرأة بالحياء والخفر، وغضّ الطرف:
كأنّ لها في الأرض نسيا تقصّه إذا ما غدت وإن تحدّثك تبلت
«٥» يريد: كأنها تطلب شيئا ألقته لتعرف خبره. ومعنى تبلت: تقصّ وتصدق.
قوله تعالى: فَناداها مِنْ تَحْتِها «٦». يقرأ بفتح الميم والتاء، وبكسرهما. فالحجة لمن فتح: أنه جعله اسم عيسى وفتح التاء، لأنه ظرف مكانيّ متضمن لجثة (من)، ومن مستقرّ فيه، والاستقرار كون له، والكون مشتمل على الفعل فانتصب الظرف لأنه مفعول فيه بما قدّمناه من القول في معناه. والحجة لمن كسر الميم والتاء: أنه جعلها حرفا خافضا للظرف، لأنه اسم للموضوع. والظرف في الحقيقة: الوعاء، فلذلك جعل المكان ظرفا، لأن الفعل يقع فيه فيحويه. والمراد بالنداء: جبريل، فأمّا مواقع (من) في الكلام، فتقع ابتداء غاية، وتقع تبعيضا، وتقع زائدة مؤكّدة.
قوله تعالى: تُساقِطْ «٧» يقرأ بالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن شدّد: أنه أراد:
تتساقط فأسكن التاء الثانية، وأدغمها في السين فشدّد لذلك. والحجة لمن خفف: أنه
_________________
(١) قال في اللسان: والحيّ فرج المرأة، ورأى أعرابي جهاز عروس فقال: هذا سقف الحيّ: أي جهاز فرج المرأة. اللسان: مادة: حيا.
(٢) مريم: ٢٣.
(٣) قال في اللسان: اللّقى: الشيء الملقى، وفي حديث أبي ذرّ ما لي أراك لقى بقى، هكذا جاء محققا في رواية بوزن عصا انظر: (اللسان: مادة لقا).
(٤) قال الزجاج: النّسي في كلام العرب: الشيء المطروح، لا يؤبه له. (اللسان مادة: نسا).
(٥) البيت نسبه اللسان إلى الشّنفري على هذه الصورة: كأنّ لها في الأرض نسيا تقصّه على أمّها وإن تخاطبك تبلت انظر: اللسان: مادة: نسا. ورواية الطبري تتفق مع رواية ابن خالويه، انظر: (الطبري ١٦: ٦٦) مطبعة مصطفى الحلبي- طبعة ثانية.
(٦) مريم: ٢٤.
(٧) مريم: ٢٥.
[ ٢٣٧ ]
حذف التاء تخفيفا، لأنه يثقل عليهم اجتماع حرفين متجانسين، متحرّكين، فمنهم من يخفف بالإدغام، ومنهم من يخفّف بالحذف.
قوله تعالى: وَأَوْصانِي «١» يقرأ بالتفخيم والإمالة. وقد ذكر في أمثاله من الاحتجاج ما يغني عن إعادته هاهنا «٢».
قوله تعالى: قَوْلَ الْحَقِّ «٣». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن نصب: أنه وجهه إلى نصب المصدر كما يقول: هذا قولا حقّا، وقول الحقّ. والحجة لمن رفع: أنه جعله بدلا من (عيسى) أو أضمر له (ذلك) ثانية، فعيسى كلمة الله، لأنه بكلمته كان، وقوله، لأنه بقولة: (كن تكون) و(روحه) لأنه كان رحمة على من بعث إليه إذ آمنوا به فنجوا.
قوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ «٤» يقرأ بفتح الهمزة وكسرها. فالحجة لمن فتحها:
أنه ردّ الكلام بالواو على قوله: وأوصاني بالصلاة وبأن الله ربي. والحجة لمن كسرها:
أنه استأنف الكلام بالواو. ودليله: أنها في قراءة «أبيّ»: «إنّ الله» بغير واو.
قوله تعالى: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ «٥». يقرأ بتشديد الكاف وفتح الذال، وبضم الكاف وإسكان الذال. وقد تقدم من القول في نظائره ما يغني عن إعادته «٦».
قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا «٧». يقرأ بفتح اللام وكسرها. والحجة فيه كالحجة في (المخلصين) وقد ذكرت آنفا «٨».
قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ «٩». يقرأ بالإدغام للمقاربة، وبالإظهار على الأصل وانفصال الحرفين.
_________________
(١) مريم: ٣١.
(٢) انظر: ١٤٤. عند قوله تعالى: وَقَدْ هَدانِ.
(٣) مريم: ٣٤.
(٤) مريم: ٣٦.
(٥) مريم: ٦٧.
(٦) انظر: ١٦١ عند قوله تعالى: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ.
(٧) مريم: ٥١.
(٨) انظر: ١٩٤ عند قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ.
(٩) مريم: ٦٥.
[ ٢٣٨ ]
قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي «١»، يقرأ بالتشديد من نجّى. وبالتخفيف من أنجى.
قوله تعالى: خَيْرٌ مَقامًا «٢». يقرأ بفتح الميم وضمها. فالحجة لمن ضمّ: أنه جعله من الإقامة، ولمن فتح: أنه جعله اسما للمكان.
قوله تعالى: أَثاثًا وَرِءْيًا «٣». يقرأ بالهمز وتخفيف الياء، وبترك الهمز وتشديد الياء.
فالحجة لمن همز: أنه أخذه من رؤية المنظر والحسن. والحجة لمن شدد: أنه أخذه من الرّيّ وهو: امتلاء الشباب، وتحير مائه في الوجه، أو يكون أراد: الهمز فتركه وعوّض التشديد منه.
قوله تعالى: مالًا وَوَلَدًا «٤». يقرأ بفتح الواو واللام، وبضم الواو وإسكان اللام، هاهنا في أربعة مواضع «٥»، وفي الزخرف «٦» وفي نوح «٧». فالحجة لمن فتح: أنه أراد:
الواحد من الأولاد. والحجة لمن ضمّ: أنه أراد: جمع (ولد). وقيل هما: لغتان في الواحد كقولهم: عدم وعدم، وسقم وسقم.
قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ «٨». يقرأ تكاد بالتاء. وقد تقدم ذكره. فأمّا «ينفطرن» فيقرأ بالنون والتخفيف، وبالتاء والتشديد هاهنا، وفي عسق «٩». فالحجة لمن قرأه بالتخفيف: أنه مأخوذ من قوله: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ «١٠»، ودليله قوله: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ «١١». والحجة لمن قرأه بالتشديد: أنه أخذه من تفطّرت السماء تتفطّر. وهما لغتان فصيحتان، معناهما: التشقق. ومنه قولهم: تفطّر الشجر: إذا تشقّق ليورق، ومنه قوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ «١٢».
_________________
(١) مريم: ٧٢.
(٢) مريم: ٧٣.
(٣) مريم: ٧٤.
(٤) مريم: ٧٧.
(٥) انظر آيات: ٨٨ - ٩١، ٩٢ من سورة مريم.
(٦) الزخرف: ٨١.
(٧) نوح: ٢١.
(٨) مريم: ٩٠.
(٩) الشّورى: ٥.
(١٠) الانفطار: ١.
(١١) المزّمل: ١٨.
(١٢) الملك: ٣.
[ ٢٣٩ ]