قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا «٩». يقرأن بإدغام التاء في الصّاد والزاي والذال، وإظهارها. فالحجة لمن أدغم قرب مخرج التاء منهن. والحجة لمن أظهر: أن التاء متحركة والألف ساكنة قبلها فالإظهار أحسن من الجمع بين ساكنين.
فإن قيل: ما وجه قوله فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا ولم يقل (تلوا) كما قال (صفّا) و(زجرا)؟
فقل: إنّ (تلوت) له في الكلام معنيان: تلوت الرجل. معناه: اتّبعته، وجئت بعده.
ودليله قوله: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها «١٠». وتلوت القرآن: إذا قرأته. فلما التبس لفظهما أبان الله ﷿ بقوله (ذكرا): أنّ المراد هاهنا: التّلاوة لا الاتباع.
فإن قيل: ما وجه التأنيث في هذه الألفاظ؟ فقل: ليدل بذلك على معنى الجمع.
وقيل: التاليات هاهنا: جبريل وحده، كما قال في قوله: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ «١١».
قوله تعالى: بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ «١٢». يقرأ بالتنوين والنصب والخفض معا، وبترك
_________________
(١) يس: ٦٨.
(٢) يس: ٤١.
(٣) يس: ٦٧.
(٤) يس: ٧٠.
(٥) يس: ٦٩.
(٦) الأنعام: ١٩.
(٧) يس: ٨٢.
(٨) انظر: ٨٨.
(٩) الصافات: ١، ٢، ٣.
(١٠) الشمس: ٢.
(١١) آل عمران: ٣٩.
(١٢) الصافات: ٦.
[ ٣٠٠ ]
التنوين والإضافة. فالحجة لمن نوّن ونصب: أنه عند أهل البصرة شبيه بالمصدر، لأن المصدر عندهم إذا نوّن عمل الفعل، وكذلك إذا أضيف إلى الفاعل أو المفعول. وهو عند أهل الكوفة منصوب بمشتق من المصدر.
والحجة لمن نون وخفض: أنه أبدل: (الكواكب) من الزينة لأنها هي الزينة وهذا يدل الشيء من الشيء، وهو هو في المعنى. والحجة لمن حذف التنوين، وأضاف: أنه أتى بالكلام على أصل ما وجب له، لأن الاسم إذا ألفى الاسم بنفسه ولم يكن الثاني وصفا للأول ولا بدلا منه ولا مبتدأ بعده أزال التنوين وعمل فيه الخفض، لأن التنوين معاقب للإضافة، فلذلك لا يجتمعان في الاسم.
قوله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ «١». يقرأ بتشديد السين والميم، وبإسكان السين والتخفيف.
فالحجة لمن شدّد: أنه أراد يتسمعون، فأسكن التاء وأدغمها في السين فصارتا سينا مشددة.
والحجة لمن خفف: أنه أخذه من سمع يسمع. ومعناه: أنّ الشياطين كانت تسرق السمع من السماء فتلقيه إلى أوليائها من الإنس قبل مولد محمد ﵇ فتبديه، فلما ولد صلى الله عليه رجموا بالنجوم، فامتنعوا من الاستماع، وهذا من أدلّ دليل على صحة نبوته ﷺ.
قوله تعالى: بَلْ عَجِبْتَ «٢». يقرأ بضم التاء وفتحها. فالحجة لمن ضم: أنه من إخبار الله تعالى عن نفسه. ودليله قول النبي ﷺ: «عجب ربكم من ألّكم وقنوطكم «٣». فالعجب من الله ﷿ إنكار لأفعالهم: من إنكارهم البعث، وسخرياتهم من القرآن، وازدرائهم بالرسول جرأة على الله، وتمرّدا، وعدوانا، وتكبّرا. فهذا العجب من الله ﷿. والفرق بينه وبين عجب المخلوقين: أنّ المخلوق لا يعجب إلا عند نظره إلى ما لم يكن في علمه، ولا جرت العادة بمثله فبهره ما رأى من ذلك فيتعجب من ذلك.
وقد جاء في القرآن ما يقارب معنى ذلك كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ «٤»، وكقوله:
_________________
(١) الصافات: ٨.
(٢) الصافات: ١٢.
(٣) أخرجه أبو عبيد في الغريب، عن محمد بن عمر،. ويرفعه: والألّ: رفع الصوت بالدعاء. انظر: (الكافي الشّافي في تخريج أحاديث الكشاف ٤:، ٣٧).
(٤) آل عمران: ٥٤.
[ ٣٠١ ]
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «١»، وكقوله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٢»، فالمكر من الله والاستهزاء والمحبة على غير ما هي من الخلق وبخلافها، فكذلك العجب منه بخلاف ما هو من المخلوقين، لأنها منه على طريق المجازاة بأفعالهم وإتيان اللفظ مردودا على اللفظ. والحجة لمن فتح:
أنه جعل التاء للنبي ﷺ.
ومعناه: بل عجبت يا محمد من وحي الله إليك، وهم يسخرون.
قوله تعالى: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ «٣» يقرأ هاهنا وفي الواقعة «٤» بكسر الزّاي وفتحها. فالحجة لمن قرأه بالكسر: أنه أراد: لا ينفد شرابهم. والحجة لمن فتح: أنه أراد: لا تزول عقولهم إذا شربوها بالسّكر. وفرّق (عاصم) بينهما فقرأها هنا بالفتح، وفي (الواقعة) بالكسر فقيل: إنه جمع بين اللغتين ليعلم بجوازهما. وفرّق بعضهم بين ذلك
فقال: إنما فتح هاهنا لقوله: لا فِيها غَوْلٌ «٥» وهو كلّ ما اغتال الإنسان فأهلكه وذهب بعقله. وكسر في الواقعة لأن الله تعالى وصف الجنة، وفاكهتها وجعل شرابها من معين، والمعين لا ينفد، فكان ذهاب العقل في (الصافات) أشبه، ونفاد الشراب في (الواقعة) أشكل.
قوله تعالى: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ «٦». إجماع القراء على فتح الياء إلّا ما قرأه (حمزة) من ضمها. فمن فتح، أخذه من: زفّ يزفّ. ومن ضم أخذه من: أزفّ يزف. وهما لغتان معناهما: الإسراع في المشي.
قوله تعالى: ماذا تَرى «٧» يقرأ بفتح التاء، وإمالة الراء، وتفخيمها. وبضم التاء وكسر الراء بياء الإمالة فالحجة لمن فتح التاء: أنه أراد به: معنى الرّويّة، والرأي.
وقد ذكر وجه الإمالة والتفخيم فيما سلف. والحجة لمن ضمّ وكسر الراء: أنه أراد به المشورة، والأصل فيه: (ترائي) فنقل كسرة الهمزة إلى الرّاء، وحذف الهمزة لسكونها
_________________
(١) البقرة: ١٥.
(٢) آل عمران: ٣١.
(٣) الصافات: ٤٧.
(٤) الواقعة: ١٩.
(٥) الصافات: ٤٧.
(٦) الصافات: ٩٤.
(٧) الصافات: ١٠٢.
[ ٣٠٢ ]
وسكون الياء. واشتقاق المشورة من قولهم: «شرت» العسل إذا أخرجته من الخليّة ومعناه: استخراج الرأي.
قوله تعالى: وَإِنَّ إِلْياسَ «١». أجمع القراء على فتح النون وقطع الألف بعدها إلا (ابن عامر) فإنه وصلها. فالحجة لمن قطع: أنه شاكل بهذه الألف، أخواتها في أوائل الأسماء الأعجمية. والحجة لمن وصلها: أنها الداخلة مع اللام للتعريف، فكان الاسم عنده قبل دخولها عليه (ياس).
قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «٢» يقرأ بكسر الهمزة وقصرها وإسكان اللام بعدها، وبفتح الهمزة ومدّها وكسر اللام بعدها. فالحجة لمن كسر الهمزة: أنه أراد.
(إلياس) فزاد في آخره الياء والنون، ليساوي به ما قبله من رءوس الآي، ودليله ما قرأه (ابن مسعود) «٣»: «سلام على إدراسين» يريد: إدريس. والحجة لمن فتح الهمزة:
أنه جعل اسمين: أحدهما: مضاف إلى الآخر. معناه: سلام على آل محمد ﷺ وعليهم، لأنه قيل في تفسير قوله يس: يريد يا محمد. واختلف الناس في قولهم:
آل محمد، فقيل معناه: من آل إليه بنسب أو قرابة.
وقيل من كان على دينه، ودليله قوله تعالى: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ «٤». وقيل آله:
أصحابه، وأهله، وذريته.
فأما أهل صناعة النحو فأجمعوا: أن الأصل في (آل) (أهل) فقلبت الهاء همزة ومدّت ودليلهم على صحة ذلك: أنك لو صغّرت آلا لقلت: أهيلا ولم تقل: أويلا لأنهم صغّروه على أصله لا على لفظه.
وقال حذّاق النحويين: الحجة لمن قرأ: (إدراسين) و(إلياسين) فإنما جمع، لأنه أراد بذلك: اسم النبي ﷺ وضمّ إليه من تابعه على دينه كما قالوا:
(المسامعة) و(المهالبة) «٥».
_________________
(١) الصافات: ١٢٣.
(٢) الصافات: ١٣٠.
(٣) انظر: ٧٢.
(٤) البقرة: ٥٠، الأنفال: ٥٤.
(٥) قال في القاموس:، المهلب أبو «المهالبة» والمسمع كمنبر: الأذن جمع مسامع، وأبو قبيلة: وهم المسامعة.
[ ٣٠٣ ]
قوله تعالى: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ «١» يقرأ بالنصب والرفع. فالحجة لمن نصب: أنه جعله بدلا من قوله: وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ «٢»، الله ربكم ورب آبائكم الأولين، يحتمل أن يكون أضمر فعلا كالذي أظهر فنصب به، أو أضمر (أعني) فإن العرب تنصب بإضماره مدحا وتعظيما. والحجة لمن رفع: أنه أضمر اسما ابتدأ به، وجعل اسم الله تعالى خبرا له، لأن الكلام الذي قبله قد تم فكأنه قال: هو الله ربكم.
ودليله قوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها «٣» وبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ «٤» يريد بهما، هذه سورة وهذه براءة من الله. أو يبتدئ باسم الله ﷿ مستأنفا له، فيرفعه ويجعل قوله (ربكم) الخبر ويعطف عليه ما بعده.