قوله تعالى «٤»: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولهم: «٥» ما أبالي أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت أم أدبرت. وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا لأن فيه
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) في (ط): سبحانه.
(٣) ما بين المعقوفتين زيادة في (م).
(٤) في (ط) بدون: تعالى.
(٥) في (م): قوله.
[ ١ / ٢٦٤ ]
التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى إذا استفهمت فقلت:
أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنّك إذا أخبرت فقلت: «١» سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، فقد سويت الأمرين «٢» عليك، فلمّا عمّتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام. فكلّ استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما.
ومثل التسوية- في هذا- الاختصاص في نحو: أنا أفعل كذا أيّها الرجل، واللهم اغفر لنا أيّتها العصابة، لمّا كنت مختصّا نفسك والعصابة في هذا الكلام جرى عليه لفظ النداء من حيث أردت الاختصاص الذي أردته في النداء، كما جرى الاستفهام على التسوية فمن ثمّ صار كل منادى مختصّا، وإن لم يكن كل مختص منادى.
ولا يجوز في هذا الموضع (أو) مكان (أم)، لأن المعنى:
سواء عليّ هذان، ألا ترى أنك لو قلت: سواء عليّ القيام والقعود، لم يجز إلّا الواو.
وكذلك لو أظهرت المصدرين اللذين دلّ عليهما لفظ الفعلين المذكورين في قوله تعالى: «٣» اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ [الطور/ ١٦] لقلت: سواء عليكم الجزع والصبر، ولم تقله بأو، كما قال تعالى:
_________________
(١) في (ط): قلت.
(٢) في (ط): بين الأمرين.
(٣) زيادة في الأصل.
[ ١ / ٢٦٥ ]
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ «١» [الحج/ ٢٥] ولو قلت: سواء عليّ العاكف أو البادي، أو سواء عليّ الجزع أو الصبر، لكان المعنى سواء عليّ أحدهما، وسواء عليّ أحدهما كلام محال، لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين فصاعدا.
فإن قلت: فقد قال أبو عمرو: إن الأصمعي أنشدهم لرجل من هذيل:
وكان سيان ألّا يسرحوا نعما أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح
«٢» فأنشدهموه بأو، وسيّان مثل سواء، ألا ترى أنه لا يستقيم زيد أو عمرو سيان [كما لا يستقيم مع سواء ولا تكون أو بمنزلة الواو. فالقول في ذلك أن هذا على ظاهر الاستحالة التي ذكرنا، وإنما استجاز هذا الكلام بأو لأنّه يراه يقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيجوز له أن يجالسهما ويسمع: ولا تطع منهم آثما أو كفورا [الإنسان/ ٢٤] فلا يطيعهما، كما أنه إذا قيل له ذلك بالواو كان كذلك. فلما رآها
_________________
(١) (سواء) قراءة حفص بالنصب وقرأ الباقون بالرفع انظر النشر ٢/ ٣٢٦.
(٢) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ورواية الديوان طبعة دار الكتب (١: ١٨٠). وكان مثلين ألا يسرحوا نعما حيث استرادت مواشيهم وتسريح ولا شاهد فيها. يريد: حيث رادت، أي: جاءت وذهبت. تسريح: أي: حيث سرحت. يقول: إن الموضع مجدب، فسواء سرحوا نعمهم، أم لم يسرحوها، فلا خصب يرتجى. ويروى: استراحت مكان: استرادت. السوح: جمع ساحة، وهي الناحية انظر اللسان (سوا، وسرح)، والخصائص: ١: ٣٤٨، ٢: ٤٦٥، والخزانة: ٢: ٣٤٢ وشرح أبيات المغني ٢/ ٣٠.
[ ١ / ٢٦٦ ]
تجري مجرى الواو في نحو هذه المواضع أجراها مجراها مع سواء وسيّان. فهذا كلام حقيقته ما ذكرنا، والذي سوّغه عند قائله ما وصفنا. وكذلك قول المحدث:
سيّان كسر رغيفه أو كسر عظم من عظامه
«١» فأمّا قوله: «٢» مررت برجل سواء درهمه، وهذا درهم سواء، فمعناه تامّ فهذا يجوز الاقتصار به على اسم مفرد] «٣» وكذلك قوله تعالى: «٤» وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [القصص/ ١٤] أي: كمل وتمّ. فهذا الفعل مثل هذا الاسم، ولو كان من التسوية بين الشيئين لم يستغن بفاعل كما لم يستغن سواء عن اثنين في نحو: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٢٥].
فأمّا قوله تعالى: «٥» ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [النجم/ ٦] فمعناه: «٦» استقام، كقوله: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [القصص/ ٦٤]. ولا تكون المقتضية لفاعلين، لأن الضمير المرفوع لم يؤكد في الآية. فقوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى جملة
_________________
(١) لأبي محمد يحيى اليزيدي من أبيات هجا بها أبا المقاتل. انظر الخزانة: ٤/ ٤٢٥. وشرح أبيات المغني ٢/ ٣١.
(٢) في (ط): قولهم.
(٣) ما بين المعقوفين، مكتوب خطأ في (ط) بعد كلمة سواسية الآتية.
(٤) زيادة في (م).
(٥) زيادة في (م).
(٦) في (ط): معناه، وهو سهو، والفاء في قوله: «فمعناه» ضرورية من أجل أنها جواب (أمّا).
[ ١ / ٢٦٧ ]
في موضع الحال. ولم يثنّ سواء كما ثني سيّان، وإن كانوا قد كسّروه في قولهم: سواسية.
وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية سواء، ولم يصب ابن السجستاني في ذلك، لأنّ أبا الحسن وأبا عمر زعما أن ذلك لا يثنى، كأنّهم استغنوا بتثنية سيّ عن تثنية سواء، كما استغنوا عن ودع بترك. وعلى ما قالا جاء التنزيل في قوله:
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٢٥] وقوله: اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ [الطور/ ١٦] فسواء في الآية «١» مرتفع بالابتداء، وما بعده مما دخل عليه حرف الاستفهام في موضع الخبر، وبالجملة في موضع رفع بأنّها خبر إنّ.
فأمّا قوله: (لا يُؤْمِنُونَ) فيستقيم أن يكون استئنافا، ويستقيم أن يكون حالا من الضمير المنصوب على حدّ: معه صقر صائدا به غدا وبالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة/ ٩٥] ويستقيم أن تجعله خبر إنّ، فيكون في موضع رفع، ولا يكون لقوله: (سواء عليهم) وما بعده موضع من الإعراب، كما حكمنا على موضعه بالرفع فيما تقدم، لأنّه الآن يصير اعتراضا بين الخبر والاسم، ألا ترى أنه [مما] «٢» يؤكد امتناعهم من الإيمان. وهذه «٣» الآية ينبغي أن تكون خاصّة لقوم بعينهم «٤»، لأن كثيرا من الكفّار قد آمنوا.
فإن قلت: لم زعمتم أن (سواء) يرتفع «٥» بالابتداء على ما عليه التلاوة، وأنت إذا قدّرت هذا الكلام على ما عليه
_________________
(١) أي آية البقرة/ ٦ المتقدمة.
(٢) زيادة في (م).
(٣) في (ط): فهذه.
(٤) في (ط): بأعيانهم.
(٥) في (ط): مرتفع.
[ ١ / ٢٦٨ ]
المعنى فقلت: سواء عليهم الإنذار وتركه كان (سواء) خبر ابتداء مقدّما، فهلا قلت فيها ذلك أيضا قبل تقدير الكلام بالمعنى؟.
فالقول في هذا أن (سواء) يرتفع «١» حيث ذكرنا بالابتداء، وإن كان في قوله: «٢» سواء عليهم الإنذار وتركه يرتفع بأنّه خبر مقدم. وذلك أنه لا يخلو في قولك: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] من أن يرتفع بأنه مبتدأ أو خبر مبتدأ.
فإن رفعته بأنه خبر لم يجز، لأنّه ليس في الكلام مخبر عنه، فإذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا، لأنّ الخبر إنّما يكون عن مخبر عنه. فإذا فسد ذلك ثبت أنّه مبتدأ.
وأيضا فإنّه لا يجوز أن يكون خبرا، لأنّه قبل الاستفهام، وما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيّز الاستفهام، فلا يجوز إذن أن يكون الخبر عمّا في الاستفهام متقدّما على الاستفهام.
فإن قلت: كيف جاز أن تكون الجملة التي ذكرتها من «٣» الاستفهام خبرا عن المبتدأ وليست هي هو ولا له ذكر فيها؟
فالقول في ذلك: أنّه كما جاز أن يحمل المبتدأ على المعنى فيجعل خبره ما لا يكون إيّاه في المعنى، ولا له فيه ذكر، كذلك جاز في الخبر لأنّ كلّ واحد منها يحتاج أن يكون
صاحبه في المعنى. فما جاز في أحدهما من خلاف ذلك جاز في الآخر، وذلك قولهم: «تسمع بالمعيدي خير من أن
_________________
(١) في (ط): مرتفع.
(٢) في (ط): قولهم.
(٣) في (ط): في.
[ ١ / ٢٦٩ ]
تراه». «١» ألا ترى أن خيرا خبر عن تسمع، وكما أخبر عنه كذلك عطف عليه في قولهم: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، والفعل لا يعطف عليه الاسم كما لا يخبر عنه، إلّا أنّ المعنى لمّا كان على الاسم استجيز فيه الإخبار عنه والعطف عليه، وجاز دخول لا على الاسم من غير تكرير، كما جاز في قولهم:
هذان لا سواء، لأن الخبر لم يظهر في الموضعين جميعا.
ونظير ما في الآية من أن خبر المبتدأ ليس المبتدأ ولا له فيه ذكر ما أنشده أبو زيد:
فإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا على شجوه إلّا بكيت على عمرو
«٢» فإن قلت: أيجوز أن توقع الجملة التي من الابتداء والخبر موقع التي من الفعل والفاعل في نحو: سواء عليّ أقمت أم قعدت، فتقول: سواء علي أدرهم مالك أم دينار، وما أبالي أقائم أنت أم قاعد؟
فالقول في ذلك أنّ أبا الحسن يزعم أنّ ذلك لا يحسن.
قال: وكذلك لو قلت: ما أبالي أتقوم أم تقعد؟ لم يحسن، لأنّه
_________________
(١) يضرب لمن خبره خير من مرآة. ويروى: لأن تسمع بالمعيدي خير، وأن تسمع، ويروى: تسمع بالمعيدي لا أن تراه. وأول من قاله المنذر بن ماء السماء. والمعيدي: تصغير المعدي، بفتح الميم والعين وتشديد الدال، خففت الدال استثقالا للتشديد مع ياء التصغير (انظر مجمع الأمثال: ١/ ٩١٣، والقاموس المحيط: عد).
(٢) آخر أربعة أبيات رواها في النوادر/ ١٥٦، لعبد الرحمن بن جمانة المحاربي، فإن حراما، أي: واجبا.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ليس معه الحرف الذي يجزم.
ومما يدلّ على ما قال أن ما جاء في التنزيل من هذا النحو جاء مع المثال الماضي، كقوله تعالى: «١» سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا [إبراهيم/ ٢١] وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون/ ٦] وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] وقال:
سواء عليك اليوم أنصاعت النّوى بخرقاء أم أنحى لك السيف ذابح
«٢» وقال:
ما أبالي أنبّ بالحزن تيس أم لحاني بظهر غيب لئيم
«٣» فهذا «٤» الكلام، وإن كان قد جرى عليه حرف الاستفهام
_________________
(١) (انظر الديوان ٢/ ٨٧٣، وخزانة الأدب: ٤/ ٤٦١). (انظر الكتاب: ١/ ٤٨٨، والخزانة: ٤/ ٤٦١).
(٢) زيادة في (م).
(٣) من قصيدة لذي الرمة، مطلعها: أمن دمنة جرت بها ذيلها الصبا لصيداء مهلا ماء عينيك سافح ذيل الريح: أواخرها. يريد: أماء عينيك سائل من أجل دمنة لصيداء، ثم قال: مهلا، أي: لا تبك. انصاعت: ذهبت. خرقاء: لقب مية التي غالب شعره فيها. ويروى: صيداء مكان خرقاء. أنحى لك: قصد نحوك.
(٤) لحسان بن ثابت، من قصيدة يهجو فيها ابن الزبعرى وبني مخزوم يوم أحد. ديوانه ١/ ٤٠ ت عرفات. نب التيس: صوت عند هياجه. الحزن: ما غلظ من الأرض، وخصه لأن الجبال أخصب للمعز من السهول.
(٥) في (ط): وهذا.
[ ١ / ٢٧١ ]
للتسوية فهو خبر، فلمّا كانوا قد حذفوا حرف الجزاء واستمرّ حذفه لطول الكلام حيث لو أظهر لم يمتنع- وذلك نحو لأضربنّه ذهب أو مكث- لزم حذف الحرف هنا «١»
لإغناء حرف الاستفهام عنه لمقاربة الشرط الاستفهام في اجتماعهما في أنّهما ليسا بخبر، وأنّهما يقتضيان الجواب، وبعض الحروف قد يغني «٢» عن بعض، ألا ترى أنّ أن لم تظهر في قولهم: ما كان زيد ليقوم، وأنّ أن قد أغنى عن اللام الجارة في نحو: أتيتك أن احتزّ «٣» مودة زيد، ونحو ذلك، وكذلك حروف العطف إذا نصب بها، فكذلك حروف المجازاة لمّا كانوا قد حذفوه في قولهم:
لأضربنّه ذهب أو مكث، واستمرّ حذفه مع أنّه [لا حرف] «٤» يكون بدلا منه كان حذفه في باب: سواء وما أبالي، للزوم ما ذكرنا من الحرف له أولى.
ولم يجز أن يقع موقع التي من الفعل والفاعل التي من الابتداء والخبر، كما لم يجز ذلك في قوله: لأضربنّه ذهب أو مكث، وغير ذلك من المواضع التي يراد فيها الجزاء، ولم يقع إلّا التي من الفعل والفاعل، لتدلّ على الجزاء، كما لم تقع «٥» إلّا التي من الفعل والفاعل في نحو: عسى زيد أن يقوم، وكاد يذهب، وبابهما. ولم يستعملوا المصدر ليجري ذكر المثال الذي يدل على الزمان في الكلام لما أرادوا من تقريبه، وإن كان المصدر غير ممتنع استعماله هاهنا، كما قالوا:
_________________
(١) في (ط) هاهنا.
(٢) في (ط): تغني.
(٣) في (ط): اجتر.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة في (م).
(٥) في (ط): يقع.
[ ١ / ٢٧٢ ]
«عسى الغوير أبؤسا» «١» فإذا كانوا قد امتنعوا من استعمال الاسم والمصدر هنا، مع أن المعنى في استعماله غير فاسد، فألّا يستعمل حيث معناه الجزاء ولا يصح المعنى في غير الفعل أجدر.
فأمّا قوله: «٢» سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ [الأعراف/ ١٩٣] فإنّما وقع أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ في موضع: أم صمتّم: وجاز ذلك هنا «٣» لتقدم التي من الفعل والفاعل، فحسن لتقدّمها أن توقع بعدها التي من الفعل والفاعل، فحسن لتقدّمها أن توقع بعدها التي من الابتداء والخبر، كما جاز ذلك في الجزاء، لأنّها هنا «٤» بعد حرف، كما أنّه ثمّ بعد الفاء أو إذا. «٥» ولو لم يتقدم «أدعوتموهم» كما أنّه لو لم يتقدم الشرط في نحو: إن تأتني فلك درهم، أو: فعمرو مكرم، ونحو ذلك لم يجز وقوع التي من الابتداء والخبر موقع التي من الفعل والفاعل.
ومثل ذلك في وقوع التي من اسمين موقع الفعل والفاعل
_________________
(١) الغوير: تصغير غار. الأبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة. وهذا مثل قالته الزباء لقومها فيما يقال، حين رجع قصير من العراق ومعه الرجال، فبات بالغوير. على طريقه وقيل غير ذلك، وذكره البخاري في الفتح ٥/ ٢٧٤ من حديث عمر. معناه: لعل الشر آتيكم من الغوير. ويضرب للرجل يجيء من قبله الشر. وأبؤسا: منصوب إما على تقدير أن يكون، وإما على أن عسى بمنزلة كان. (انظر مجمع الأمثال: ٢/ ١٧ وكتاب الأمثال/ ٣٠٠، والخصائص ١/ ٩٨ واللسان (غور) (بؤس).
(٢) في (ط): وأما.
(٣) في (ط): هاهنا.
(٤) في (ط): هاهنا.
(٥) في (ط): وإذا.
[ ١ / ٢٧٣ ]
قوله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ [الروم/ ٢٨] فقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ واقعة موقع التي من الفعل والفاعل، كأنّه قال: هل لكم مما ملكت أيمانكم شركاء فيساووكم، أي: فكما لا يساويكم مماليككم في أموالكم فيكونون فيها أمثالكم، كذلك لا تسوّوا ما اتخذتموه آلهة بمن يملكهم، وبمن خلقهم وبرأهم. وجاز ذلك لوقوعها بعد الحرف، وأنّ تقدم الاستفهام «١» في قوله: «هل لكم» يضارع تقدم الشرط، فلذلك جاز هذا. وإذا كان الموضع موضع جزاء، ثبت أنّ وقوع المضارع لا يحسن في نحو: سواء عليّ أتقوم أم تذهب، كما لا يحسن في قوله: لأضربنه يمكث أو يذهب، على حدّ لأضربنه ذهب أو مكث.
وأمّا التقاء الهمزتين في: أَأَنْذَرْتَهُمْ وتحقيقهما: فمن حجّة من حقّقهما أن يقول: إن الهمزة حرف من حروف الحلق، فكما اجتمع المثل مع مثله مع «٢» سائر حروف الحلق، نحو فهّ «٣» وفههت وكعّ «٤» وكععت، كذلك حكم الهمزة.
وممّا يجوّز ذلك ويسوّغه أن سيبويه زعم أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأناس معه. قال سيبويه: وقد تتكلم «٥» ببعضه العرب وهو رديء. «٦»
_________________
(١) في (ط) حرف الاستفهام.
(٢) في (ط): في.
(٣) فه، كفرح: عي.
(٤) كع كمنع وعلم: جبن وضعف.
(٥) في (ط): وقد تكلم.
(٦) نص عبارة سيبويه: وقد بلغنا أن قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحققون نبيء، وبريئة. وذلك قليل رديء. (انظر الكتاب: ٢/ ١٧٠).
[ ١ / ٢٧٤ ]
ومما يقوّي ذلك من «١» استعمالهم له قولهم «٢»: رأّس «٣» وسآل وتذأّبت «٤» الريح ورأّيت «٥» الرجل. فكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع.
وممّا يقوي ذلك أنّهم قد أبدلوا منها غيرها في نحو:
يهريق وهيّاك، «٦» كما أبدلوها من غيرها في نحو رأيت رجلأ وهذه حبلأ «٧» في الوقف. فكما جرت مجرى سائر الحروف المعجمة في إبدالها من غيرها وإبدال غيرها منها، كذلك تكون سبيلها في اجتماعها «٨» مع مثلها، كما اجتمع سائر الحروف مع أمثالها.
والحجّة لمن «٩» قال: (أانذرتهم)، فلم يجمع بين الهمزتين وخفّف الثانية أن يقول: إن العرب قد رفضت جمعهما في مواضع من كلامهم. من ذلك أنّهم لمّا اجتمعتا في آدم وآدر
_________________
(١) في (ط): في.
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) الرءّاس بتشديد الهمزة ممدودة: بائع الرءوس، وكذلك همزة سأّل.
(٤) تذأبت الريح: جاءت في ضعف من هنا وهنا.
(٥) رأيت الرجل بتشديد الهمزة: أريته على خلاف ما أنا عليه، ورأيته أيضا: عرضت عليه المرآة وحبستها له ينظر فيها.
(٦) لغة من سبع لغات في إيا (انظر الهمع: ١: ٦١).
(٧) قال سيبويه: «وزعم الخليل أن بعضهم يقول: رأيت رجلأ، فيهمز، وهذه حبلأ، وتقديرهما رجلع، وحبلع، فهمز لقرب الألف من الهمزة، حيث علم أنه سيصير إلى موضع الهمزة، فأراد أن يجعلها همزة واحدة، وكان أخف عليهم» انظر الكتاب: ٢: ٢٨٥.
(٨) مع مثلها ساقطة من (ط).
(٩) في (ط): لقول من.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وآخر، ألزموا جميعا الثانية البدل، ولم يحقّقوا الثانية، ولما كسّروا وحقّروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة ما لا أصل له في الهمز فقالوا: أواخر وأويخر، فأبدلوا منها الواو، كما أبدلوها ممّا هو ألف لا يناسب الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب. ففي هذا دلالة بيّنة على رفضهم اجتماعهما. ألا ترى أنهم لم يرجعوها في التحقير والتكسير كما رجعوا الواو في ميقات وميعاد والياء من موسر في قولهم: مواقيت ومياسير. ففي ذلك دلالة بيّنة على رفضهم لجمعهما.
ومن ذلك أنّا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما وجدنا ذلك في سائر أخوات الهمزة من الحلقية، كقولهم:
مهاه وفهّ ويدعّ اليتيم ومحّ وألحّ وضغيغة «١» ومخّ. فأن لم يجمعوا بين الهمزتين في الموضع الذي جمع فيه بين أخواتها، وكرّرت، دلالة على رفضهم لجمعهما. وإذا لم يتوال ذلك في بنات الثلاثة، فألّا يتوالى ذلك في بنات الأربعة أولى.
فأمّا نحو: نأنأ «٢» وطأطأ «٣» وبأبأ «٤» الصبيّ أباه، فقد حجز الحرف بينهما، وإنّما الذي ينكر تواليهما من غير أن يحجز بينهما شيء. ومن ثم قال أبو الحسن في بناء مثل قمطر من
_________________
(١) المهاه: الطراوة والحسن. والفه: العي، ويدع اليتيم: يدفعه، ومح الثوب: بلي، ومن معاني الضغيغة: الروضة الناضرة، والعجين الرقيق (اللسان).
(٢) نأنأ في الرأي: ضعف ولم يبرمه وعنه: قصر وعجز.
(٣) طأطأ عن الشيء: خفض رأسه عنه، وطأطأ فرسه: نحزه بفخذيه، وحركه للحضر، أي: السرعة.
(٤) بأبأ الصبي أباه: قال: بابا.
[ ١ / ٢٧٦ ]
قرأت: قرأي، فلم يكرّر الهمزة، كما تكرّر سائر اللامات، نحو جلبب «١» وقعدد «٢» وعوطط «٣». ومن ذلك أنهم ألزموا باب رزيئة وخطيئة عمّا يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا: خطايا ورزايا. فلو كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنّه لو «٤» كان لتحرك العينات في نحو: قال وباع مجاز ما ألزموهما القلب.
فإن قال: «٥» فقد حكي عن بعضهم: خطائىء، بتحقيق الهمزتين فذلك يجري مجرى الأصول المرفوضة، نحو:
ظننوا «٦» والأظلل «٧»
_________________
(١) جلببه: ألبسه الجلباب، وهو القميص، وثوب واسع دون الملحفة، تلبسه المرأة.
(٢) القعدد، من معانيه: الحامل والجبان اللئيم القاعد عن المكارم.
(٣) العوطط: الناقة لم تحمل سنين من غير عقر، عاطت تعيط، وتعوط.
(٤) ساقطة من (ط).
(٥) في (ط): قلت.
(٦) من قول قعنب بن أم صاحب: مهلا أعاذل قد جربت من خلقي أني أجود لأقوام وإن ضننوا (انظر الصفحة/ ١٢١ من هذا الجزء).
(٧) من قول أبي النجم من رجز طويل يصف فيه الإبل لهشام بن عبد الملك: تشكو الوجى من أظلل وأظلل وبعده: من طول إملال وظهر مملل تشكو، الضمير فيه للإبل. الوجى: الحفى. الأظل: باطن خف البعير. الإملال: مل عليه السفر وأمل: طال، والمراد بالإملال السفر، أو أنه من
[ ١ / ٢٧٧ ]
ولو جاز الاعتداد بذلك وبما «١» أشبهه لجاز أن يقال في تكسير مطية: مطائي لقول «٢» بعضهم سماء، «٣» فإذا كانوا قد رفضوا ذلك في حال السعة والاختيار- مع أنّه أسهل من اجتماع الهمزتين- فأن يرفض «٤» اجتماع الهمزتين أجدر.
ومن ذلك أنهم إذا بنوا اسم فاعل من ناء وساء وشاء «٥» وجاء قالوا: شاء «٦» وناء، فرفضوا الجمع بينهما في هذا الطرف- كما رفضوه أولا في آدم وآخر- إما بالإبدال وإما بالقلب كما يقوله الخليل، وأخذوا- على قول النحويين غير الخليل «٧» - بما رفضوه في غيره من توالي الإعلالين. فلولا أنّ اجتماعهما عندهم أبعد من توالي الإعلالين لم يأخذوا بتواليهما المرفوض من كلامهم في هذا الموضع، كما أن إخلاء الفعل من الفاعل لولا أنّه أبعد عندهم من الإضمار قبل الذكر لم يأخذوا بالإضمار قبل الذكر في مثل: نعم رجلا، وضربني وضربت زيدا لمّا كان يلزمهم في هذه المواضع إخلاء الفعل من الفاعل.
ومن ذلك أن من قال: هذا فرجّ وهو يجعلّ، فضاعف
_________________
(١) أمله وأمل عليه، أي: أسامه. (انظر الكتاب: ٢: ١٦١، وشرح شواهد الشافية: ٤٩١).
(٢) في (ط): وما.
(٣) في (ط): كقول.
(٤) أحد جموع سماء أصلها سمائي وزنه فعائل، وقد جاء هذا الوزن في قول أمية بن أبي الصلت: له ما رأت عين البصير وفوقه سماء الإله فوق سبع سمائيا انظر اللسان (سمو). وديوان أمية ص ٥٢٨.
(٥) في (ط): يرفضوا.
(٦) في (ط): ناء وشاء وساء.
(٧) في (ط): شاء وساء.
(٨) في (ط): في غير هذا الموضع.
[ ١ / ٢٧٨ ]
في الوقف حرصا على البيان لم يضاعف نحو النبأ والرشإ، لكنه رفض هذا الضرب من الوقف وما كان يحرص عليه من البيان، لمّا كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه: من اجتماع الهمزتين.
ومن ذلك أنّ الهمزة إذا كانت مفردة غير متكررة كرهها «١» أهل التخفيف حتى قلبوها أو حذفوها، لئلا يلزمهم تحقيقها، وقد وافقهم في بعض ذلك أهل التحقيق، كموافقتهم لهم في يرى. فلمّا كرهوا ذلك في الإفراد وجب إذا تكررتا ألا يجوز إلا التغيير، ألا ترى أنّ الواو المفردة المضمومة لمّا كنت مخيّرا في تصحيحها وقلبها، ثم انضم إليها أخرى، لزم قلبها وامتنع تصحيحها الذي كان يجوز فيها قبل التكرر، فكذلك الهمزة إذا انضمت إليها أخرى، لزم رفضهما وامتنع جمعهما، كما كان ذلك في الواوين. فكما لم يجمع أحد بين هاتين الواوين كذلك يجب ألا يجمع بين الهمزتين.
ومن ذلك أنّ ناسا- إذا اجتمعتا من كلمتين- فصلوا بينهما بالألف في نحو:
أاأنت زيد الأرانب «٢» كما فصلوا بين النونات في نحو اخشينانّ. فكما ألزموا الفصل بين النونات بالألف، كذلك يلزم في آأنت لئلا تجتمع
_________________
(١) في (ط): كرهه.
(٢) جزء من بيت لذي الرمة وتمامه: تطاللت فاستشرفته فعرفته فقلت له: آأنت زيد الأرانب انظر ديوانه: ٣/ ١٨٤٩.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الهمزتان. بل ذلك في الهمزتين ينبغي أن يكون ألزم، لما قدّمنا لرفضهم لهما وجمعهم في التضعيف بين أكثر من حرفين نحو ردّد وشدّد. فإذا كانوا قد ألزموا النون في اخشينان [الفصل] «١» بين ما يجتمع مثله فأن يلزموها بين ما رفضوا الجمع بينهما أجدر.
فهذه الأشياء تدلّ على رفض اجتماع الهمزتين في كلامهم.
فأمّا جمعهما وتحقيقهما في (أَأَنْذَرْتَهُمْ) فهو أقبح من تحقيقهما من «٢» كلمتين منفصلتين، نحو قرأ أبوك ورشأ أخيك، لأنّ الهمزة الأولى من (أَأَنْذَرْتَهُمْ) تنزّل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد، ألا ترى أنّهم قالوا: لهو وفهو، ولَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج/ ٥٨] ولهي، فخفّفوا ذلك كله، كما خفّفوا عضدا فقالوا: عضد، فكذلك الأولى في (أأنذرتهم) لمّا لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر، كما نزّلت الحروف المفردة التي ذكرتها «٣» منزلة فاء الفعل في عضد وفخذ.
فأمّا إذا كانتا من كلمتين فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يردّ ويعضّ، لا يكون فيهما إلا الإدغام؟ ولو كانا منفصلين نحو: يد داود لكنت في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق
_________________
(١) زيادة في (ط).
(٢) في (ط): في.
(٣) في ط: ذكرناها.
[ ١ / ٢٨٠ ]
الهمزتين في (أأنذرتهم) وما أشبهه أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين.
وممّا يقوّي ترك الجمع بين الهمزتين «١» أنّهم قد قالوا في جمع ذؤابة: ذوائب، فأبدلوا من الهمزة التي هي عين واوا في التكسير كراهة للهمزتين «٢» مع فصل حرف بينهما.
فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما فأن يكرهوهما مجتمعتين غير مفصول بينهما بشيء «٣» أجدر. وإذا كان الجمع بينهما في: (أأنذرتهم) من البعد ما أريتك فالجمع بينهما في أئمة أبعد، لأنّ الهمزتين لا تفارقان الكلمة، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره. فكلّما كانتا أشد لزوما للكلمة كان التحقيق منهما «٤» أبعد.
وممّا يدلّ على ضعف جمع الهمزتين وأن مذهب الجمهور من العرب رفضه عزّتها في باب أجأ «٥» وآءة «٦» وإنّما قلّ ذلك من حيث لم يستجيزوا اجتماع الهمزتين فأجروا نحو أجأ ذلك المجرى، لمّا كان الفصل بحرف واحد قد جرى في كلامهم مجرى غير الفصل. وذلك نحو قولهم «٧» هو ابن عمي دنيا وقنية وعلية وعليان، وهما من علوت. وكذلك رفضوا افعل من حيث رفضوا فعل، وإن كان الفصل في افعل قد وقع بالحرف، فلما لم يعتد بالحرف الفاصل وقلبت الكسرة الواو
_________________
(١) في (ط): الهمزتين من أأنذرتهم.
(٢) في (ط): كراهية للهمزتين.
(٣) في (ط): بشيء بينهما.
(٤) في (ط): فيهما.
(٥) أجأ، على فعل بالتحريك: جبل لطيء.
(٦) الآءة، واحدة الآء: شجر، أو تمر.
(٧) في (ط): وذلك قولهم.
[ ١ / ٢٨١ ]
ياء، كما قلبته في ثيرة وسياط، ولم يكن بالفصل اعتداد، كذلك لم يكن الفصل بالحرف في نحو أجأ فصلا، فرفض ذلك كما رفض التحقيق في جاء ونحوه.
فأمّا تحرك الجيم في أجأ «١» وسكون الحرف في دنيا فإن الحركة في هذا النحو قد لا يعتدّ بها لقلّتها، ألا ترى استجازتهم لحذفها في الزحاف؟.
ومثل دنيا في أن الحرف الفاصل لم يعتدّ به قولهم:
معديّ في معدوّ، ومرضيّ ومسنيّة. «٢» ومثله: صيّم وقيّل. ونحو ذلك، ومثله: قائل وبائع، جعل الحرفان كأنّهما وقعا طرفا حيث كان الفاصل بينهما وبين الطرف حرفا. «٣» ومثله: أوليّاء «٤» أوقعت الألف التي آخرا قبل الآخر بحرف لمّا كان الفاصل بينه وبين الطرف حرفا واحدا. ومثله: أوائل وعيائل، ولو كان الفاصل حرفين كطواويس لم يعلّ. «٥» فكما أنّ الحرف المفرد في هذه المواضع لم يفصل، كذلك في باب أجأ لم يفصل، فقلّ ذلك لمّا كان الحرف المفرد في هذه المواضع غير معتدّ به. وإذا لم يعتدّ به صارت الهمزتان كأنّهما قد التقيا، «٦» والتقاؤهما ممّا قد رفضوه، فكذلك رفضوا ما كان في حكم التقائهما.
_________________
(١) في (ط): في نحو.
(٢) مسنية: من سنت السانية الأرض تسنوها، أي سقتها، فالأرض مسنوة ومسنية.
(٣) في (ط): حرفا واحدا.
(٤) تصغير أولاء، وقياس تصغير نظائرها أن تكون الألف في الآخر، نحو: ذيا في تصغير: ذا.
(٥) في (ط): ولم يعل.
(٦) في (ط): التقتا.
[ ١ / ٢٨٢ ]
فإن قلت: إن سيبويه قد ذهب في ألاءة «١» وأشاءة «٢» ونحوهما إلى أن اللام يجوز أن تكون همزة، وقد جاء من ذلك حروف. قيل: لم يكن هذا مثل أجأ، للفصل بالزيادة، ألا ترى أنّ الفاصل الذي لم يعتدّ «٣» في أوائل لمّا انضم إليه حرف آخر في طواويس اعتدّ به فصلا، وإن كان زائدا فلم يعلّ الحرف، فكذلك الفصل هاهنا «٤» لمّا وقع بالزيادة لم يمتنع الحكم عنده بأن اللام همزة، كما امتنع حيث كان الفصل حرفا واحدا. وقد وجدت الزيادة تسوّغ في تألف الحروف ما لولا مكانها لم يسغ.
ألا ترى أنّه ليس مثل قنر «٥» بلا فاصل بين النون والراء وقد قالوا: شنّير «٦» وقالوا: الشّنار، وقالوا: سنّور «٧» وسنوّر «٨» فائتلف لفصل الزيادة ما لم يكن يأتلف لولا فصلها؟ فكذلك فصل الزيادة بين الهمزتين في ألاءة وأشاءة فيما ذهب إليه.
وجاء ذلك في طأطأ «٩» ونأنأ «١٠» ودأدأ «١١» للفصل الواقع بينهما، ولأنّ ما يعرض في الثلاثة «١٢» من كثرة التصرّف لا يعرض في هذا الباب.
_________________
(١) الألاءة، واحدة الآلاء: شجر حسن المنظر، مر الطعم، لا يزال أخضر صيفا وشتاء.
(٢) الإشاءة: واحدة الأشاء، وهو صغار النخل.
(٣) في (ط): به.
(٤) في (ط): هنا.
(٥) قنر: هذه كلمة لم توضع في اللغة، وإنما يراد بتأليفها أن العرب لم تصغ عليه.
(٦) الشنير: السّيّئ الخلق.
(٧) السنور: الهر.
(٨) السنور: لبوس من قد كالدرع، وجملة السلاح.
(٩) طأطأ عن الشيء: خفض رأسه عنه، وطأطأ فرسه: نحزه بفخذيه وحركه للحضر، أي السرعة.
(١٠) نأنأ في الرأي: ضعف ولم يبرمه، وعنه: قصر وعجز.
(١١) دأدأ: عدا أشد العدو.
(١٢) في ط: في
[ ١ / ٢٨٣ ]
واعلم أن قول سيبويه: ليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحقّقا، وقوله في باب الإدغام: «١» إن ابن أبي إسحاق وناسا معه يحقّقون الهمزتين وقد تكلّم ببعضه العرب وهو رديء، ليس على التدافع ولكن لأنّه لم يعتدّ بالرديء، أو يكون لم يعتد بالتقاء المحقّقتين لقلّة ذلك بالإضافة إلى ما خفّف إذا اجتمعا. وقد عمل ذلك في أشياء نحو انقحل «٢» فعلى هذا يحمل ذلك أيضا من قوله.
قالوا: فلمّا رأيناهم قد رفضوا اجتماع الهمزتين في هذه المواضع، لم نجمع بينهما وخفّفنا الثانية، لأنّ في تخفيفها تقريبا من الألف، ألا ترى أنّ الهمزة إذا كانت مبتدأة لم تخفف لأنّ في تخفيفها تقريبا من الساكن؟ فكما أن الساكن لا يبتدأ به كذلك ما قرب من الساكن. فكما جرت مجرى الساكن في تقريبهم إيّاها منه، كذلك تجرى مجراه إذا خففنا الثانية، فتصير بعد الأولى كالألف بعدها. فكما لم تكره الألف بعدها في نحو أادم وأاخر، كذلك المخفّفة بعدها في: «٣» (أانذرتهم) لا تكره بعدها، كما تكره إذا حقّقت لما أرينا، مما دلّ على رفض العرب الجمع بينهما محقّقتين.
وحجة من فصل بين الهمزتين بألف وخفّف الهمزة الثانية
_________________
(١) انظر الكتاب: ٢/ ٤١٠، وأول العبارة هناك: وزعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأناس معه
(٢) الإنقحل: الذي يبس جلده على عظمه، والفعل قحل كفرح. والمؤلف يريد أن سيبويه ذكر في الكتاب انقحلا وقال: «وانقحل في الوصف لا غير»، ولم يعتد بنحو انزهو لندوره. انظر الكتاب: ٢/ ٣١٧.
(٣) في (ط): في نحو.
[ ١ / ٢٨٤ ]
مع الفصل بينهما بالألف. وهو الثّبت عن أبي عمرو عندنا، لأن سيبويه زعم أن ذلك هو الذي يختاره أبو عمرو.
وقد قال أحمد بن موسى: «١» إن خلفا «٢» روى عن أبي زيد ذلك في اختلاف الهمزتين، نحو (آينّكم) و(آنزل) «٣» أنّه بألف بين الهمزتين وتليين الثانية ولم يفصل سيبويه في حكايته عن أبي عمرو بين المتفقتين والمختلفتين، ألا ترى أنّه قال:
وأما أهل الحجاز فمنهم من يقول آئنك وآأنت «٤» [المائدة/ ١١٦]، ثم قال: وهي التي يختار أبو عمرو، «٥» فلم يفصل بينهما. وسيبويه وأبو زيد أضبط لمثل هذا من غيرهما.
من حجّته أن يقول: إنّي أدخلت الألف بينهما وإن جعلت الثاني بين بين، لأنّها إذا كانت على هذه الصفة فهي في حكم المتحرك، «٦» وتخفيفي إياها بأن جعلتها بين الألف والهمزة ليس يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف، ألا ترى أنّها إذا كانت مخفّفة في الوزن مثلها إذا كانت محققة؟ ولولا ذلك لم يتّزن قوله:
_________________
(١) هو ابن مجاهد. وقد سبقت ترجمته في ص/ ٦.
(٢) هو خلف بن هشام أبو محمد البزار المقرئ الأسدي البغدادي. أحد القراء العشرة، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة. ولد سنة ١٥٠، وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين. وكان ثقة كبيرا، زاهدا عابدا عالما، وسمع من الكسائي الحروف ولم يقرأ عليه. مات سنة ٢٢٩ ببغداد (طبقات القراء: ١/ ٢٧٢).
(٣) قراءة قالون، وأبي عمرو، وأبي جعفر. انظر إتحاف فضلاء البشر: ٢٨.
(٤) قراءة الحلواني. (إتحاف فضلاء البشر ص ٢٩).
(٥) انظر الكتاب: ٢/ ١٦٨.
(٦) في (ط): المتحركة.
[ ١ / ٢٨٥ ]
أأن رأت رجلا أعشى «١» لأنّه كان يجتمع فيه ساكنان وكذلك قول الآخر:
كل غراء إذا ما برزت «٢» ويدلّ على أنّ المخفّفة من الهمزتين في حكم المحقّقة عند العرب أنّهم أبدلوا الهمزة الثانية إبدالا في المواضع التي اجتمعت فيها همزتان في كلمة واحدة ولم يخفّفوا الثانية. وذلك نحو: آدم، وجاء، وخطايا. ألا ترى أن آدم لو كان قلبها فيه على حدّ القلب في رأس وفأس ورأي لكنت إذا «٣» كسّرته رددت الهمزة في التكسير، كما أنّك لو كسّرت فاسا وراسا ورايا لقلت: أرؤس وأرآء. فلو كنت في راي إذا خفّفت إنّما خففت على حد التخفيف في آدم لقلبت الهمزة في التكسير ياء أو واوا، فقلت: أرواء أو أرياء، ولكنت تقول إذا جمعت رايا على فعول رييّ فتقلبها ياء، كما قلبوها في أيمّة ياء لمّا تحركت
_________________
(١) هو من قول الأعشى: أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به ريب المنون ودهر مفسد خبل من قصيدة: ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟ ويروى مفند مكان مفسد. المنون: الدهر. خبل: ملتو بأهله. مفند: مخطئ في قوله. انظر الديوان/ ٥٥، والكتاب: ١/ ٤٧٦، ٢/ ١٦٧).
(٢) عجزه: ترهب العين عليها والحسد أورده الكتاب (٢/ ١٦٧) غير منسوب، ولم ينسبه الأعلم: وقال في شرحه: وصف امرأة حسناء إذا بدت للناظرين خيف عليها الأخذ بالعين لحسنها.
(٣) ساقطة من (ط).
[ ١ / ٢٨٦ ]
بالكسر، ألا ترى أنّك إذا قلبتها في ذئب وبئر ياء للكسرة التي قبلها، فكذلك تقلبها ياء في أيمّة للكسرة التي عليها. وقال أبو زيد في جمع رأي أرآء ورئيّ بتحقيق الهمز فيهما وأنشد غيره:
ولا يشارك في أرآئه أحدا «١» وقال الراعي في جمع نؤي:
وأنآء حيّ تحت عين مطيرة عظام القباب ينزلون الروابيا
«٢» وكذلك الهمزة في رأيت جائيا لم تقلبها كما تقلبها في تخفيف المئر «٣» إذا قلت: مير، وإن اتفق اللفظتان كما اتفق اللفظ في بريّة وخطيّة، وإن كان بريّة قلبها للإبدال غير التخفيف، وقلب خطيّة للتخفيف، كما كان لفظها في رال «٤» وباس إذا خففت كلفظها في آدم، فكذلك قولك: رأيت جائيا وشائيا وسائيا ونائيا، لا يكون القلب فيه على حدّ مير «٥» وذيب. «٦» ولو كان كذلك لجعلتها بين بين إذا قلت مررت بجاء، «٧» كما أنّك لو قلت: مررت برجل جئز «٨» لجعلتها بين
_________________
(١) لم نعثر على قائله.
(٢) الأنآء جمع نؤي، وهو حفير حول الخباء أو الخيمة، يمنع السيل.
(٣) المئر: جمع مئرة، وهي الذّحل والعداوة والنميمة.
(٤) الرأل: ولد النعامة، وهي رألة.
(٥) الميرة: الذحل والحقد.
(٦) قال في الكتاب (٢/ ١٦٤): «وإن كان ما قبلها (الهمزة) مكسورا أبدلت مكانها ياء، كما أبدلت مكانها واوا وإذا كان ما قبلها مضموما، وألفا إذا كان ما قبلها مفتوحا. وذلك الذئب والمئرة ذيب وميرة.
(٧) أي كنت تقول: مررت برجل جائئ بجعل الهمزة الثانية بين بين.
(٨) جئز الرجل: غص بالماء ونحوه كما في اللسان. ويريد كسر الجيم في جئز
[ ١ / ٢٨٧ ]
بين، وجعلتها كذلك في موضع الرفع إذا قلت: هذا جاء في قول سيبويه «١» الذي زعم أنّه قول العرب، والخليل، وقلبتها ياء في قول أبي الحسن، فقلت: جائي، فتحرّك الياء بالضمّ ولا تحذفها. فلمّا لم يكن على واحد من هذين الأمرين علمت أنّهم قلبوها قلبا. فلمّا لم يخفّفوا الهمزة في هذه المواضع التي ألزمت القلب فيها لاجتماع الهمزتين، ولكن قلبوها قلبا، علمنا أن المخفّفة التخفيف القياسي في حكم المحقّقة عندهم إذ «٢» رفضوا المخفّفة التي بين بين في المواضع التي أرينا، مع المحقّقة، كما رفضوا المحقّقتين. فإذا رفضوها رفضها لم يجز أن يجتمعا، كما لم يجز أن يجتمع المحقّقتان، وإذا لم يجز اجتماعهما مخفّفة الآخر منهما كما لم يجز اجتماعهما محقّقتين في (أأنذرتهم) لزم ألّا يجمع بينهما، ولا سبيل إلى ترك الجمع بينهما إلّا بأن تحذف إحداهما أو تقلب أو يفصل بينهما بالحاجز الذي هو الألف.
فلما لم يجز الحذف في واحد منهما ولا القلب لأنّه ليس من المواضع التي تقلب فيها الهمزة، ثبت وجوب الفصل بينهما بالألف، ووجب إلزام الفصل بينهما بها، إذ كان الجميع قد ألزموا الفصل بها بين الأمثال في قولهم: اخشينانّ، مع أن هذه الأمثال قد جمعوا بينهن في «٣» ردّد وشدّد وقضّض، وما أشبه ذلك.
_________________
(١) اتباعا لكسر الهمزة حتى يتم تمثيل جائئ به.
(٢) انظر الكتاب: ٢/ ١٦٤.
(٣) في (ط): إذا.
(٤) في (ط): في نحو.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فإذا ألزموا الفصل بها بين الأمثال التي لم يرفضوا الجمع بينها في نحو: ما ذكرنا فأن يلزموا الفصل بها بين ما رفضوا الجمع بينه من الهمزتين والهمزات أولى. وإذا كان كذلك ثبت أن أولى هذه الوجوه وأصحّها في مقاييس العربية الفصل بينهما بالألف. وإذا «١» لزم الفصل ففصل خفّف الثانية على لغة أهل الحجاز، كما خفّفوها في نحو: هباءة وقراءة، ألا ترى أن الألف التي للفصل بمنزلة التي في هباءة، وأنّهم خفّفوا الهمزة المفتوحة بعدها، كما خفّفوا المكسورة والمضمومة بعدها في نحو المسائل وهذا جزاء زيد؟ وما رواه أبو زيد وسيبويه والعباس «٢» بن الفضل عن أبي عمرو من إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين المختلفة حركتاهما، نحو: آأنزل وآألقى، كإلحاقه إياها بين الهمزتين المتّفقة حركتاهما؛ نحو (آأنذرتهم) أثبت في القياس من رواية من حكى عنه الفصل، ألا ترى أن هذه الألف إنما فصل بها كراهة لاجتماع الهمزتين، وأنّ الحركة الفاصلة بينهما، وهي حركة الهمزة الأولى سواء كان فتحة أو ضمة أو كسرة. فأمّا حركة الهمزة الثانية فبعد التقاء الهمزتين. فإذا كان كذلك فلا فصل بين (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وأَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ [القمر/ ٢٥] وأَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ [الأنعام/ ١٩] من طريق القياس.
وإذا اختلفت الرواية وكان أحد الفريقين أضبط، وعضد الضبط والثبت القياس، وموافقة الأشباه، كان الأخذ بما جمع
_________________
(١) في (ط): فإذا.
(٢) العباس بن الفضل. هو أبو الفضل الأنصاري البصري. ستأتي ترجمته ص ٣٧٦.
[ ١ / ٢٨٩ ]
هذين الوصفين أولى وأرجح. وما روي عن أبي عمرو من قوله: (آأنذرتهم) إنّما هو عندنا على الاستئناف «١» دون الدرج.
ولو أدرج القراءة فقال: (سواء عليهم أأنذرتهم) لوجب في قياس قول أبي عمرو الذي حكاه عنه سيبويه أن يحذف الهمزة الأولى من (أأنذرتهم) لسكون ما قبلها، ويلقي حركتها على الميم، فإذا فعل ذلك لزم أن يحذف الألف التي كانت مجتلبة للفصل، ويخفّف الثانية، كما كان خفّفها وقد فصل بينها وبين الأولى بالألف، فيجعلها بين بين فيقول: (عليهم أأنذرتهم).
وكذلك قياس قوله في: (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) «٢» أن يقول:
قل أإنكم لتشهدون «٣» [الأنعام/ ١٩] ألا ترى أنّك لو حذفت النون الأولى «٤» من اخشينانّ فقلت: اخشينّ يا هذه أو اخشينّ يا هذا لحذفت «٥» الألف، لزوال ما أردت الفصل بها «٦» بين النونات؟
فإن قلت: فكيف يستقيم له أن يحذف حرفا قد كان أثبته، فإنّ ذلك لا يمتنع فيما يلزم من حكم الوصل والوقف، ألا ترى أنّك إذا وصلت قوله فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ «٧» قلت: (فليؤد الذيتمن أمانته)؟ وإن شئت همزت فحذفت الياء من الذي وهمزة الوصل، وقلبت الواو التي كانت في قولك:
_________________
(١) يريد بالاستئناف الابتداء بها والوقوف على «عليهم»، ويريد بالدرج الوصل.
(٢) في (ط): قل أاإنكم لتشهدون.
(٣) في (ط): قل إنكم لتشهدون.
(٤) ساقطة: من (ط).
(٥) في (ط): فحذفت.
(٦) في (ط): به.
(٧) سورة البقرة: ٢٨٣، وهي قراءة ورش وأبي جعفر وأبي عمرو. الإتحاف: ١٠١.
[ ١ / ٢٩٠ ]
اؤتمن «١» ياء أو همزة فهذا أكثر في التغيّر مما ذكرت لك من حذف الألف المجتلبة للفصل ولا خلاف في ذلك بين الناس، فكذلك حكم حذف الألف المجتلبة للفصل بين النونات إذا وصلت الهمزة الأولى بما قبلها من الساكن.
بسم الله «٢»