قوله ﷿: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [البقرة/ ١٤٨] موضع الجملة رفع «٢» لكونها وصفًا للوجهة، فمن قرأ: هُوَ مُوَلِّيها؛ فالضمير الذي هو هُوَ لاسم الله تعالى، تقديره: ولكلّ وجهة، الله مولّيها. ومعنى توليته لهم إياها: إنما هو أمرهم بالتوجّه نحوها في صلاتهم إليها، يدلّك على ذلك قوله تعالى «٣»: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة/ ١٤٤]، فكما أنّ فاعل، نولّينّك الله ﷿، فكذلك الابتداء في قوله: هُوَ مُوَلِّيها ضمير اسم الله تعالى، والتقدير: الله مولّيها إياه، ف «إياه» المراد المحذوف ضمير المولّى، وحذف المفعول الثاني لجري ذكره المظهر وهو كُلِّ في قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ فإذا قرئ: ولكل وجهة هو مولاها فالضمير لِكُلٍّ وقد جرى ذكره في قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وفي القراءة الأخرى لم يجر الذّكر، ولكن عليه دلالة، وقد استوفى الاسم الجاري على الفعل المبني للمفعول مفعوليه اللذين يقتضيهما، أحدهما:
_________________
(١) انظر سيبويه ٢/ ٥٨ - الخزانة ١/ ١١٤. وليس في ديوانه.
(٢) كذا في (ط). ووردت في (م): جر وهو خطأ من الناسخ.
(٣) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
الضمير المرفوع في مولّى، والآخر: ضمير المؤنّث، وهو الذي هو ضمير كلّ ابتداء وخبره مولّاها. ولو قرأ قارئ: ولكل وجهة هو مولاها فجعل هُوَ ضمير ناس، أو قبيل، أو فريق، أو نحو ذلك فأضمر العلم به، كما أضمر اسم الله سبحانه، فيمن قرأ:
هُوَ مُوَلِّيها لكان ذلك على ضربين: إن جعل الهاء لِكُلٍّ فأنّث كلا على المعنى، لأنّه في المعنى للوجهة كما قال:
وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ «١» [النمل/ ٨٧] فجمع على المعنى؛ فإنّ ذلك لا يجوز، لأن اسم المفعول قد استوفى مفعوليه اللذين يقتضيهما. فلا يكون حينئذ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ متعلّق، فبقيت «٢» اللام لا عامل فيها، وإن جعل الهاء في مولاها كناية عن المصدر الذي هو التولية؛ جاز، لأن الجارّ حينئذ يتعلق باسم المفعول الذي هو (مولي) كأنه قال: الفريق أو القبيل مولّى لكلّ وجهة تولية، واللام على هذا زيادة «٣» كزيادتها في:
رَدِفَ لَكُمْ [النمل/ ٧٢] ونحوه.
وقد قلنا في هذه المسألة بعبارة أخرى في وقت آخر:
قوله جلّ وعزّ «٤»: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها هُوَ: ضمير اسم الله سبحانه «٥»، فإذا كان كذلك فقد حذف من الكلام أحد مفعولي الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين في قوله ﷿ «٦»:
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. التقدير: الله مولّيها إياه، وإيّاه ضمير كُلِّ الموجّه المولّى، وتولية الله إيّاه، إنّما هو بأمره له بالتوجّه إليها.
_________________
(١) أتوه: قراءة حمزة وخلف وحفص. وقرأ الباقون آتوه. انظر النشر ٢/ ٣٣٩. وستأتي في موضعها.
(٢) في (ط): فتبقى.
(٣) في (ط): زائدة.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) سقطت من (ط).
(٦) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وقراءة ابن عامر مولاها تدلّك على ما ذكرنا من إرادة مفعول محذوف من الكلام، ألا ترى أنّه لما بنى الفعل للمفعول به، فحذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد المفعولين، وأضاف اسم الفاعل إلى المفعول الآخر وهو ضمير المؤنث العائد إلى الوجهة، فقوله: هُوَ على قراءته ضمير كُلِّ، أي كل ولّي جهة، وهذه التولية بأمر الله سبحانه إياهم بتوجّههم إليها، وقراءته في المعنى تؤول إلى قراءة من قرأ: هُوَ مُوَلِّيها.
ألا ترى أنّ في مولّيها ضمير اسم الله ﷿، فإذا أسند الفعل إلى المفعول به، وبناه له، ففاعل التولية هو الله تعالى كما كانت في القراءة الأخرى كذلك.
وقد قرئ فيما ذكر أبو الحسن: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها. فضمير المؤنث في قوله: مُوَلِّيها يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون ضمير المصدر الذي هو التولية، وجاز إضمارها لدلالة الفعل عليها، كما جاز إضمار البخل في قوله تعالى «١»: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ [آل عمران/ ١٨٠] أي: البخل. ويكون هو ضمير اسم الله تعالى «٢». فيكون المعنى: الله مولّ لكلّ وجهة تولية، فأوصل الفعل باللام كما تقول: لزيد ضربت وإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف/ ٤٣].
والآخر: أن لا تجعل الهاء ضميرًا للتولية، ولكن ضميرًا لوجهة، فإذا جعلته كذلك لم يستقم، لأنّك إذا أوصلت الفعل
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
إلى المفعول الذي يقتضيه الفعل مرة لم توصله مرة أخرى إلى مفعول آخر- ألا ترى أنّك لو قلت: لزيد ضربته لم يجز أن تجعل الهاء ضمير زيد، لأنّك قد عدّيت إليه الفعل مرّة باللّام، فلا تعدّيه إليه مرة أخرى، كما لا يتعدّى الفعل إلى حالين، ولا اسمين للزمان، ولا نحو ذلك مما يقتضيه الفعل.
فأما قوله «١»:
هذا سراقة للقرآن يدرسه فالهاء للمصدر «٢» ولا تكون للقرآن الذي تعدى إليه الفعل باللام، وقد تصحّ هذه القراءة على تقدير حذف المضاف، وهو أن تقدّر: ولكلّ ذوي «٣» وجهة هو مولّيها فيكون المعنى: الله مولّ لكلّ ذوي «٣»: وجهة؛ وجهتهم؛ فيكون في المعنى كقراءة من قرأ: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها، إذا قدّرت حذف المفعول الثاني الذى هو إياه، إلا أنّ المفعول الثاني المحذوف في قول من قرأ: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها مظهر في هذه القراءة، وهو قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ إذا قدّرته: ولكلّ ذوي «٣» وجهة، فيصير التقدير: الله مولّ كلّ ذوي «٣» وجهة وجهتهم. فكلّ هم المولّون، والهاء ضمير الجهة التي أخذوا بالتوجه إليها.
_________________
(١) صدر بيت عجزه: والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب وهو مجهول القائل- انظر سيبويه ١/ ٤٣٧ - الخزانة ١/ ٢٢٧ - ٢/ ٣٨٣ - ٣/ ٥٧٢ - ٦٤٩ - ٤/ ١٧٠ وشرح أبيات المغني ٦/ ٢٩١ واللسان مادة/ سرق/. قال الأعلم: هجا رجلا من القراء، فنسب إليه الرياء وقبول الرشا والحرص عليها.
(٢) والتقدير: هذا سراقة يدرس القرآن درسًا.
(٣) في (ط): ذي في أربعة المواطن.
[ ٢ / ٢٤١ ]
وما ذكرته من أنّ هُوَ ضمير اسم الله تعالى «١»، وإن لم يجر له ذكر، قول أبي الحسن. وقد روي عن مجاهد أنه قال:
أراد: ولكلّ صاحب ملّة «٢» وجهة، أي: قبلة هو مستقبلها، فالضمير عنده على هذا لكلّ.
وقد حكى أبو الحسن «٣» القولين جميعًا: أن يكون هُوَ ضمير اسم الله تعالى «٤»، وأن يكون لكلّ. وجاء قوله: هُوَ مُوَلِّيها فيمن ذهب إلى هذا القول على لفظ كل، ولو قيل:
هم مولّوها على المعنى، كما قال تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ [النمل/ ٨٧] كان حسنًا. وقال بعضهم: اخترت مولّيها على مولّاها لأنه قراءة الأكثر، ولأنه إذا قرئ مولّاها ظنّ أن جميع ذلك شرعه الله لهم.
وقوله: مولاها اسم جار على فعل مبني للمفعول، ولم يسند إلى فاعل بعينه؛ فيجوز أن يكون فاعل التولية الله ﷿، ويجوز أن يكون بدعة، حملهم عليها بعض رؤسائهم ومفتيهم، فليس إذا صرفه إلى أحد الوجهين، بأولى من صرفه إلى الآخر.
فأمّا قوله: وِجْهَةٌ فقد اختلف أهل العربية فيها، فمنهم من يذهب إلى أنّه مصدر شذّ عن القياس فجاء مصححًا، ومنهم من يقول: إنه اسم ليس بمصدر جاء على أصله، وأنه لو
كان مصدرًا جاء مصحّحًا، للزم أن يجيء فعله أيضًا
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) في (م): قبلة، وما أثبتناه من (ط) نقله الطبري في تفسيره عن مجاهد في ٢/ ٢٨ وفسّر عنه: الوجهة بالقبلة.
(٣) في (ط): أبو إسحاق.
(٤) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
مصحّحا، ألا ترى أن هذا المصدر إنما اعتلّ على الفعل حيث كان عاملًا عمله؛ وكان على حركاته وسكونه؟ فلو صحّ لصحّ الفعل، لأن هذه الأفعال المعتلات، إذا صحت في موضع تبعها باقي ذلك، وفي أن لم يجيء شيء من هذه الأفعال مصحّحا دلالة على أن وِجْهَةٌ إنما صحّ من حيث كان اسمًا للمتوجّه، لا كما رآه أبو عثمان من أنّه مصدر جاء على الأصل، وما شبّهه «١» به من «ضيون وحيوة وبنات ألببه» «٢» لا يشبه هذا، لأن ذلك ليس شيء منه جاريًا على فعل كالمصدر.
فإن قيل: فيما استدللنا به من أنّ الفعل إذا اعتلّ وجب اعتلال مصدره، أليس قد جاء القول والبيع صحيحين؛ وأفعالهما معتلّة؛ فما ننكر أن يصحّ: وِجْهَةٌ، وإن كان فعله معتلًا؟.
قيل: إن القول والبيع لا يدخل على هذا، ألا ترى أنّ وِجْهَةٌ على وزن الفعل، وليس القول والبيع كذلك؟ والموافقة في الوزن توجب الإعلال، ألا ترى «٣» «بابا وعابًا». لمّا وافقا بناء الفعل أعلّا، ولم يعلّ نحو عيبة وعوض وحول؟ فالقول والبيع ليسا على وزن شيء من الأفعال فيلحقهما اعتلالها.
على أن للقائل أن يقول: إن القول والبيع ونحوهما، لما سكنا أشبها بالإسكان المعتلّ، إذ الاعتلال قد يكون بالسكون يدلك على ذلك أنهم أعلّوا نحو: سياط وحياض، وإن صحت الآحاد
_________________
(١) في (ط): أشبهه.
(٢) ويقال: بنات ألبب: عروق في القلب يكون منها الرقة. انظر اللسان (لبب) وهو أحد ما شذ من المضاعف فجاء على الأصل كما قال سيبويه (انظر الكتاب ٢/ ٦١).
(٣) في (ط): ألا ترى أن.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
منها بحيث كانا في السكون في الواحد بمنزلة المعتل نحو:
«ديمة وديم» فكما جرى ما ذكرنا مجرى المعتلّ للسكون، كذلك يجري: قول وبيع مجرى ذلك، وقد قالوا: وجّه الحجر جهة ماله» فجاء المصدر بحذف الزيادة، وكأنّ «ما» زائدة، والظّرف وصف للنكرة، ولزمت الزيادة كما لزمت في: آثرا ما «١»، ونحوه.