حجّة من رفع فقال: وعلى أبصارهم غشاوة: أنّه رأى الغشاوة لم تحمل على (ختم) ألا ترى أنّه قد جاء في الأخرى:
وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [الجاثية/ ٢٣] فكما لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل في هذه التي في مسألتنا. فإذا لم يحملها على (ختم) قطعها عنه، وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إمّا بالظرف، وإمّا بالابتداء.
وأمّا إذا نصب فلا يخلو في نصبها من أن يحملها على (ختم) هذا الظاهر، أو على فعل آخر غيره. فإن قال:
أحملها على الظاهر كأني قلت: وختم على قلبه غشاوة، أي بغشاوة، فلمّا حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى: ختم عليه بغشاوة مثل: جعل على بصره غشاوة، ألا ترى أنّه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها. واستدلّ على جواز حمل غشاوة على (ختم) هذا الظاهر، بقوله تعالى: «٤»
_________________
(١) في (ط): لشرح صدره للإسلام.
(٢) في (ط): لله. وبدون «تعالى».
(٣) في (ط): على هذا.
(٤) في (ط): بقوله، بدون تعالى.
[ ١ / ٣٠٩ ]
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [النحل/ ١٠٨] فقال: طبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع) فكذلك تحمل على ختم.
قيل: لا يحسن ذلك، لأنّك تفصل بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنّما يجوز في الشعر، ولا يختلفون أنّ ذلك في المعطوف «١» على المجرور قبيح، والمنصوب والمرفوع بمنزلته في القياس، ألا ترى أنّ حرف العطف في المجرور ليس هو الجارّ، إنّما هو يشرك فيه، وكذلك في المرفوع والمنصوب ليس هو الرافع ولا الناصب، إنّما يشرك فيهما. فإنّما قبح الفصل فيهما لأنّ ما يقوم مقامهما لا يتّسع فيه الاتساع الذي في الأصل، ألا ترى أنهم لم يتّسعوا في إنّ وأخواتها اتساعهم في الفعل، ولم يتّسع في الظروف، ولا في الأسماء المسمّى بها الأفعال اتساعهم في الفعل، ولا في الصفات المشبّهة بأسماء الفاعلين اتّساعهم في أسماء الفاعلين، ولا في عشرين اتّساعهم في ضاربين وحسنين، فكذلك لا يتّسع في حرف العطف الذي يشرك فيما يعطف عليه اتّساعهم في نفس المعطوف عليه.
وقد ذهب إلى التسوية بين الجارّ وبين الناصب والرافع في العطف الكسائيّ والفراء. وقد جاء هذا الفصل في الشعر، أنشد أبو زيد: «٢»
_________________
(١) في (ط): في العطف.
(٢) بيتان من خمسة أبيات لقحيف العقيلي في النوادر ص ٢٠٨. ويروى: يمحاه مكان تغشاه، وتعجلا مكان معجلا. من عام أولا، يريد من عام
[ ١ / ٣١٠ ]
أتعرف أم لا رسم دار معطّلا من العام تغشاه ومن عام أوّلا
قطار وتارات خريق كأنّها مضلّة بوّ في رعيل تعجّلا
وقال:
وآونة أثالا «١» فإن قال: لا أعطفه على هذا الفعل الظاهر الذي هو (ختم) ولكني أحمله على فعل أضمره، فأضمر: وجعل، ويكون ذلك بمنزلة الظاهر لدلالة ما تقدم عليه فإن هذا أيضا ليس بالسهل ألا ترى أن مثل:
متقلدا سيفا ورمحا «٢»
_________________
(١) زمان أوّل، أو دهر أوّل، فأقام الصفة مقام الموصوف. وفاعل تغشاه في البيت الأول هو قطار في أول البيت الثاني. والقطار، جمع قطر، وهو المطر. وتارات: منصوب على الظرف ليغشى وهو جمع تارة، بمعنى مرة، الخريق: من أسماء الريح الباردة، وصفة للريح الشديدة، وقيل اللينة السهلة، مضلة: وصف من أضل فلان بعيره أو فرسه، أي: فقده وأضاعه، البوّ: ولد الناقة. الرعيل، يريد به قطعة قليلة من الإبل. تعجل: أسرع. والشاهد في قوله: وتارات خريق، حيث فصل بالظرف وهو تارات بين العاطف وهو الواو وبين المعطوف وهو خريق. (وانظر: الخزانة: ٢/ ٣٤١، واللسان: رعل).
(٢) من قول ابن أحمر كما في ديوانه ص ١٢٩ والكتاب (١/ ٣٤٣): أبو حنش يؤرقنا وطلق وعبّاد وآونة أثالا
(٣) عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى وصدره: يا ليت زوجك قد غدا
[ ١ / ٣١١ ]
و: شرّاب ألبان وتمر وأقط «١» و: علفتها تبنا وماء باردا «٢» لا تكاد تجده في حال سعة واختيار فإذا كان النصب تعترض فيه هذه الأشياء فلا نظر في أن الرفع أحسن والقراءة به أولى، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة.