قال: زادهم، فلم ينقل حركة العين التي هي الكسرة التي نقلت فتحة العين من زاد إليها إلى الفاء كما نقلت في زدت، «٣» وشذ ذلك في الاستعمال والقياس، لما كان يؤدي إليه من التباس فعل بفعل، ولأنّ الألف إذا ثبتت في زاد وباع- والذي يوجب قلبها ألفا هو تقدير الحركة فيها- صارت الحركة بانقلاب الحرف إلى الألف بمنزلة الثابتة في الحرف، فلما كان
_________________
(١) في (ط): قال.
(٢) تقدمت ترجمته في ص/ ٢٢٥.
(٣) في (ط): زيدت، (بإثبات الياء وإسكان الدال).
[ ١ / ٣٢٤ ]
كذلك، وكان الحرف الذي هو متحرك بها ثابتا غير محذوف لم ينقل عنه، ولذلك لم تنقل الحركة التي تجب للّام في مصطفون والأعلون ونحوهما إلى ما قبلها، كما نقل في قاضون وغازون ورامون. وعلى هذا لم يقدّر حذف الحركة من الألف فيمن روى:
كأن لم تري قبلي أسيرا يمانيا «١» وقوله:
ولا ترضّاها ولا تملّق «٢» ونحو ذلك، كما قدرنا حذفها من قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمي «٣» و: لم تهجو ولم تدع «٤» لأن الياء قد جاء متحركا في نحو:
غير ماضي «٥»
_________________
(١) تقدم هذا البيت ص ٩٣.
(٢) تقدم هذا البيت ص ٩٣.
(٣) عجزه. بما لاقت لبون بني زياد والبيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسي في إبل للربيع بن زياد العبسي، استاقها قيس وباعها بمكة، لأن الربيع كان قد أخذ منه درعا ولم يردها عليه. انظر الخصائص: ١/ ٣٣٣، وشرح شواهد الشافية/ ٤٨.
(٤) البيت بتمامه: هجوت زبان ثم جئت معتذرا من هجو زبان لم تهجو ولم تدع والبيت- على شهرته- لا يعرف قائله. يريد: هجوت واعتذرت، فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو. ورواية التاج (زبن) لم أهجو، وهي تقتضي ضم تاء هجوت. والمعروف فتحها. وينسبه بعضهم إلى أبي عمرو ابن العلاء. انظر شرح شواهد الشافية/ ٤٠٦ والضرائر للآلوسي/ ١٧٤.
(٥) من قول جرير في قصيدة هجا بها الأخطل:
[ ١ / ٣٢٥ ]
وليس الألف كذلك، لأنّه في ثباتها ألفا كأن الحركة ثابتة فيها، فلا يصح نقلها إلى غيرها من الحروف مع ثباتها في الموضع الذي هي ثابتة فيه. وليس كذلك: بعت وقلت وخفت، لأنّك في هذه المواضع قد حذفت الحروف، والحروف إذا حذفت قد تنقل حركاتها إلى ما قبلها. ألا ترى الخب في التخفيف، وضوا، ومولة، وجيل، «١» ونحو ذلك.
وقد تنقل حركة الحرف المتحرك «٢» إلى ما قبله والحرف ثابت غير محذوف، نحو قول من قال: قتّل في اقتتل، فإذا حذف كان نقل حركته إلى ما قبله أولى ليدل على المحذوف كما أجمع على ذلك في حذف الهمز «٣» في التخفيف.
فأمّا وجه قول من أمال الألف في «٤» زاد، فهو أنّه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين ياء، كما أميلت الألف في حبالى، ليعلم أن الواحد من هذا الجمع قد كانت الإمالة جائزة فيه،
_________________
(١) فيوما يوافين الهوى غير ماضي ويوما ترى منهن غولا تغوّل ويروى (ماضيا) مكان (ماضي)، أي: من غير ميل منهن إلي. وتغول: تتلون انظر الديوان/ ٤٥٥، والنوادر/ ٢٠٣.
(٢) أصل هذه الكلمات على الترتيب: الخبء، وضوءا، وموألة، وجيئل. والخبء: المخبوء، مصدر بمعنى اسم المفعول، وهو من السماء المطر، ومن الأرض النبات. وقرئ بلفظ (الخب) في قوله تعالى أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في الآية ٢٥ في سورة النمل. وانظر تفسير الكشاف للآية. ٣/ ١٤٥. أما موألة فبطن من ملادس بضم الميم وكسر الدال كما في القاموس (وأل)، والاشتقاق ص ٢٦٢. وأما جيئل: فالضبع، ممنوعة من الصرف.
(٣) في ط: المتحركة، وهو تحريف.
(٤) في (ط): الهمزة.
(٥) في (ط): من.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وكما أبدلت الواو من الهمزة المنقلبة عن الحرف الزائد في هراءى وأداءى وعلاءى، «١» ليعلم أن الواو كانت ظاهرة في الواحد، ورفضوا أن يبدلوا منها الياء كما أبدلت منها في خطايا ومطايا ليعلم أن الواو كانت ثابتة في آحاد هذه الجموع.
وكما صحّحوا الواو في مقاتوه «٢» ليعلموا أن الواو في واحده، وهو مقتوي، قد صحت.
وكذلك صحّحوا الواو في سواسوة فيما حكاه أبو عمر وأبو عثمان عن أبي عبيدة ليعلم أنّه من مضاعف الأربعة، فكما حافظوا على هذه الحروف في هذه المواضع فألزموها ما يدل عليها، كذلك أمال من أمال الألف ليحافظ على الحرف الذي هو الأصل.
ومما يقوّي قول من أمال (زاد) ونحوه ليدل بالإمالة على الياء أن الجميع أبدلوا من الضمة كسرة في بيض وعين وجيد جمع أبيض وأعين وجيداء «٣» لتصح الياء، ولا تنقلب «٤» إلى الواو.
فكما حوفظ على تصحيح الياء في هذه الأشياء كذلك حوفظ عليها بإمالة الألف نحوها، لتدلّ عليها. يدلك على ذلك أنّ الذين أمالوا نحو: «زاد، وباع، وناب، وعاب»، لم يميلوا نحو: عاذ، وعاد، ولا بابا، ومالا، ولا ما أشبه ذلك مما العين
_________________
(١) في (ط): هراوى، وأداوى، وعلاوى. أثبتها بعد قلب الهمزة واوا، وجاء بها على الأصل قبل القلب، والهراوة: العصا، والإداوة: المطهرة، والعلاوة من كل شيء: ما زاد عليه.
(٢) المقاتوة: الخدام، والمقاتية لغة فيها كما في القاموس.
(٣) في (م) أعين وأبيض.
(٤) في (ط): فلا تنقلب.
[ ١ / ٣٢٧ ]
منه «١» واو حيث لم تكن في الكلمة ياء ولا كسرة فتنحى الألف بالإمالة نحوهما.
ومما يقوي الإمالة في زاد ونحوه: أنّه اجتمع فيه أمران كل واحد منهما يوجب الإمالة: وهو لحاق الكسرة أول فعلت، والآخر: أن تمال الألف ليعلم أنّها من الياء. فإذا كان كل واحدة من هاتين الخلتين على الانفراد توجب الإمالة في هذا النحو، فإذا اجتمعتا كان أجدر أن توجباها وتجلباها.
ومما يقوّي الإمالة في: زاد وباع وكال ونحو ذلك، أنّ الحروف المستعلية والراء إذا كانت مفتوحة تمنعان «٢» الإمالة، ألا ترى أنّ من أمال نحو: عالم، وسائل، لم يمل نحو ظالم، وغانم، وراشد، ولم يمل، رابيا في قوله:
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا [الرعد/ ١٧] لمكان المستعلي والراء المفتوحة، ولم يجعلوهما في هذا الموضع تمنعان «٣» الإمالة كما منعتا في غيره. فلولا تأكد الإمالة في ألفات هذه «٤» الأفعال لما أمالوها مع ما يمنع من الإمالة في غير هذا الموضع.
قال سيبويه: بلغنا عن ابن أبي إسحاق أنّه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا. «٥» وإذا «٦» لم يمنع المستعلي أولا في
_________________
(١) في (ط): فيه.
(٢) في (ط): تمنع.
(٣) في (ط): يمنعان.
(٤) في (ط): في هذه.
(٥) نص عبارة سيبويه في الكتاب (٢/ ٢٦١): «وبلغنا عن ابن أبي إسحاق أنه سمع كثير عزة يقول: صار بمكان كذا وكذا».
(٦) في (ط): فإذا.
[ ١ / ٣٢٨ ]
صار لم يمتنع «١» آخرا في زاغ، وإذا لم يمنعها المستعلي لم تمنع الراء في نحو: بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين/ ١٤].
بسم الله: «٢» اختلفوا في ضمّ الياء والتشديد وفتحها والتخفيف في قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة/ ١٠].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ، بضم الياء وتشديد الذال.
وقرأ عاصم وحمزة «٣» والكسائي: (يكذبون) بفتح الياء وتخفيف الذال «٤».
قال أبو علي «٥»: كذب يكذب كذبا وكذابا. قال: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [سبأ/ ٨].
وقال «٦» الأعشى:
والمرء ينفعه كذابه «٧» فالكذب «٨» كالضحك واللعب.
_________________
(١) في (ط): لم يمنع.
(٢) زيادة في (م).
(٣) في (ط): حمزة وعاصم.
(٤) السبعة ١٤١.
(٥) «قال أبو علي» زيادة في (م).
(٦) في (ط): قال.
(٧) في ديوان الشاعر قصيدة على روي الشاهد ووزنه، لكنها خلو منه. وصدره كما في تفسير سورة النبأ من الكشاف: فصدقتها وكذبتها
(٨) في (ط): والكذب.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال سيبويه: والكذاب كالكتاب والحجاب. «١» وفي التنزيل: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا [النبأ/ ٢٨]، فالكذّاب على وزن الإكرام، ولم يجيء المصدر كمصادر دحرج وصعرر «٢» ليعلم أن الفعل ليس للإلحاق، كما لم يجيء أصمّ وأعدّ على وزن قردد «٣» وجلبب. «٤»
وحكى أبو زيد بيتا ذكر أنه لجريبة بن الأشيم، جاهلي وهو:
فإذا سمعت بأنّني قد بعته بوصال غانية فقل كذّبذب
«٥» قال أبو زيد: كذّبذب: كاذب، وحكي عن أبي عمر في تفسيره: كذب.
فالكلمة على تفسير أبي زيد صفة وعلى ما حكي من تفسير أبي عمر اسم، فيكون المبتدأ المضمر: القائل ذلك كاذب، وعلى القول الآخر ما سمعت كذب.
وهذه الكلمة تحكى فيما شذ عن سيبويه من «٦» الأبنية.
_________________
(١) نص عبارة سيبويه في الكتاب (٢/ ٢١٥) «وكذب يكذب كذبا. وقالوا: كذابا، جاءوا به على فعال كما جاء على فعول».
(٢) صعرر الشيء فتصعرر: دحرجه فتدحرج.
(٣) القردد: ما ارتفع من الأرض، واسم جبل.
(٤) جلببه: ألبسه الجلباب. ومن معاني الجلباب: القميص، وما تغطي به المرأة ثيابها من فوق، كالملحفة.
(٥) يصف جمله. ويروى: «وإذا أتاك» مكان «فإذا سمعت»، و«بعتها»، مكان «بعته» النوادر/ ٧٢ والخصائص: ٣/ ٢٠٤.
(٦) في (ط): في.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ولولا ثقة أبي زيد وسكون النفس إلى ما يرويه لكان ردها مذهبا، لكونه على ما لا نظير له، ألا ترى أن العين إذا تكرر مع اللام في نحو صمحمح وجلعلع لا يكرر «١» إلا مرتين، وقد تكررت في هذه ثلاث مرات. ومع ذلك فقد قالوا:
مرمريس، «٢» فتكررت الفاء مع العين فيها ولم تتكرر في غيرها، ولم يلزم من أجل ذلك أن يردّ ولا يقبل، فكذلك ما رواه أبو زيد من هذه الكلمة.
والكذب: ضرب من القول، وهو نطق، كما أن القول نطق.
فإذا جاز في القول الذي الكذب ضرب منه أن يتسع فيه فيجعل غير نطق في نحو:
قد قالت الأنساع للبطن الحق «٣» ونحو قوله في وصف الثور:
فكرّ ثم قال في التفكير «٤»
_________________
(١) من معاني الصمحمح: الشديد المجتمع الألواح. والجلعلع، كسفرجل، وقد يضم أوله: القنفذ. وزاد في (ط): ودمكمك، وهو الشديد القوي، وفي (ط): لا تكرر.
(٢) المرمريس: الداهية.
(٣) البيت في الخصائص ١/ ٢٣ والأساس واللسان (حنق) وبعده: قدما، فآضت كالفنيق المحنق الانساع: جمع نسع، وهو سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال. والفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى لكرامته على أهله. والمحنق: الضامر.
(٤) للعجاج، وروايته في ديوانه ١/ ٣٦٦: (ميلين) بدل (فكر) وبعده: إن الحياة اليوم في الكرور
[ ١ / ٣٣١ ]
وجاز «١» أن يجعل في هذه المواضع وغيرها غير نطق، فكذلك يجوز في الكذب أن يجعل غير نطق في نحو قوله:
كذب القراطف والقروف «٢» فيكون في ذلك انتفاء لها، كما أنّه أخبر عن الشيء على خلاف «٣» ما هو به كان انتفاء للصدق فيه. وكذلك قول الآخر:
إذا المعسيات كذبن الصّبو ح خبّ جريّك بالمحصن
«٤» أي: إذا انتفى الصبوح منهن، فلم يوجد فيهن، أطعمت من مدّخر الطعام وغير ألبان هذه الإبل التي يظن أن فيهن «٥» الصبوح، فجعل كون الشيء على خلاف ما يظنّ كذبا وإن لم يكن قولا، فعلى هذا قالوا: «كذب القراطف»، أي: هو منتف
_________________
(١) في (ط): فجاز.
(٢) لمعقر البارقي يمدح بني نمير، ويذكر ما فعلوا ببني ذبيان بشعب جبلة، والبيت بتمامه: وذبيانية أوصت بنيها بأن كذب القراطف والقروف والقراطف: جمع قرطف كجعفر، وهو القطيفة، أي: كساء مخمل. والقروف: جمع قرف بفتح فسكون، وهو وعاء من جلد يدبغ بالقرفة «قشر الرمان» يجعل فيه الخلع، بفتح فسكون، وهو لحم يطبخ بتوابل ثم يجعل في القرف، يتزود به المسافر. تحث الذبيانية بنيها على نهب القراطف والقروف. الخزانة: ٢/ ٢٨٩.
(٣) في (ط): بخلاف.
(٤) روي «منعن» مكان «كذبن» والمعسيات: جمع المعسية، وهي الناقة التي يشك فيها: أبها لبن أم لا، والجري: الوكيل، والرسول. وقيل: الخادم، والمحصن: ما أحصن وادخر من الطعام للجدب. انظر اللسان: عسا.
(٥) في (ط): فيها.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ليس له وجود، كما أن كذب في الخبر على ذلك، فكذلك كذب الصبوح، أي: ليس يوجد، وكذب القراطف أي فأوجدوها بالغارة، وكذلك كذب عليكم العسل، وحمل فلم يكذّب، [أي: لم يجعل الحملة في حكم غير الحملة، ولكنه أوجدها وأوقعها]، «١» وقالوا: حمل عليه ثم أكذب، يعنون كذب، وعلى هذا قالوا: حملة صادقة، وصدق القوم القتال.
وقال:
فإن يك ظني صادقي وهو صادقي فكما وصفوه بالكذب وصفوه بخلافه الذي هو الصدق، وكذلك قوله: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [الواقعة/ ٢] أي: هي الواقعة وغير منتف كونها.
والكاذبة يشبه أن يكون «٢» مصدرا، كالعاقبة والعافية ونحو ذلك. فالفعل الذي هو كذب في هذا النحو ينبغي أن يكون الفاعل مسندا إليه، وعليك: معلّقة «٣» به.
فأمّا ما روي من قول من نظر إلى بعير نضو فقال لصاحبه: «كذب، عليك البزر والنّوى» بنصب البزر، فإن عليك فيه لا يتعلق بكذب، ولكنه يكون اسم الفعل، وفيه ضمير
المخاطب، فأما كذب ففيه ضمير الفاعل كأنه قال: كذب السّمن، أي: انتفى من بعيرك فأوجده بالبزر والنّوى، وهما مفعولا عليك وأضمر السّمن لدلالة الحال عليه من مشاهدة عدمه.
_________________
(١) ما بين المعقوفين مذكور في (ط) بعد قوله: يعنون كذب.
(٢) في (ط): تكون.
(٣) في (ط): وعليكم متعلقة.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فأمّا قوله:
كذبت عليكم أوعدوني وعلّلوا بي الأرض والأقوام قردان موظبا
«١» فإنّ معنى (كذبت عليكم): لست لكم، وإذا لم أكن لكم ولم أعنكم كنت منابذا لكم ومنتفية نصرتي عنكم، ففي «٢» ذلك إغراء منه لهم به، فهو مثل: كذب القراطف.
وقال أبو زيد: قد كعّ الرجل عن الأمر فهو يكع، إذا أراد أمرا ثم كفّ عنه مكذّبا عند قتال أو غيره. قال: وتقول:
احرنجم الرجل فهو محرنجم، وهو الذي يريد الأمر ثم يكذّب فيرجع، «٣» فقد استعمل أبو زيد هذه اللفظة كما ترى في الموضع الذي ينتفي فيه ما كان أريد فلم يوقع، وكذلك قول أبي دواد:
قلت لمّا فصلا من قنّة كذب العير وإن كان برح
«٤» يقول: لما فصل الفرس والحمار أخذ الحمار على يمين الفارس، وذاك أنّه يصعب الطعن من ناحية يمين الفارس،
_________________
(١) لخداش بن زهير العامري، من شعراء الجاهلية، والقردان: جمع قراد، كغراب وهو دويبة تلزق بالبعير، ويقال أذل من القراد. موظب: موضع: يذمهم، ويجعلهم كالقردان (انظر النوادر/ ١٧، ورواه في معجم البلدان ولم ينسبه).
(٢) في (ط): وفي.
(٣) النوادر/ ٢٣٠.
(٤) انظر اللسان «كذب» وشعر أبي دواد (غرنباوم) / ٣٠١ وفيه: (نصلا) بدلا من (فصلا) أي: خرجا من قنة الجبل وهما العير والكلب وفي الخزانة ٣/ ١٣: لما ظهرا- وبرح الصيد: جاء من ناحية اليسار.
[ ١ / ٣٣٤ ]
فقال: كذب العير، فإنّه يطعن وإن برح، فجعل تقديره انتفاء الطعن عنه كذبا منه، فهذا الأصل في هذه الكلمة، وليس كما ذكر بعض رواة اللغة أنّ كذّب يجيء زيادة في الحديث.
فأمّا قول عنترة:
كذب العتيق وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
«١» فإن شئت قلت فيه: إن المعنى في «كذب» أنّه لا وجود للعتيق الذي هو التمر، فاطلبيه، وإذا لم تجدي التمر فكيف تجدين الغبوق؟
وإن شئت قلت: إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والبعث على طلبه وإيجاده صار كأنّه قال بقوله لها:
عليك العتيق، أي: الزميه، «٢» ولا يريد بها نفيه، ولكن إضرابها عما عداه، فيكون العتيق في المعنى مفعولا به، وإن كان لفظه مرفوعا مثل: سلام عليك ونحوه مما يراد به الدعاء، واللفظ على الرفع.
وحكى محمد بن السريّ عن بعض أهل اللغة- في كذب العتيق- أنّ مضر تنصب به. وأن اليمن ترفع به، وقد تقدم ذكر وجه ذلك.
ومن الكذب الذي ليس في الإخبار كقوله: كذب
_________________
(١) نسبه اللسان: كذب. إلى عنترة أيضا، ونسبه الكتاب «٢: ٣٠٢» إلى الخزر بن لوذان. والشن: القربة البالية، وماؤها أبرد من ماء القربة الجديدة. والغبوق: شرب العشي. انظر ديوان عنترة/ ٢٧٣ والخزانة ٣/ ٩.
(٢) في (ط): بالعتيق فالزمية.
[ ١ / ٣٣٥ ]
القراطف- قول ذي الرّمّة:
وللشول أتباع مقاحيم برّحت به وامتحان المبرقات الكواذب
«١» فالكواذب: النوق التي تظهر أنها قد لقحن وليس كذاك، «٢» فيردهن الفحل إلى الطّروقة. «٣» وقريب من ذلك قوله:
إذا قلت عاج أو تغنّيت أبرقت بمثل الخوافي لاقحا أو تلقّح
«٤» فالمتلقّح: التي تري أن بها لقاحا، وليست كذلك، فهي مثل الكواذب في بيته الآخر.
_________________
(١) رواية الديوان (وفي الشول) مكان (وللشول)، وضمير به للمقرم في بيت سابق. والشول: جمع شائلة، وهي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر، فجف لبنها، والمقاحيم: جمع المقحم- بفتح الحاء- وهو البعير الذي يلقى سنّين في مقدار سنّ- أو هو الذي يخرج من سنّه فيستقبل السنّ الذي بعد سنه الذي كان فيه. والمبرقات: جمع مبرق، وهي الناقة تشول بذنبها، تري أنها قد لقحت وهي غير لاقح. يريد أن هذا الفحل قد برح به إخراج المقاحيم التي تتبع الشول، وبرح به كذلك امتحان المبرقات اللاتي يكذبن خوفا منه. انظر الديوان ١/ ٢١٠.
(٢) في (ط): كذلك.
(٣) الطروقة: الناقة التي بلغت أن يضربها الفحل.
(٤) لذي الرمة. وعاج: زجر للناقة. وفي (م): (تغيبت) مكان (تغنيت)، وهو تحريف. وما أثبتناه مأخوذ من (ط) ومن الديوان. والخوافي: أعرض من القوادم الديوان ٢/ ١٢٢٠ وهو البيت السادس والخمسون من القصيدة.
[ ١ / ٣٣٦ ]
ومما يبيّن أن الكذب في هذه الأشياء التي ليست من القول على ما تأولنا قول الأعشى:
إذا ما الآثمات ونين حطّت على العلّات تجتزع الإكاما
«١» قالوا: الآثمات: البطاء اللواتي لا يصدقن في السير، فهذا يدلك على صحة ما ذكرناه في قولهم: حمل فلم يكذّب، وكذب عليك الحجّ، وكذب عليكم العسل، ألا ترى أن الإثم كالكذب كما أن البر كالصدق؟
قال أبو علي: حجة من قال: يَكْذِبُونَ [البقرة/ ١٠]- بفتح الياء وتخفيف الذال، أن يقول: إن ذلك أشبه بما قبل الكلمة وبما بعدها، فالذي قبلها مما يدل على الكذب ويكذبون- قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة/ ٨].
فقولهم: آمنا بالله كذب منهم، فلهم عذاب أليم بكذبهم.
هذا الذي تقدم قولهم له وحكايته عنهم.
وما بعدها قوله تعالى: «٢» وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة/ ١٤].
فقولهم- إذا خلوا إلى شياطينهم- إنا معكم دلالة على
_________________
(١) حط: انحدر من أعلى إلى أسفل، والبعير: اعتمد في الزمام على شقيه. والعلات: الحالات المختلفة. والإكام: المرتفعات من الأرض، المفرد أكمة. انظر الديوان: ١٩٧.
(٢) في (ط): قوله بدون تعالى.
[ ١ / ٣٣٧ ]
كذبهم فيما ادعوه من إيمانهم، وإذا كان أشبه بما قبله وما بعده كان أولى.
ومما يدل على ترجيح ذلك أن يقال: إن قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ لا يخلو من أن يراد به المنافقون أو المشركون «١» أو الفريقان جميعا.
فإن كان المعنيّون بذلك المنافقين فقد قال الله فيهم:
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [المنافقون/ ١].
وإن كانوا المشركين فقد قال: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون/ ٩٠، ٩١] وقال: «٢» وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ [الصافات/ ١٥٢، ١٥٣].
وإن كان الذين عنوا به «٣» الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم أن يكون فعله يكذبون دون يكذّبون.
وحجة من قال: (يكذّبون) أن يقول: يدل على التثقيل قوله تعالى: «٤» وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا [الأنعام/ ٣٤].
وقوله تعالى: «٥» بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس/ ٣٩] وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
_________________
(١) في (ط): والمشركون، وسياق الكلام يوجب (أو) كما يتبين مما يأتي قريبا.
(٢) في (ط): وقال تعالى.
(٣) في (ط): وإن كان المعني به الفريقين.
(٤) في (ط): قوله بدون تعالى.
(٥) في (ط): قوله بدون تعالى.
[ ١ / ٣٣٨ ]
[يونس/ ٤١] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [فاطر/ ٤١] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا [البقرة/ ٣٩] ونحو ذلك من الآي.
فإن قلت: فكيف جاء: فإنهم لا يكذبونك، «١» والمعنى «٢» لا يجدونك كاذبا، لأنّهم قد عرفوا أمانتك وصدقك، وعرفت بذلك فيهم. قال أبو طالب:
إنّ ابن آمنة الأمين محمّدا يؤكد ذلك قوله: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «٣» [الأنعام/ ٣٣] أي بردّ آيات الله، أو إنكار آيات الله يجحدون، أي: يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك.
ومثل ذلك قوله تعالى:
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [الاسراء/ ٥٩]، أي: ظلموا بردها أو الكفر بها، فكما أن الجارّ في قوله:
(فظلموا بها) من صلة (ظلموا) كذلك يكون من صلة الظلم في قوله: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام/ ٣٣].
ويجحدون محذوف المفعول للدلالة عليه والتكذيب أكبر «٤» من الكذب، لأنّ كلّ من كذّب صادقا فقد كذب، وليس كلّ من كذب كان مكذّبا لغيره.
_________________
(١) في الآية ٣٣ من سورة الأنعام، ويكذبونك بضم الياء وتسكين الكاف وتخفيف الذال- قراءة نافع والكسائي، ويكذبونك- بضم الياء وتشديد الذال قراءة الباقين انظر الإتحاف: ١٢٥، وهي في (ط) بضم الياء وتشديد الذال.
(٢) في (ط): فالمعنى.
(٣) بقية الآية ٣٣ من سورة الأنعام المذكورة آنفا.
(٤) في (ط): أكثر.
[ ١ / ٣٣٩ ]