الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة أضرب:
منها ما يجوز فيه أن يكون الفاعل له مفعولا به. ومنها: ما يجوز أن يكون المفعول به فاعلا له، نحو: أكرم بشر بكرا، وشتم زيد عمرا «٢» وضرب عبد الله زيدا.
ومنها: ما لا يكون فيه المفعول به فاعلا له نحو: دققت
_________________
(١) وهو تحريف، وفي اللسان (سجد) كدراهم بدل لدراهم. والنطف: جمع نطفة وهي القرط. والأغن: الذي يخرج صوته من خياشيمه. منطق: غلام عليه نطاق.
(٢) لم نعثر على قائله. تشرى: تلج. أطحل: من الطحلة: لون بين الغبرة والبياض لسواد قليل، وبغاث الطير وبغاثها: ألائمها وشرارها وما لا يصيد منها، واحدتها: بغاثة، بالفتح، الذكر والأنثى في ذلك سواء (اللسان بغث).
(٣) في (ط): أكرم بشر عمرا، وشتم زيد بكرا.
[ ٢ / ٤٠ ]
الثوب، وأكلت الخبز، وسرقت درهما وأعطيت دينارا، وأمكنني الغوص.
ومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى، كإسناده إلى المفعول به، وذلك نحو: أصبت، ونلت، وتلقّيت «١»، تقول «٢»: نالني خير، ونلت خيرا، وأصابني خير، وأصبت خيرا، ولقيني زيد، ولقيت زيدا، وتلقاني «٣»، وتلقيته، قال «٤»:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقال «٥»: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران/ ٤٠] وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم/ ٨]. وكذلك: أفضيت إليه، وأفضى إليّ، وقال «٦»: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [النساء/ ٢١]. وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا، فنصب ابن كثير لآدم ورفعه الكلمات «٧» في المعنى، كقول من رفع آدم ونصب الكلمات.
ومن حجّة من رفع: أنّ عليه الأكثر، ومما يشهد للرفع قوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور/ ١٥] فأسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام يتلقّى، كما أنّ الذي تلقّاه آدم «٨» كلام متلقّى. فكما أسند الفعل إلى المخاطبين، فجعل التلقّي
_________________
(١) في (ط): وتلقيت ولقيت.
(٢) في (ط): وتقول.
(٣) في (ط): وتلقاني زيد.
(٤) ورد عند زهير في ديوانه ص ٣٠٠ وعند كعب بن زهير انظر ديوانه/ ٢٥٧ وفيهما: لم تقصر.
(٥) في (ط): قال.
(٦) في (ط): وقال سبحانه.
(٧) في (ط): للكلمات.
(٨) في (ط): تلقى آدم من ربه.
[ ٢ / ٤١ ]
لهم، كذلك يلزم أن يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التّلقّي له دون الكلمات. ومن ذلك قول القائل: في آيات تلقّيتها عن عمّي، تلقّاها عن أبي هريرة. فجعل الكلام مفعولا به، وأسند الفعل إلى الآخذ له دون الكلام، فكذلك ينبغي أن يكون في الآية.
ومما يقوّي الرفع في آدم أنّ أبا عبيدة قال في تأويل قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة/ ٣٧] أي: قبلها «١».
فإذا كان آدم القابل، فالكلمات مقبولة. ومثل هذه الآية في إسناد الفعل فيها مرّة إلى الكلمات ومرة إلى آدم قوله «٢»: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة/ ١٢٤] وفي حرف عبد الله فيما قيل:
(لا ينال عهدي الظالمون) فلمن رفع أن يقول: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة/ ١٢٠] فأسند الفعل إليهم، ولم يقل: ولا ينالهم من عدو نيل، والنّيل: يكون مصدرا كالبيع. ويكون الشيء الذي ينال، مثل الخلق، والصّيد، وضرب الأمير. وقوله:
تفرجة القلب قليل النيل «٣».
يجوز أن يكون المعنى: قليل ما ينال، كما يقال: قليل الكسب، ويكون قليل النيل: قليل ما ينيل، وكلاهما ذمّ.
وقال «٤»: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران/ ٩٢].
_________________
(١) مجاز القرآن ١/ ٣٨.
(٢) في (ط): قوله تعالى.
(٣) بيت من الرجز في اللسان (فرج) و(ندل) أنشده ثعلب وبعده: يلقى عليه نيدلان الليل وتفرجة: جبان ضعيف- النيدلان: الكابوس، وقيل: هو مثل الكابوس.
(٤) في (ط): وقال تعالى.
[ ٢ / ٤٢ ]
وحجّة من قرأ بالنصب قوله: لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ [الأعراف/ ٤٩] ولم يقل لا ينالون الله برحمة كما قال «١»: وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الحج/ ٣٧] فكما أسند الفعل إلى التقوى دون اسم الله سبحانه، كذلك كان يمكن لا ينالون الله برحمة أي: مرحوما به، يرحمون عباده به، وكأنّ المعنى في: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها [الحج/ ٣٧] لن ينال قربة الله أو ثواب الله قربة لحومها ودمائها، أو ثوابهما، لأن ذلك ليس بقربة على حدّ ما يتقرّبون به، ويتنسّكون فلا يقبله، ولا يثيب عليه، من حيث كان معصية، ولكن يقبل من
ذلك ما كان عن تقوى الله وطاعته دون ما كان من المعاصي التي قد كرهها ونهى عنها. وكأنّ المراد بينال: معنى القبول. كما قال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [التوبة/ ١٠٤] فمعنى قبوله التوبة أن يبطل به ما كان يستحقّ من العقوبات التي تكفّرها التوبة، وأخذ الصّدقات هو الجزاء عليها والإثابة من أجلها.