اختلفوا في كسر النّون مع التخفيف والتشديد من قوله «٣»: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا [البقرة/ ١٠٢]، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال/ ١٧]، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧]، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس/ ٤٤].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ مشدّدات في ذلك كلّه «٤».
وقرأ نافع وابن عامر وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة/ ١٧٧] وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [البقرة/ ١٨٩] خفيفتي النون، ويرفعان «٥» (البرّ). وشدّد النون في هذين الموضعين
_________________
(١) وهو أن يأتي الشاعر بأسماء يقصر عنها العروض فيضطر إلى ثلمها والنقص منها. والبيت في البحر المحيط ١/ ١٧٢ وفيه: بني إسرالا.
(٢) في (ط): الله ﷿.
(٣) في (ط): على.
(٤) في (ط): قوله ﷿.
(٥) وفي (ط): مشددات كلهن.
(٦) في (ط): ورفع.
[ ٢ / ١٦٩ ]
ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ. وقرأ حمزة والكسائيّ: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ خفيفات كلهنّ. وقرأ ابن عامر وحده: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ بالتخفيف.
وشدّد النون من: وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، ولم يختلفوا إلّا في هذه الستة الأحرف «١».
قال أبو علي: اعلم أن لكِنْ حرف لا نعلم شيئا على مثاله في الأسماء والأفعال، فلو كانت اسما لم يخل من أن يكون فاعلا أو فعلا، ولا نعلم أحدا ممن يؤخذ بقوله يذهب إلى أنّ الألفاظ في الحروف زائدة، فكذلك ينبغي أن تكون الألف في هذا الحرف، وهو مثل إنّ في أنّها مثقّلة ثم يخفّف إلا أنّ «إنّ وأنّ» إذا خفّفتا فقد ينصب بهما كما كان ينصب بهما مثقّلتين وإن كان غير الإعمال أكثر. ولم نعلم أحدا حكى النصب في «لكن» إذا خففت فيشبه أن النصب لم يجيء في هذا الحرف مخففا، ليكون ذلك دلالة على أن الأصل في هذه الحروف أن لا تعمل إذا خفّفت لزوال اللفظ الذي به شابه الفعل في التخفيف، وأنّ من خفّف ذلك، فالوجه أن لا يعمله.
ومثل ذلك في أنّه لم يجيء فيه الجزاء؛ وإن كان القياس لا
_________________
(١) السبعة ١٦٧ - ١٦٨. وورد في حاشية (م) ما يلي: (وروى هبيرة عن حفص عن عاصم: لمن اشتراه ماله. والمعروف عن حفص عن عاصم التفخيم). ولا صلة لهذا الكلام بالمتن.
[ ٢ / ١٧٠ ]
يمنع منه: «كيف»؛ ألا ترى أنّ الخليل وأصحابه لم يحكوا فيه الجزاء؟ وإن كان المعنى لا يمنع ذاك، ليعلم أنّ الجزاء ليس حكمه أن يكون بالأسماء، فكذلك لم يجيء النصب مع التخفيف في هذا الحرف كما جاء في «إنّ، وأنّ، ولعلّ، وليت» «١» وقد لحقتها «ما» كافة كما لحقت «إنّ وأنّ ولعلّ وليت» وذلك في نحو قوله: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥]، وكَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ [الأنفال/ ٦] وقول الشاعر «٢»:
لعلما أضاءت لك النار الحمار المقيّدا
فممّا جاءت فيه (ما) كافة قول الشاعر «٣»:
ولكنّما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغّى الناس مثنى وموحد
ومما جاءت فيه لكن مخفّفة غير معملة ما أنشده أبو زيد «٤»:
_________________
(١) سقطت ليت من (م).
(٢) هو الفرزدق، وتمام البيت: أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما أضاءت لك النار الحمار المقيّدا وهو من شواهد المغني. انظر شرح أبياته ٥/ ١٦٩. وانظر ديوانه ٢/ ٢١٣ وفيه فربما بدل لعلما.
(٣) هو ساعدة بن جؤية، انظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٦٦. وأنشده سيبويه ٢/ ١٥ شاهدا على تركه صرف مثنى وموحد لأنهما صفتان للذئاب معدولتان عن اثنين اثنين وواحد واحد. ومعنى تبغّى الناس، أي: تطلبهم.
(٤) أنشده في النوادر: ٨٠ ونسبه لزيد الخيل.
[ ٢ / ١٧١ ]
وما دهري بشتمك فاعلمنه ولكن أنت مخذول كبير
ومثله قول زهير «١».
لقد باليت مظعن أمّ أوفى ولكن أمّ أوفى لا تبالي
وقول الآخر «٢»:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
ولا يدلّ نحو ما أنشده أبو زيد «٣» من قول عمران:
ولكنّا الغداة بنو سبيل على شرف نيسّر لانحدار
وكذلك الحذف في إنّ في نحو قوله: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة/ ١٤] وقوله: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه/ ١٢] لولا أنّ الحرف المحذوف مراد لم يوصل بضمير المنصوب، ألا ترى أنّ (إنّ) إذا خفّفت، دخلت «٤» الأفعال، وفي دخولها على
_________________
(١) شرح ديوانه: ٣٤٢.
(٢) البيت للحصين بن الحمام أمالي ابن الشجري ٢/ ٣٤، ١٨٧، خزانة الأدب ٣/ ٣٥٢، أبو حيان في البحر المحيط ١/ ٢٨١.
(٣) النوادر: ٣١٠ (ملحق) وص ١٧٢ ط جامعة الفاتح. وعمران هو ابن حطان السدوسي الخارجي. وانظر الخزانة ٢/ ٤٤٠.
(٤) في (ط): على الأفعال.
[ ٢ / ١٧٢ ]
الأفعال، دلالة على إخراجها من الإعمال، وعلى ذلك جاء التنزيل في نحو: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا [الفرقان/ ٤٢] وإِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [يونس/ ٢٩] ونحو هذا مما كثر مجيئه في التنزيل. فأمّا إنشاد من أنشد: «١»
فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديق
فهو قليل، وقياسه قياس من أعملها «٢» مخففة في المظهر، وإن كان ذلك في المضمر أقبح لأنّ المضمر كثيرا ما يردّ معه الشيء إلى أصله نحو قوله: أنشده أبو زيد:
فلا بك ما أسال ولا أغاما «٣» والأصل في هذه الحروف إذا خفّفت أن لا تعمل لزوال المعنى الذي به كان يعمل، ولذلك لم تعمل (لكن) مخففة.
فإن قلت: إنّ لكنّ لا تشبه الأفعال، ألا ترى أنه ليس شيء على مثاله في الأسماء ولا في غيره؟.
فإنّ فيه ما يشبه الفعل إذا نزّلته منفصلا كقولهم: «أراك منتفخا» «٤».
وقد جاء حذف ضمير القصة «٥» والحديث معها في نحو
_________________
(١) البيت ليزيد بن مفرغ. وهو من شواهد الخزانة ٢/ ٤٦٥ وشرح أبيات المغني ١/ ١٤٧ والأشموني ١/ ٢٩٠.
(٢) في (ط): وهي مخففة.
(٣) سبق انظر ١/ ١٠٦ و٢/ ١١٢.
(٤) انظر ما سبق ١/ ٣٠٩ و٢/ ٧٩.
(٥) سقطت القصة من (ط).
[ ٢ / ١٧٣ ]
قول أميّة «١»:
ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه بعدّته ينزل به وهو أعزل
كما جاء في قوله:
فلو أنّ حقّ اليوم منكم إقامة «٢» فلولا أنّ الضمير معه مراد لما دخل على الجزاء، كما أنّه لو لم يكن مرادا مع ليت، لم تدخل على الفعل، في نحو ما أنشده أبو زيد «٣»:
فليت دفعت الهمّ عني ساعة فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال
_________________
(١) البيت في ديوان أمية بن أبي الصلت/ ٤٣٣/، ينوبه: يصيبه وينزل به، والعدة: ما تعده من سلاح ومال، وقد استشهد به سيبويه على إضمار منصوب (لكنّ) وبقاء (من) للشرط لأن الشرط لا يعمل فيه ما قبله، وجزم (ينزل) في الجواب. انظر الكتاب ١/ ٤٣٩.
(٢) هذا صدر بيت للراعي في ديوانه ١٦٧ وعجزه: وإن كان سرح قد مضى فتسرّعا والمعنى: ليتهم أقاموا وإن كانوا قد رحلوا وتقدم سرحهم، ومعنى حق: حقق، أي: ليت إقامتكم حققت لنا، ومعنى لو هنا: التمني، ولا جواب لها، كما تقول: لو أنك أقمت عندنا أي: ليت أقمت. والسرح: المال الراعي انظر طرة الكتاب ١/ ٤٣٩.
(٣) النوادر: ٢٥ والبيت لعدي بن زيد وهو من شواهد المغني، انظر شرح أبياته للبغدادي ٥/ ١٨٤، والإنصاف ١/ ١٨٣.
[ ٢ / ١٧٤ ]
فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر «١»:
ندمت على لسان كان منّي فليت بأنّه في جوف عكم
فيحتمل أمرين: أحدهما أن تكون الباء زائدة، ويكون (أنّ) مع الجارّ في موضع نصب، ويكون ما جرى من صلة (أنّ) قد سدّ مسدّ خبر ليت. كما أنّها في ظننت أنّ زيدا منطلق، كذلك.
ويحتمل أن تكون الهاء مرادة ودخلت الباء على المبتدأ، كما دخلت في قولهم: بحسبك أن تفعل ذلك، ولا يمتنع هذا من حيث امتنع الابتداء بأنّ لمكان الباء، ألا ترى أنّ (أنّ) قد وقعت بعد لولا في نحو «٢»: لولا أنّك منطلق، ولم يجر، ذلك [في الامتناع] «٣». مجرى: أنّك منطلق بلغني.
لأن المعنى الذي له لم يبتدأ بالمفتوحة مع لولا معدوم «٤».
فأمّا ما أنشده من قول الشاعر «٥»:
_________________
(١) النوادر: ٣٣ والبيت للحطيئة، في ديوانه: ٣٤٧ برواية: فات بدل: كان و: بيانه، بدل: بأنه، وفي خزانة الأدب ٢/ ١٣٨ واللسان:/ عكم/ لسن/ وورد فيه الروايتان: كان مني، فات مني، وددت بدل: فليت. واللسان هنا: الكلام. والعكم بكسر العين: العدل، مثل الجوالق. وفسره في اللسان بأنه داخل الجنب على المثل بالعكم: النّمط.
(٢) في (ط): نحو قولك.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(٤) عبارة (ط): لم يبتدأ مع لا معدوم.
(٥) البيت لكعب بن سعد الغنوي في الأصمعيات/ ٩٦ وكذلك في النوادر لأبي زيد/ ٣٧، والاقتضاب لابن السيّد/ ٤٥٩ برواية: الصوت رفعة مكان
[ ٢ / ١٧٥ ]
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة لعلّ أبي المغوار منك قريب
ولعلّ أبي المغوار منك قريب. فينبغي أن يكون على إضمار القصة والحديث كأنه خفّف لعلّ. وأعملها كما يخفف أنّ ويعمل، فمن فتح اللّام وجرّ الاسم فقال: لعلّ أبي المغوار، فاللّام لام الجرّ إلّا أنّه فتحها مع المظهر كما يفتح مع المضمر.
وزعم أبو الحسن أنه سمع فتح اللام مع المظهر من يونس وأبي عبيدة وخلف الأحمر.
وزعم أنه سمع ذلك أيضا «١» من العرب، فيكون الجرّ في أبي المغوار على هذه اللغة. ومن قال:
لعلّ أبي المغوار منك قريب حذف لام لعلّ وأضمر القصة أو الحديث. وكسر اللام مع المظهر على اللغة التي هي أشيع، والتقدير: لعلّ لأبي المغوار منك جواب قريب، أي لعلّ نصره لا يبعد عليك، ولا يتأخّر عنك.
فإن قلت: إنه حذف اللام لاجتماع اللامين، كما حذف من (إِنَّا مَعَكُمْ) ونحو ذلك، كان قولا.
_________________
(١) الصوت دعوة والخزانة ٤/ ٣٧٠ وفيها جهرة بدل: دعوة. وانظر شرح شواهد المغني للبغدادي ٥/ ١٦٦.
(٢) في (ط): وزعم أنه سمع هو أيضا ذلك.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وحكى أبو عمر أنّ يونس لم يكن يرى «١» (لكن) الخفيفة من حروف العطف. ويقوّي هذا القول أنّ أخوات لكن ممّا حذف منهنّ لم يخرج بالتخفيف عن ما كان عليه قبل التخفيف. ألا ترى أنّ: (إنّ) و(أنّ) و(كأنّ) كذلك؛ ومثلها (لعلّ).
فالقياس في (لكن) أن يكون في التخفيف على ما عليه أخواتها، ولا تخرج بالتخفيف عما كانت «٢» عليه، كما لم تخرج أخواتها عنه.
ويقوي ذلك أن معناها مخففة كمعناها مشدّدة، فإذا وافق حال التخفيف حال التشديد في اللفظ والمعنى، وجب أن تكون في التخفيف مثلها في التشديد.
فإن قلت: لم لا تكون مثل حتّى التي تكون لمعان مختلفة مع أنّ اللفظ واحد «٣».
قيل: إنّ (حتّى) وإن كانت على لفظة واحدة، فإن المعاني التي تدلّ عليها مختلفة. ألا ترى أن العطف فيها غير الجرّ ووقوع الابتداء «٤» كما يقع الابتداء بعد إذا نحو: خرجت فإذا زيد، غير الجرّ والعطف. وكذلك الواو إذا كانت عاطفة معناها غير الجارّة. وكذلك إذا كانت في نحو: جاء البرد والطيالسة.
_________________
(١) في (ط): يرى أن.
(٢) في (ط): كنّ.
(٣) في (ط): اللفظة واحدة.
(٤) في (ط): ووقوع الابتداء كما أن وقوعه في الابتداء كما يقع الابتداء.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وكذلك (ما) إذا كانت زائدة أو نافية أو كافّة، أو عوضا من الفعل في نحو: إمّا لا. وكذلك اللّام في: (لتفعلنّ)، وفي (لعمرو منطلق) وليس كذلك (لكن) لأنها إذا كانت مشددة كان معناها كمعناها إذا كانت مخففة؛ فإذا كان كذلك وجب «١» أن لا تخرج بعد التخفيف عما كانت «٢» عليه قبل. كما أنّ سائر أخواتها «٣» كذلك.
فإن قلت: أليس قوم قد ذهبوا إلى أنّ (ليس) من حروف العطف، ويحملون قوله:
إنّما يجزي الفتى ليس الجمل «٤» فيمن أنشده بليس، فمعناها عاطفة كمعناها غير عاطفة في النفي.
قيل: إنها في هذا البيت يستقيم أن تكون نافية ويكون خبرها مضمرا. فكأنّ التقدير: إنّما يجزي الفتى ليس الجمل الذي يجزي. فحذف الخبر.
فليس لا تثبت حرف عطف من هذا البيت الذي استدلّوا
_________________
(١) في (م) زيادة على الحاشية: (أن يكون) بعد قوله: وجب. وليس لها ضرورة.
(٢) في (م): كان.
(٣) في (م): أخواته.
(٤) هذا عجز بيت للشاعر لبيد بن ربيعة صدره: فإذا جوزيت قرضا فاجزه ديوانه/ ١٤١ من قصيدة له يتحدث فيها عن مآثره ومواقفه ويأسى لفقد أخيه أربد. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٣٧٠ والمقتضب ٤/ ٤١٠، وبرواية غير بدل ليس. وفي الخزانة ٤/ ٦٨ كما هنا.
[ ٢ / ١٧٨ ]
به على ذلك، وكذلك يجوز أن يقول يونس في نحو: ما مررت برجل صالح لكن طالح. إنّه يجرّه بباء يضمرها دلّت المتقدّمة لها عليها. كما حكى سيبويه عنه نحو هذا «١». ويضمر القصة في (لكن) وإن كانت مخففة. كما أضمروا «٢» في أن وإن في نحو: أما إن يغفر الله لك، وإذا قال: ما مررت برجل صالح لكن طالح، كان على قوله: ولكن هو طالح، فإنّه يقول:
لمّا خفّفته صارت «٣» من حروف الابتداء، كما صارت (إنّ) كذلك، ولذلك وقع بعدها الفعل، فكذلك صار (لكن) من حروف الابتداء، كما كان قوله:
ولكن على أقدامنا تقطر الدما «٤» وقوله:
ولكن أمّ أوفى لا تبالي «٥» على ذلك.
فأمّا تشديد لكنّ إذا دخلت عليها الواو- وتخفيفها معها، فالقياس لا يوجب دخول التثقيل فيها- كما أنّ انتفاء دخولها لا يوجب التخفيف. ومن شدّد مع دخول الواو كان كمن خفّف مع دخولها. ألا ترى أنّ الواو لا توجب تغييرا فيما بعدها في المعنى، وإذا كان كلّ واحد منهما لا ينافي الآخر في المساغ
_________________
(١) انظر سيبويه ١/ ٢١٦.
(٢) في (ط): أضمروها.
(٣) في (ط) صار.
(٤) البيت للحصين بن الحمام وقد سبق انظر ص/ ١٧٢/ من هذا الجزء.
(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى وقد سبق انظر ص/ ١٧٢/ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١٧٩ ]
والجواز كانوا كلّهم قد أحسن فيما أخذ به لتساوي الأمرين في ذلك كله في القياس. ولم يكن في دخول الواو عليها معنى يوجب التشديد. كما لم يكن في انتفاء دخولها عليها معنى يوجب التخفيف.