اختلفوا في ضمّ النون الأولى وترك الهمزة «٢» وفتح النون مع الهمز في «٣» قوله: ننسأها [البقرة/ ١٠٦].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ننسأها: بفتح النون الأولى مع الهمز، وقرأ الباقون: نُنْسِها بضم النون الأولى «٤» وترك الهمز.
قال أبو علي: أما قراءة ابن كثير وأبي عمرو: ننسأها بفتح النون وهمز لام الفعل. ففسّر على التأخير، أي:
نؤخرها.
وقال: بعض من لا [ينبغي أن] «٥» يعبأ بقوله: إن التأخير هنا لا معنى له. وقد قرأ بذلك من السّلف فيما ذكر «٦»، عمر وابن عباس، ومن التابعين إبراهيم وعطاء، وقرأ «٧» به عبيد بن عمير.
وروى ابن جريج عن مجاهد ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قال:
_________________
(١) في (ط): قوله ﷿ ما ننسخ.
(٢) في (ط): الهمز.
(٣) في (ط): من.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) سقط ما بين المعقوفتين من (ط).
(٦) في (ط): ذكروا.
(٧) في (ط): وقد قرأ.
[ ٢ / ١٨٦ ]
«نمحاها «١» أو ننسأها» قال: نثبت خطّها ونبدل حكمها.
وقال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض، فأنا انسؤها نس ءا: إذا أخّرتها عنه. ونسأت الإبل، فأنا أنسؤها نس ءا. إذا زدتها في ظمئها يوما أو يومين أو أكثر من ذلك «٢»، وتقول:
انتسأت عنك انتساء. إذا تباعدت عنه، وأنسأته الدّين إنساء:
إذا أخّرته عنه واسم ذلك النّسيئة.
فأما معنى التأخير في قوله: ننسأها فقال ناس من أهل النظر فيه «٣»: إنّ التأخير في الآية يتوجّه على ثلاثة أنحاء منها: أن يؤخّر التنزيل فلا ينزل البتّة، ولا يعلم ولا يعمل به، ولا يتلى. فالمعنى على هذا: ما ننسخ من آية أو ننسأها أي: نؤخّر إنزالها، فلا ننزلها.
والوجه الثاني: أن ينزل القرآن فيعمل به ويتلى ثم يؤخّر بعد ذلك بأن ينسخ فترفع «٤» تلاوته البتة، ويمحى «٤» فلا يتلى «٤» ولا يعمل بتأويله وذلك مثل ما روى يونس عن الحسن أنّ أبا بكر الصديق قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر «٧». ومثل ما روي عن زرّ بن حبيش أنّ أبيّا قال له: كم تقرءون الأحزاب؟ قلت: بضعا وسبعين آية. قال: قد قرأتها ونحن مع رسول الله ﵌ «٨» أطول من سورة البقرة «٩».
_________________
(١) في اللسان: محا الشيء يمحوه ويمحاه محوا ومحيا: اذهب أثره.
(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٣٤٤.
(٣) في (ط): من أهل الكوفة. بدل: من أهل النظر فيه.
(٤) في (ط): وترفع وتمحى فلا تتلى.
(٥) انظر القرطبي ٢/ ٦٦.
(٦) سقطت من (ط).
(٧) انظر القرطبي ٢/ ٦٣، ١٤/ ١١٣.
[ ٢ / ١٨٧ ]
والوجه الثالث: أن يؤخّر العمل بالتأويل لأنه نسخ «١» ويترك خطّه مثبتا وتلاوته قرآن يتلى، وهو ما حكي عن مجاهد أنّه قال: يثبت خطّها ويبدل حكمها. وهذا نحو قوله: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا [الممتحنة/ ١١] فهذا مثبت اللفظ مرفوع الحكم.
وأما من قرأ نُنْسِها من النسيان فإنّ لفظ (نسي) المنقول منه أنسي على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى الترك، والآخر: النسيان الذي هو مقابل الذكر، فمن الترك قوله:
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة/ ٦٧] أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، أو ترك تخليصهم. وإضافة الترك إلى القديم سبحانه في نحو هذا اتساع. كقوله «٢»: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة/ ١٧] وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف/ ٩٩] أي: خلّيناهم وذاك.
وقال جويبر عن الضحّاك في قوله: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية/ ٣٤] قال: اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري.
فأمّا قوله «٣»: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة/ ٢٨٦] فقوله نَسِينا يحتمل الوجهين: يجوز أن يكون من النسيان الذي هو خلاف الذكر، والخطأ: من الإخطاء الذي
_________________
(١) في (ط): ينسخ.
(٢) في (ط): كقوله ﷿.
(٣) في (ط): قوله ﷿.
[ ٢ / ١٨٨ ]
ليس التعمّد، ومجاز ذلك على أنهم تعبّدوا بأن يدعوا على أن لا يؤاخذوا بذلك، وإن كانوا قد علموا أن القديم سبحانه لا يؤاخذ بهما.
وقد جاء في «١» الحديث المأثور: «رفع عن أمتي الخطأ والنّسيان وما أكرهوا عليه» «٢»
كما جاء في الدعاء قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ «٣» [الأنبياء/ ١١٢] وهو سبحانه لا يحكم إلا بالحقّ، وكما قال: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [آل عمران/ ١٩٤] وما وعدهم الله به على ألسنة الرّسل يؤتيهم الله إياه، وكذلك تعبّد الله الملائكة بالدّعاء بما يفعله الله لا محالة فقال: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ إلى قوله: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ [غافر/ ٩]. وعلى هذا يمكن أن يكون قوله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة/ ٢٨٦] الاستطاعة ويكون على قوله لا تحمّلنا ما يثقل علينا ويشقّ وإن كنّا مستطيعين له.
ويجوز أن يكون إِنْ نَسِينا على: إن تركنا شيئا من اللازم لنا.
ومن التّرك قوله «٤»: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه/ ١١٥] أي ترك ما عهدنا إليه. ومنه قوله:
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) رواه ابن ماجة في كتاب الطلاق ١/ ٦٥٩.
(٣) (قل) قراءة غير حفص أما قراءة حفص فرويت بالألف (قال). انظر النشر في القراءات العشر ٢/ ٣٢٥.
(٤) في (ط): قوله ﷿.
[ ٢ / ١٨٩ ]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر/ ١٩] أي: كالذين تركوا طاعة الله وأمره، فأنساهم أنفسهم، أي: لم يلطف لهم كما يلطف للمؤمنين في تخليصهم أنفسهم من عقاب الله، والتقدير: ولا تكونوا كالذين نسوا أمر الله أو طاعته، فأنساهم تخليص «١» أنفسهم من عذاب الله «٢» وجاز أن ينسب الإنساء إليه. وإن كانوا هم الفاعلون له والمذمومون عليه، كما قال:
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧]، فأضاف «٣» الرمي إلى الله سبحانه لما كان بقوته، وإقداره، فكذلك نسب الإنساء إليه، لمّا لم يلطف لهذا المنسى «٤» كما لطف للمؤمن الذي قد هدي، وكذلك قوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية/ ٣٤] أي:
نسيناكم كما نسيتم الاستعداد للقاء يومكم هذا، والعمل في التخلص من عقابه. وأما قوله «٥»: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف/ ٢٤] فعلى معنى التّرك، لأنه إذا كان المقابل للذكر لم يكن مؤاخذا. ومما هو خلاف الذكر، قوله: فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه/ ٥٢] فقوله: لا يَضِلُّ رَبِّي هو في تقدير حذف الضمير العائد إلى الموصوف. وقال «٦»: فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ [طه/ ٨٨] ففي قوله: نسي، ضمير السامري، أي: ترك التوحيد باتخاذه العجل.
_________________
(١) في (ط): تخليصهم.
(٢) في (ط): الله ﷿.
(٣) في (ط): فأضيف.
(٤) رسمت المنسى في الأصل بالألف الممدودة.
(٥) في (ط): قوله ﷿.
(٦) في (ط): وقال ﷿.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وقال بعض المفسرين «١»: نسي موسى ربّه عندنا، وذهب يطلبه في مكان آخر. وأما قوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف/ ٤٢] فإن إنساء الشيطان هو أن يسوّل له، ويزيّن الأسباب التي ينسى معها. وكذلك قوله:
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف/ ٦٣] يجوز أن يكون الضمير في أنساه ليوسف أي أنسى يوسف ذكر ربه كما قال: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى [الأنعام/ ٦٨].
ويجوز أن يكون الضمير في أنساه للذي ظنّ أنه ناج «٢»، ويكون ربّه ملكه. وفي الوجه الأول يكون ربّه الله سبحانه «٣»، كأنه أنساه الشيطان أن يلجأ إلى الله «٤» في شدته. وأما قوله:
فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ [الأنعام/ ٤١] فالتقدير: تنسون دعاء ما تشركون فحذف المضاف، أي: تتركون دعاءه، والفزع إليه، إنما تفزعون إلى الله سبحانه «٥»، ويكون من النسيان الذي هو خلاف الذكر كقوله: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء/ ٦٧] أي تذهلون عنه فلا تذكرونه.
وقال: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [المؤمنون/ ١١٠]. فهذا يجوز أن يكون منقولا من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون من الذي هو خلاف الذكر،
_________________
(١) في (ط): زيادة المعنى.
(٢) في (ط): ناج منهما.
(٣) في (ط): ﷿.
(٤) في (ط): الله ﷿.
(٥) في (ط): ﷿.
[ ٢ / ١٩١ ]
واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان، والمعنى: أنكم أنتم أيها المتخذون عبادي سخريّا نسيتم ذكري باشتغالكم باتخاذكم إياهم سخريا وبالضحك منهم، أي: تركتموه من أجل ذلك، وإن كانوا ذاكرين وغير ناسين، فنسب الإنساء إلى عباده الصالحين وإن كانوا «١» لم يفعلوه لمّا كانوا كالسبب لإنسائهم، فهذا كقوله: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم/ ٣٦] وعلى هذا قوله: فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر/ ١٩] فأسند النسيان إليه، والمعنى على أنهم نسوا ذلك.
فأمّا قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة/ ١٠٦] فمنقول من نسيت الشيء: إذا لم تذكره، قال الفراء: والنسيان هنا على وجهين:
أحدهما: على الترك، نتركها ولا ننسخها.
والوجه الآخر: من النسيان كما قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف/ ٢٤].
قال أبو علي: قول الفراء نتركها ولا ننسخها، لا يستقيم هنا، وإنما هو من النسيان الذي ينافي الذكر، ألا ترى أنه قد قال:
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة/ ١٠٦] وليس كل ما أخّرت «٢» من الآي فلم تنسخ «٣» ولم يبدل حكمها «٤» يؤتى بخير من المنسوخة بآية أو المنسأة، وليس المعنى: ما ننسخ من آية أو نقرّها فلا ننسخها نأت بخير منها، إنما المعنى: أنّا إذا
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) في (ط): ما أخر.
(٣) في (ط): فلم ينسخ.
(٤) في (ط): حكمه.
[ ٢ / ١٩٢ ]
رفعناها من جهة النسخ بآية، أو الإنساء «١»؛ أتينا بخير من التي ترفع وتبدل على أحد هذين الوجهين، ومعنى نأت بخير منها:
أنه أصلح لمن تعبّد بها، وليس المعنى في قوله: نأت بخير منها، أن الناسخة خير من المنسوخة أو المنساة، أي: أفضل منها، ولكن أصلح لمن تعبّد بها وأدعى لهم.
وقال أبو إسحاق: قال أهل اللغة في معنى: أَوْ نُنْسِها قولين: قال بعضهم: أَوْ نُنْسِها من النسيان، قال: وقالوا:
ودليلنا على ذلك قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى/ ٦] فقد أعلم أنّه شاء أن ينسى، قال: وهذا القول عندي ليس بجائز، لأن الله قد أنبأ النبي ﵌ «٢» في قوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء/ ٨٦] أنه لا يشاء أن يذهب بما أوحى إلى النبي ﵌ «٣».
قال أبو علي: هذا الذي احتجّ به على من ذهب إلى أنّ ننسها من النسيان، لا يدل على فساد ما ذهبوا إليه من أن ذلك من النسيان، وذلك أن قوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء/ ٨٦] إنما هو على ما لا يجوز عليه النسخ والتبديل من الأخبار وأقاصيص الأمم، ونحو ذلك مما لا يجوز عليه التبديل. والذي ينساه النبي ﵌ «٤» هو ما يجوز أن ينسخ من الأوامر والنواهي الموقوفة على المصلحة في الأوقات التي يكون ذلك فيها أصلح.
_________________
(١) في (ط): والإنساء.
(٢) سقطت ﷺ، من (م).
(٣) سقطت من (ط).
(٤) سقطت من (ط).
[ ٢ / ١٩٣ ]
ويدلك على أن ننسها من النسيان الذي هو خلاف الذكر من قولك: نسيت الشيء وأنسانيه غيري، قراءة من قرأ: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها «١». وقراءة من قرأ: أو ننسكها.
فأمّا قوله: تنسها فقراءة سعد بن أبي وقاص. روى هشيم «٢» قال: أخبرني يعلى بن عطاء «٣» عن القاسم بن ربيعة بن قائف الثقفي قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرؤها: ما ننسخ من آية أو تنسها. قال: فقلت له: إنّ سعيد بن المسيب يقرأ: أو تنسها أو: ننساها «٤» قال «٥»: إنّ القرآن لم ينزل على آل «٦» المسيّب، قال الله لنبيه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى/ ٦] وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف/ ٢٤]. وقرأ أيضًا تنسها أوّلها تاء مفتوحة من النسيان: سعد بن مالك، حكاها أبو حاتم «٧».
_________________
(١) في (ط): ننسها، كما أثبتنا وفي (م): تنسها.
(٢) هو هشيم بن بشير أبو معاوية السّلمي، الواسطي الحافظ- انظر التاريخ الصغير للبخاري ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١ - ٢٣٣.
(٣) هو يعلى بن عطاء العامري الطائفي أتى واسط وأقام بها في آخر سلطنة بني أمية وسمع منه شعبة وهشيم وأبو عوانة وأصحابهم. الطبقات الكبرى ٥/ ٥٢٠.
(٤) في (ط): أفننساها. وكتب في هامشها: «في أخرى: أو فننسأها موضع أفننساها».
(٥) في (ط): فقال.
(٦) سقطت من (ط).
(٧) قال ابن جني في المحتسب قرأ سعد بن أبي وقاص والحسن ويحيى بن يعمر: «أو تنسها» بتاء مفتوحة، وقراءة سعيد بن المسيب والضحاك: «تنسها» مضمومة التاء مفتوحة السين .. (انظر المحتسب ١/ ١٠٣).
[ ٢ / ١٩٤ ]
وأما ننسكها فإنّ الكسائيّ قال: رأيت في مصاحف على قراءة سالم مولى أبي حذيفة: ما ننسخ من آية أو ننسكها النون الأولى مضمومة والثانية ساكنة.
قال أبو علي: فالمفعول المراد المحذوف في قراءة من قرأ أَوْ نُنْسِها مظهر في قراءة من قرأ: ننسكها ويؤكد ذلك ويبيّنه قراءة من قرأ: أو تنسها.
قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن الحسن عن قرة بن خالد، عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: تنسها. ألا ترى أن الفعل يتعدّى إلى مفعولين، فلما بني الفعل للمفعول قام أحدهما مقام الفاعل، فبقي الفعل متعديا إلى مفعول واحد. ويؤكد ذلك أيضا، ما روي من قراءة ابن مسعود: ما ننسك من آية أو ننسخها. وبقراءة ابن مسعود، قرأ الأعمش، وروى عبد الله بن كثير عن مجاهد، قال: قراءة «١» أبيّ: ما ننسخ من آية أو ننسك.
فهذا كله يثبت قول من جعل نُنْسِها على أنه من النسيان، وليس ذلك مما أريد بقوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء/ ٨٦] لأن ذلك إنما هو فيما لا يجوز عليه النسخ. فأما ما يجوز عليه النسخ والرفع فقد يجوز أن يرفع بالنسيان كما يرفع بالنسخ، وذلك أنه يرفع من التلاوة والخط فينسى، وليس ذلك على وجه سلب النبي ﵌ «٢»، شيئًا
_________________
(١) في (ط): قرأ.
(٢) سقطت من (ط).
[ ٢ / ١٩٥ ]
أوتيه من الحكمة، كما أنّ نسخ ما نسخ «١» بآية أو بسنّة لا يكون سلبا للنبي ﵌ «٢» شيئًا أوتيه من الحكمة.
ومما يؤكد ذلك أن سعيدًا روى «٣» عن قتادة أنه قال:
كانت الآية تنسخ بالآية وينسي الله نبيّه من ذلك ما يشاء. وقد قدمنا أن ننسها لا يجوز أن يكون منقولًا من نسي الذي معناه ترك.
وقول أبي إسحاق وفي قوله: فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى/ ٦، ٧] قولان يبطلان هذا القول الذي حكيناه عن بعض أهل اللغة، أحدهما: فلا تنسى، أي: فلست تترك، إلا ما شاء الله أن تترك. ويجوز أن يكون إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن يلحق بالبشريّة ثم يذكر بعد.
قال أبو علي: فالقول فيه أن قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إن حمل فيه لا تنسى على النسيان الذي يقابل الذكر أشبه من أن يحمل على ما يراد به الترك، وذلك أن النبي ﵌ «٤» كان إذا نزل عليه القرآن أسرع القراءة وأكثرها، مخافة النسيان فقال «٥»:
سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه، لرفعه ذلك بالنسيان، كرفعه إياه بالنسخ بآية أو سنّة. ويؤكد ذلك قوله:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة/ ١٦ - ١٧] وقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه/ ١١٤] فحمل قوله: فلا
_________________
(١) في (ط): ما ينسخ الله.
(٢) سقطت من (ط).
(٣) في (م): رواه.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): فقال تعالى.
[ ٢ / ١٩٦ ]
تنسى على الترك، إذا كان يسلك به هذا المسلك- ليس بالوجه. فإن قال: أحمله على الترك دون النسيان. قيل: فإن للذي أنكرت قوله- في أنه من النسيان، وقلت إن قوله: لا يجوز، لقوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء/ ٨٦] وأنه لا يجوز أن يذهب بما أوحي إلى النبي ﵌- أن يقول: ولا يجوز له أن يترك شيئا مما أوحى إليه، كما قلت أنت: لا يجوز أن ينسى شيئًا مما يوحى إليه.
فإن جاز أن يترك منه شيئًا؛ جاز أن ينسى منه شيئًا. ولا يكون نسيانه له على وجه الرّفع منكرًا، كما لم يكن تركه إذا شاء الله تركه منكرًا. فإذا كان الأمر على هذا، فقد صار هو أيضًا إلى مثل ما أنكره من قول من أنكر قوله.
فأمّا قوله: ويجوز أن يكون ما شاء الله مما يلحق بالبشريّة ثم يذكر بعد، فإنّ هذا الضرب من النسيان، وإن كان جائزًا على النبي ﵌- لما
روي من أنه قام في الثانية، فسبّح به فلم يرجع، وسجد للسهو «١».
ونحو ما روي من حديث ذي اليدين «٢» ونحو ما
روي من أنه صلى فنسي آية، فلما فرغ من صلاته، قال: «أفي القوم أبيّ؟ قيل «٣»: نعم يا رسول الله، أنسخت آية كذا أم نسيتها؟ فضحك رسول الله ﵌ وقال:
_________________
(١) انظر البخاري في السهو ٣/ ٩٣ باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، ومسلم باب السهو في الصلاة والسجود له ١/ ٣٩٨ رقم ٥٧٠.
(٢) انظر حديث ذي اليدين في فتح الباري ٣/ ٩٦ وصحيح مسلم ١/ ٤٠٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(٣) في (ط): فقيل.
[ ٢ / ١٩٧ ]
نسيتها».
من حديث عبد الرحمن بن أبزى «١» -.
فليس «٢» المراد في هذا الموضع، لأنه في حكم الذكر من حيث كان المأثم فيه موضوعا، وإنما المراد به النسيان الذي هو رفع من التلاوة والخط، وعلى هذا استدلّ به سعد بن أبي وقاص، وعليه حمل ناس من أهل النظر فهذا أولى، وإن كان ما ذهب إليه أبو إسحاق غير ممتنع في غير هذا الموضع.
قال أبو إسحاق: وقالوا في: نُنْسِها قولًا آخر، وهو خطأ. قالوا: أو نتركها، وهذا إنما يقال فيه: نسيت إذا تركت، ولا يقال «٣»: أنسيت تركت، وإنما معنى أَوْ نُنْسِها أي «٤»:
أو نتركها. أي: نأمركم بتركها.
والقول «٥» في ذلك: أنّ من فسر أنسيت بتركت، لا يكون مخطئًا، وذلك أنك إذا قلت: أنساني الشيطان ذكر كذا، فإنه إذا أنساك نسيت، وإذا قال: أضربت زيدًا عمرًا، فكأن المعنى: جعلت زيدًا يضرب عمرًا، فزيد يضرب إذا أضربته، كما ينسى إذا أنسيته، فإذا عبّر عن ذلك بما يوجبه فعله لم يكن خطأ، وإن كان إذا عبر عن تنسي بيترك، كان أشدّ موافقة له في اللفظ، ومطابقة فيما تريد من المعنى. ويدلّك على أن ذلك ليس بخطإ، أن المفعول الأول من الفعل المتعدي إلى
_________________
(١) عنه في مسند الإمام أحمد ٣/ ٤٠٧ وفي سنن أبي داود ١/ ٥٥٨ رقم ٩٠٧ باب الفتح على الإمام في الصلاة وجامع الأصول ٥/ ٦٤٨ رقم ٣٩٢٤. من حديث عبد الله بن عمر وغيره.
(٢) قوله: فليس: جواب وإن كان السابقة.
(٣) في (ط): لا يقال فيه.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): قال أبو علي: والقول.
[ ٢ / ١٩٨ ]
مفعول واحد، إذا نقل بالهمزة فاعل المفعول الثاني، فإذا عبّرت عنه بنسيت، فقد جئت بشيء دلّ كلامك عليه «١»، كما أنك إذا عبّرت عنه على التحقيق فقد أتيت بما دلّ كلامك عليه.
فإذا اتفقا في دلالة الكلام على كل واحد منهما لم يكن خطأ. وهذا النحو يستعمله المتقدمون من السلف المفسرون وغيرهم كثيرًا على أنّ أتركت وإن كان يوجبه القياس فإنّا لم نعلم الاستعمال جاء به، وإذا لم يأت به الاستعمال لم يمتنع أن يكون مثل أشياء من هذا الباب يوجبه القياس، ولم يأت به الاستعمال، فرفض لذلك. ألا ترى أنهم قالوا: دفعت زيدًا بعمرو ولم يقولوا: أدفعت.
وذهب سيبويه إلى أن ذلك مرفوض وكذلك صككته بكذا، ورفضوا «٢» استعمال الهمزة، وكذلك لقيت زيدًا، لم يستعملوا نقله بالهمزة، وليس ألقيت منقولًا من لقيت، ألا ترى أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وكذلك ميّزت ليس بمنقول من مزت، فإذا رفض النقل بالهمزة في هذه الأشياء ونحوها، أمكن أن يكون تركت أيضًا مثلها فلم تنقل بالهمزة، ويقوي ذلك أنّا لم نعلمه ثبت في سمع كما لم تثبت هذه الأشياء.
فإذا لم يرد به سمع دل ذلك على الرفض له. ففسر الذي فسر ذلك على ما جاء السمع به دون ما أوجبه القياس الذي لعله رآه المفسّر مرفوضًا غير مأخوذ به.
وقوله: وإنما معنى أَوْ نُنْسِها أو: نتركها، أي: نأمركم
_________________
(١) في (ط): دل عليه كلامك.
(٢) في (ط): فرفضوا.
[ ٢ / ١٩٩ ]
بتركها؛ فالقول في ذلك: لا يخلو من «١» أن يكون المراد بنتركها الذي يراد به تقرير الشيء، كما تقول: اترك هذا في موضعه، أي: قرره فيه ولا ترفعه منه، أو يكون المراد بنتركها أي: نرفعها ونبدلها. فإن كان المراد الوجه الأول الذي هو التقرير في موضعه، وأن لا يرفع؛ فهذا لا يقع الأمر به، لأنه ليس إلى النبي «٢» ولا إلى المسلمين تقرير الآي في مواضعها، إنّما ذلك إلى الله «٣» إذا أنزل آية كانت مقرّرة حتى يرفعها بنسخ أو إنساء، فالأمر لنا بتقرير ذلك لا يصحّ إلا أن يراد الاعتقاد، لأن ذلك ثابت غير منسوخ، وهذا الأمر ليس بالكثير الفائدة، لأن النبي، ﵌ «٤»، والمسلمين إذا أنزل الله تعالى آية قرروها في موضعها، واعتقدوا أنه قرآن منزل وكلام لرب العالمين قد ثبت، حتى يرفع بنسخ أو نسيان إن كان ذلك يجوز فيها. وإن كان المراد بقوله: نأمركم بتركها، نأمركم بأن ترفعوا ذلك وتتركوه؛ فذلك ليس إلى النبي «٥» ولا إلى المسلمين، وإنما تبديلها ونسخها إلى الله «٦»، يدل على ذلك قوله: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس/ ١٥] فإن قال قائل: ما معنى تركها غير النسخ، وما الفصل بين الترك والنسخ؟ فالجواب في ذلك: أن النسخ أن يأتي في الكتاب نسخ آية بآية فتبطل الثانية العمل بالأولى، ومعنى الترك: أن تأتي الآية بضرب من العمل فيؤمر المسلمون بترك ذلك بغير آية تنزل ناسخة التي قبلها، نحو قوله:
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) في (ط): صلى الله عليه.
(٣) في (ط): الله ﷿.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): صلى الله عليه.
(٦) في (ط): الله تعالى.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة/ ١٠] ثم أمر المسلمون بعد بترك المحنة، فهذا يدل على معنى الترك ومعنى النسخ، وقد بيناه فهذا هو الحق.
قال أبو علي «١»: القول في ذلك أن ما ذكره من أن النسخ: أن يأتي في الكتاب نسخ الآية بالآية فتبطل الثانية العمل بالأولى؛ ليس بحقيقة النسخ، لكن هذا ضرب من النسخ. وقد يكون النسخ للآية والتبديل لها على ضروب أخر، وما أعلم فيه رواية ولا قياسا يدلّ على ما ذكره. وقد ينسخ القرآن عند عامّة الفقهاء بسنّة غير آية، ولا يمتنعون من أن يسموا ذلك نسخا، ولا يمتنع أن يسمى الضرب الذي سماه أبو إسحاق تركا نسخا.
ومما يدل على ذلك أن الزهري روى عن عروة عن عائشة قالت: نزل في أصحاب بئر معونة قرآن منه: «بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربّنا فرضي عنا وأرضانا» ثمّ نسخ «٢»، فسمّت عائشة ذلك نسخا، ولم تسمّه تركا، وسمته نسخا وإن لم ينسخ بآية فهذا يفسد القسمين اللذين قسمهما. ألا ترى أنها سمت ذلك نسخا، وإن لم ينسخ ذلك «٣» بآية ولم تسمه تركا. كما زعم أنه يسمّى نحو قوله: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ [الممتحنة/ ١٠] تركا من حيث أمر المسلمون بترك الامتحان لهنّ من غير آية نزلت. ويفسد ذلك أيضا ما روي عن
_________________
(١) سقطت «قال أبو علي» من (م).
(٢) رواه البخاري في الجهاد برقم ٢٨١١ من حديث أنس بن مالك.
(٣) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٠١ ]
رسول الله ﵌ «١» من
حديث حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة قال: بينا رسول الله ﵌ «١» يوما قاعد في أصحابه إذ ذكر حديثا، فقال: ذاك وأن «٣» ينسخ القرآن، فقال رجل كالأعرابي:
يا رسول الله ما ينسخ القرآن؟ وكيف ينسخ؟ قال: «يذهب أهله الذين هم أهله، ويبقى رجال كأنهم النعام. يعني في خفة الطير».
فقد سمّى رسول الله ﵌ «١» هذا نسخا، وإن لم ينسخ بآية فإذا لم يثبت بتسميته النسخ سماع ولا قياس، وجاءت اللغة بخلاف ما ذكره، علمت أنه قول لا وجه له «٥».