بسم الله: «١» اختلفوا في ضم «٢» أوائل هذه الحروف وأخواتها وكسرها: فقرأ الكسائي: قيل [البقرة/ ١١] وغيض [هود/ ٤٤] وسيء [هود/ ٧٧، والعنكبوت/ ٣٣] وسيئت [الملك/ ٢٧] وحيل [سبأ/ ٥٤] وسيق [الزمر/ ٧١، ٧٣] وجيء [الزمر/ ٦٩، والفجر/ ٢٣] بضم أول ذلك كله.
وكان نافع يضم من ذلك حرفين: (سيء)، و(سيئت)، ويكسر ما بقي.
وكان ابن عامر يضم أول: (سيق وسيء وسيئت وحيل)، ويكسر (غيض) و(قيل) و(جيء) في كل القرآن: الغين والجيم والقاف، هذه رواية ابن ذكوان «٣» عنه.
وقال الحلواني «٤» عن هشام «٥» بن عمار بإسناده عنه في
_________________
(١) بسم الله: زيادة في (م).
(٢) زيادة في (ط).
(٣) هو عبد الله بن أحمد بن بشر، ويقال: بشير بن ذكوان، أبو عمرو وأبو محمد القرشي الفهري الدمشقي، الإمام الأستاذ الشهير، الراوي الثقة. شيخ الإقراء بالشام، وإمام جامع دمشق. أخذ القراءة عرضا عن أيوب ابن تميم، وقرأ على الكسائي حين قدم الشام وروى الحروف سماعا عن إسحاق بن المسيبي عن نافع، وروى القراءة عنه خلق كثير. ولد سنة ١٧٣، وتوفي سنة ٢٤٢. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤٠٤، ٤٠٥.
(٤) هو أحمد بن يزيد بن ازداذ، ويقال: يزداز الصفار أبو الحسن الحلواني: إمام كبير عارف صدوق متقن ضابط خصوصا في قالون وهشام. قرأ بمكة على أحمد بن محمد القواس وبالمدينة على قالون، وبالكوفة والعراق على خلف وغيره. توفي سنة نيف وخمسين ومائتين. طبقات ابن الجزري: ١: ١٤٩، ١٥٠.
(٥) هو هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي، وقيل: الظفري، الدمشقي إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم. ولد سنة ١٥٣، وأخذ القراءة عرضا عن أيوب بن تميم وغيره.
[ ١ / ٣٤٠ ]
كلهن مثل الكسائي.
وروى عبيد بن عقيل «١» عن شبل بن عبّاد «٢» عن ابن كثير: (سيء) و(سيئت) بضم السين مثل نافع.
وكان ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة يكسرون أوائل هذه الحروف كلّها «٣».
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا قالُوا [البقرة/ ١١] قال يقول قولا وقيلا، مثل ذكر يذكر ذكرا.
كأنّه متوّج روميّ أو مقول توّج حميريّ
«٤» وقالوا: قيل، وهو فيعل مخفف كميت. يدلّك «٥» على
_________________
(١) وروى القراءة عنه أحمد بن يزيد الحلواني وغيره. ومات سنة ٢٤٥، وقيل سنة ٢٤٤. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٦.
(٢) هو عبيد بن عقيل بن صبيح أبو عمرو الهلالي البصري، راو، ضابط، صدوق. روى القراءة عن أبان بن يزيد العطار، وأبي عمرو بن العلاء، وشبل بن عباد، وغيرهم. وروى القراءة عنه خلف بن هشام وغيره. توفي في رمضان سنة ٢٠٧. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤٩٦.
(٣) هو شبل بن عباد أبو داود المكي، مقرئ مكة. ثقة ضابط، هو أجل أصحاب ابن كثير. ولد سنة ٧٠، وعرض على ابن محيصن وعبد الله بن كثير، وهو الذي خلفه في القراءة. وروى القراءة عنه عرضا إسماعيل القسط وغيره. وبقي إلى قريب من سنة ١٦٠. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٢٤.
(٤) انتهى كلام ابن مجاهد: (انظر كتاب السبعة في القراءات ١٤١ - ١٤٢).
(٥) للعجاج، وروي في الديوان (١/ ٥١٦) بين بيتي الشاهد: عليه كتان وآخني والآخني: ثوب مخطط.
(٦) في (ط): يدل.
[ ١ / ٣٤١ ]
ذلك ظهور الياء فيه، والعين أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب.
والقياس في جمع قيل أقوال، مثل ميت وأموات.
وروي في الحديث: «إلى الأقيال العباهلة» «١»،
والقياس الأقوال إذا كان جمع فيعل من القول.
ويجوز أن يكون الأقيال جمع قيّل الذي هو فيعل، من قولهم: تقيّل أباه إذا أشبهه، كأنّ كلّ ملك يشبه الآخر في ملكه، كما قيل له تبّع لمّا كان يتبع من قبله.
وقال أبو زيد: اقتل عليّ كذا، أي احتكم، وأنشد:
فلو أن ميتا يفتدى لفديته بما اقتال من حكم عليّ طبيب
«٢» وقد اتسعوا في القول فاستعملوه في غير اللفظ. قال العجاج يصف ثورا:
فكرّ ثم قال في التفكير إن الحياة اليوم في الكرور
«٣»
_________________
(١) من كتاب سيدنا رسول الله ﷺ لوائل بن حجر وقومه. والعباهلة: الذين أقروا على ملكهم ولم يصرفوا عنه. انظر النهاية لابن الأثير واللسان: (عبهل). والبيان والتبين ٢/ ٢٧ ت هارون والشفا ٤٩.
(٢) لكعب بن سعد الغنوي في النوادر/ ٢٤٤ وروايته: «ولو» مكان «فلو». وبقية البيت مطابقة لما هنا. ورواية المنصف: ٣/ ٩٢ واللسان والصحاح «قول» والأصمعيات/ ٩٧: ومنزلة في دار صدق وغبطة وما اقتال من حكم علي طبيب واقتال عليه: تحكم. وانظر شأن الدعاء ص ١٥١ (ط. دار المأمون للتراث).
(٣) سبق في ص ٣٣١.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقد أجري القول أيضا مجرى الاعتقاد والمذهب في نحو: هذا قول أهل العدل، وهذا قول أبي حنيفة، يعنون بذلك رأيهم واعتقاداتهم، ليس اللفظ.
وعلى هذا قالوا: قيل في ذلك قول، فأسندوا إليه قيل.
ومعنى النهي فيما
روي: «إنّ الله ينهاكم عن قيل وقال»: «١»
المجادلة بالباطل ليدحض به الحقّ، وليس على النهي عن الخوض في العربية وتعلّمها، لأنّ الحضّ على النظر فيها قد كثرت الرواية به عن السلف. «٢»
حدثنا إسماعيل بن محمد قال: حدثنا محمد بن عيسى العطار: قال حدثنا كثير «٣» بن هشام قال حدثنا عيسى «٤» بن إبراهيم عن الحكم بن عبد الله عن الزهري «٥» عن
_________________
(١) قطعة من حديث رواه البخاري في الرقاق برقم ٦٤٧٣ ومسلم برقم ١٧١٥ ج ٣/ ١٣٤٠. وانظر رياض الصالحين. طبع دار المأمون للتراث ص/ ٦٧١.
(٢) في (ط): السلف ﵏.
(٣) هو كثير بن هشام بن سهل الكلابي الرقي. روى عن شعبة. ومات سنة ٢٠٧. خلاصة تذهيب الكمال ٢٧٣. قال ابن معين: ثقة. تهذيب الكمال ٣/ ١١٤٦.
(٤) عيسى بن إبراهيم الشعيري- بفتح الشين وكسر العين- البركي- بكسر الباء- أبو إسحاق البصري، مولى بني هاشم. روى عن حماد بن سلمة وغيره. قيل توفي سنة ٢٨٨، الخلاصة/ ٢٥٦.
(٥) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله القرشي الزهري أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. روى عن ابن عمر وغيره. كان من أسخى الناس، وكان تقيا، مات سنة ١٢٤. الخلاصة/ ٣٠٦.
[ ١ / ٣٤٣ ]
سالم «١» عن أبيه قال:
مرّ عمر بن الخطاب على قوم يرمون رشقا «٢» فقال: بئس ما رميتم.
قالوا: «٣» يا أمير المؤمنين: إنا قوم متعلمين.
فقال: والله لذنبكم في لحنكم أشدّ علي من ذنبكم في رميكم،
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رحم الله رجلا أصلح من لسانه». «٤»
وقد أجروا أتقول مجرى أتظن، فقالوا: أتقول زيدا منطلقا؟ ولم يجر أكثر العرب حروف المضارعة الأخر «٥» مجرى التاء. قال «٦» لأنّ المخاطب لا يكاد يستفهم عن ظنّ غيره.
فمن ذلك قوله:
فما تقول بدالها «٧» (ما) نصب لكونها في موضع المفعول الأول، والجملة في موضع المفعول الثاني.
_________________
(١) هو سالم بن عبد الله بن عمر العدوى المدني الفقيه. روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهما. قال ابن اسحاق: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه: مات سنة ١٠٦ على الأصح. الخلاصة/ ١١٣.
(٢) يرمون رشقا، أي: يرمون كلهم في جهة.
(٣) في (ط): فقالوا.
(٤) الحديث في كشف الخفاء ١/ ٥١٣ وفيض القدير ٤/ ٢٣ وكلاهما بسند ضعيف.
(٥) في (ط): الأخرى.
(٦) في (ط): قالوا.
(٧) للأعشى، والبيت بتمامه: رحلت سمية غدوة أجمالها غضبى عليك فما تقول بدا لها انظر الديوان/ ٢٧. وقد سبق في ص ٧٢.
[ ١ / ٣٤٤ ]
قال: وبنو سليم يجعلون جميع الأمثلة بمنزلة الظن.
والتّقوّل: تفعّل من القول، وقد غلب عليه الاستعمال فيما كان باطلا وغير صدق، كما أن الاختلاق كذلك، وفي التنزيل:
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الأحقاف/ ٤٤].
وزعم بعض المفسرين أنّها نزلت لمّا قالوا: لولا اجتبيتها من قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الأعراف/ ٢٠٣] وقال: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص/ ٧].
فأمّا الإقالة في البيع فليس من هذا الباب، لأنّهم قد قالوا: قلته البيع وأقلته. «١» حكاه سيبويه وأبو زيد، فدل قولهم:
قلته على أن العين ياء. ولكنّ الإقالة من قولهم: تقيّل أباه، إذا نزع إليه في الشبه، فكذلك الإقالة عود الملك بين المتقايلين إلى ما كان قبل عقد البيع، ألا ترى أنّه فسخ بين المتعاقدين وإن كانا بيعا آخر في حق الثالث.
حجة من قال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ [النور/ ١١] فأشمّ الضمة الكسرة وأمال بها نحوها:
أن ذلك أدلّ على فعل، ألا ترى أنّهم قد قالوا: كيد زيد يفعل، وما زيل يفعل، وهم يريدون فعل. فإذا حرّكوا الفاء هذه التحريكة أمن بها التباس الفعل المبنى للفاعل بالفعل المبني للمفعول، وانفصل بها، فدلّت عليه، وكان أشدّ إبانة للمعنى المراد.
ومن الحجة في ذلك أنهم قد «٢» أشمّوا نحو ردّ وعدّ وما
_________________
(١) أقلته، سقطت من (ط).
(٢) سقطت من (ط).
[ ١ / ٣٤٥ ]
أشبه ذلك من التضعيف المبنى على فعل، مع أنّ الضمة الخالصة تلحق فاءه، فإذا كانوا قد تركوا الضمة الصحيحة إلى هذه في الموضع الذي تصح فيه «١» الضمة فإلزامها حيث
يلزم الكسر فيه في أكثر اللغات أجدر. ودلّ استعمالهم هذه الحركة في ردّ ونحوه من التضعيف على تمكنها في قيل وبيع وكونها أمارة للفعل المبني للمفعول به، ولولا ذلك لم تترك الضمة المحضة إليها في قولهم: ردّ ونحوه.
ومن الحجة في ذلك أنّهم قالوا: أنت تغزين فألزموا الزاي إشمام الضمة و(زين) من تغزين بمنزلة قيل، فكما ألزم الإشمام هنا كذلك يلزم ذلك في قيل، ألا ترى من «٢» قال: قيل وبيع، قال: اختير وانقيد، فأشمّ ما بعد الخاء والنون لمّا كان بمنزلة قيل وبيع، فكما ألزم الإشمام نحو تغزين، لينفصل من باب ترمين، كذلك ألزم قيل وبيع الإشمام في الضمة، لينفصل من الفعل المبني للفاعل في كيد وزيل، وليكون أدلّ على فعل.
فإن قلت: فهلّا ألزم القاف في قيل ونحوه إشمام الضمة كما ألزم ذلك في «٣» تغزين؟
فالقول إنّ هذه الحركة لمّا لم تكن ضمة خالصة ولا كسرة محضة ضعفت في الابتداء لخروجها عمّا عليه الحركات اللاحقة أوائل الكلم المبتدأ بها، ألا ترى أنّ أبا عمرو أخذ بذلك في الإدراج فيما حكاه عنه سيبويه في قوله تعالى:
_________________
(١) في (ط): فيها.
(٢) في (ط): ألا ترى أن.
(٣) سقطت من (ط).
[ ١ / ٣٤٦ ]
يا صالِحُ ائْتِنا «١» ولم يأخذ به في الاستئناف. فإن قلت: فهل يلزم أبا عمرو في قراءته: يا صالِحُ ائْتِنا أن يقرأ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي [التوبة/ ٤٩] فيشمّ الضمة نحو الكسرة.
فالقول: إن ذلك لا يلزم، لأنّ هذا الإشمام والإمالة بالضمة نحو الكسرة إنّما جاء فيما ليس بحركة إعراب، والضمة في يقول ضمة إعراب، والتي في يا صالِحُ ائْتِنا وإن كانت مشابهة لحركة الإعراب فهي حركة بناء، فلا يلزم ذلك في قوله تعالى: «٢» وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي.
ومما يدلّك على أنّ هذه التحريكة قد صارت أمارة لبناء الفعل للمفعول به وأنّها مما يختصّ به الفعل أنّك لو سميت بمثل قيل وبيع شيئا وخلعت منه الضمير إن كان فيه لأخلصت الكسرة فقلت: قيل وبيع، فدلّ هذا من مذهب سيبويه على أن هذه الحركة أمسّ عنده بالفعل، وأشد لزوما له من الأمثلة التي تختص بالفعل، ولا تكون في الاسم نحو: ضرب وضورب وضرّب: ألا ترى أنّك لو سميت بشيء من ذلك مجردا من الضمير لم تغيره عن بنائه إلى ما يختص الاسم وقد رأى تغيير هذه الحركة وإخلاصها كسرة.
ومما يقوي قول من قال: قيل أن هذه الضمة المنحوّ بها نحو الكسرة قد جاءت في نحو قولهم: شربت من المنقر، «٣»
_________________
(١) عبارة سيبويه: «وزعموا أنّ أبا عمرو قرأ: يا صالحيتنا، جعل الهمزة ياء، ثم لم يقلبها واوا. الكتاب: ٢/ ٣٥٨.
(٢) تعالى زيادة في (ط).
(٣) قال سيبويه: «وشربت من المنقر. والمنقر: الركية الكثيرة الماء. انظر الكتاب: ٢/ ٢٧٠.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وهذا ابن عور وابن بور، «١» فأمالوا هذه الضمات نحو الكسرة لتكون «٢» أشدّ مشاكلة لما بعدها وأشبه به وهو كسر الراء، فإذا أخذوا بهذا لتشاكل اللفظ، وحيث لا يميّز معنى من معنى آخر فأن يلزموا ذلك حيث يزيل اللبس ويخلّص معنى من معنى أجدر وأولى.