واختلفوا في قوله ﷿: كُنْ فَيَكُونُ [البقرة/ ١١٧] في فتح النون وضمّها، فقرأ ابن عامر وحده: كُنْ فَيَكُونُ بنصب النون.
وقرأ الباقون: فَيَكُونُ رفعا «٣».
قال أبو علي: لا يخلو قوله: يَقُولُ «٤» [البقرة/ ١١٧] من أن يكون المراد به القول الذي هو كلام ونطق، أو يكون «٥»
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) أخرجه البخاري في التيمم برقم ٣٣٥ ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم ٥٢١ وأبو داود برقم ٤٩٢ والترمذي برقم ٣١٧.
(٣) السبعة: ١٦٨.
(٤) سقطت من (ط). وهي من قوله سبحانه: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
(٥) في (ط): يكون القول.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الذي يتّسع فيه فلا يراد به النطق ولا الكلام، ولا الظنّ ولا الرأي ولا الاعتقاد، ولكن نحو قول الشاعر «١»:
قد قالت الانساع للبطن الحق ونحو قول العجاج في صفة ثور «٢»:
فكّر ثمّ قال في التفكير إنّ الحياة اليوم في الكرور وقول الآخر «٣»:
امتلأ الحوض وقال قطني فلا يكون على القول الذي هو خطاب ونطق، لأن المنتفي الذي ليس بكائن لا يخاطب كما لا يؤمر، فإذا لم يجز ذلك حملته على نحو ما جاء في الأبيات التي قدمت ونحوها «٤».
_________________
(١) سبق انظر ١/ ٣٣١.
(٢) ورد الرجز في (ط) كما يلي: وفيه كالإعراض للعكور ميلين ثم قال في التفكير إن الحياة اليوم في الكرور وقد سبق انظر ١/ ٣٣١ و٣٤٢.
(٣) في (ط): وقال الآخر، والبيت مجهول القائل وبعده: مهلا رويدا قد ملأت بطني الخصائص لابن جني ١/ ٢٣ - شرح الأشموني لألفية ابن مالك ١/ ١٢٥ أمالي ابن الشجري ١/ ٣١٣. تفسير الطبري ١/ ٥١٠.
(٤) ورد في طرة (ط) تعليقة في ثلاثة أسطر وهي: «لا غرو أن هذا على مذهبه في جعله (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مجازا ليس حقيقة، لأنه وأصحابه لا يثبتون لله ﷿ كلاما صفة ذات لقولهم بخلق القرآن
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وأما قوله: كُنْ فإنه وإن كان على لفظ الأمر فليس بأمر، ولكن المراد به الخبر، كأن التقدير يكوّن فيكون وقد قالوا: أكرم بزيد، فاللفظ لفظ الأمر، والمعنى والمراد: الخبر، ألا ترى أنه بمنزلة: ما أكرم زيدا، فالجار والمجرور في موضع رفع بالفعل. وفي التنزيل: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [مريم/ ٧٥] فالتقدير: مدّه الرحمن. وإذا لم يكن قوله: كُنْ أمرا في المعنى، وإن كان على لفظه؛ لم يجز أن تنصب الفعل بعد الفاء بأنه جوابه، كما لم يجز النصب في الفعل الذي تدخله الفاء بعد الإيجاب نحو: آتيك فأحدّثك، إلّا أن يكون في شعر نحو قوله «١»:
ويأوي إليه المستجير فيعصما ومما يدل على امتناع النصب في قوله: فَيَكُونُ أن الجواب بالفاء مضارع للجزاء. يدلّ على ذلك أنه يؤول في المعنى إليه. ألا ترى أن: اذهب فأعطيك معناه: إن تذهب أعطيتك [والأجود إن ذهبت أعطيتك] «٢» فلا يجوز: اذهب فتذهب. لأن المعنى يصير: إن ذهبت ذهبت، وهذا كلام لا يفيد، كما يفيد إذا اختلف الفاعلان والفعلان، نحو: قم فأعطيك، لأن المعنى: إن قمت
_________________
(١) فجعلوا ما جاء في الآية مجازا لا حقيقة، فاعرف ذلك؛ إنّه خلاف مذهبه». اهـ كذا وردت العبارة، وفيها إشكال في قوله: خلاف مذهبه.
(٢) عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره: لنا هضبة لا ينزل الذلّ وسطها وورد البيت في (ط) كاملا. انظر الديوان/ ١٩٤.
(٣) ما بين المعقوفتين سقطت من (م).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أعطيتك، ولو جعلت الفاعل في الفعل الثاني فاعل الفعل الأول، فقلت: قم فتقوم، أو: أعطني فتعطيني، على قياس قراءة ابن عامر لكان المعنى: إن قمت تقم، وإن تعطني تعطني، وهذا كلام في قلة الفائدة على ما تراه، وإذا كان الأمر على هذا لم يكن ما روي عنه من نصبه فَيَكُونُ متجها.
وقد يمكن أن تقول في قول ابن عامر: إنّ اللفظ لما كان على لفظ الأمر وإن لم يكن المعنى عليه حملته على صورة اللفظ، فقد حمل أبو الحسن نحو قوله: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم/ ٣١] ونحو ذلك من الآي، على أنه أجري مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جوابا له في الحقيقة. فكذلك على قول ابن عامر: يكون قوله: فَيَكُونُ بمنزلة جواب الأمر نحو: ايتني فأحدّثك، لما كان على لفظه، وقد يكون اللفظ على شيء والمعنى على غيره، ألا ترى أنهم قد قالوا: ما أنت وزيدا؟ والمعنى: لم تؤذيه؟ وليس ذلك في اللفظ.
ومثل قوله: كُنْ فَيَكُونُ في أن المعطوف ليس محمولا على لفظ الأمر وإن كان قد وليه، قوله: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ [البقرة/ ١٠٢] ليس قوله: فَيَتَعَلَّمُونَ بجواب لقوله: فَلا تَكْفُرْ ولكنه محمول على قوله: يعلمون فيتعلمون، أو يعلّمان فيتعلمون منهما، إلا أن قوله: فَلا تَكْفُرْ في هذه الآية نهي عن الكفر، وليس قوله: كُنْ من قوله: كُنْ فَيَكُونُ أمرا.
ومن ثمّ أجمع الناس على رفع يكون «١»، ورفضوا فيه النصب،
_________________
(١) في (ط): فيكون.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
إلا ما روي عن ابن عامر وهو من الضعف بحيث رأيت، فالوجه في يكون الرفع. فإن قلت: فهلا قلت: إن العطف في قوله:
فَيَكُونُ على يَقُولُ دون ما قلت من أنه معطوف على كن، ألا ترى أنه عطف على الفعل الذي قبل كن في قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل/ ٤٠] حمل النصب في فَيَكُونُ على الفعل المنتصب ب (أن). فكما جاز عطفه على الفعل المنتصب بأن الذي قبل قوله: كُنْ فكذلك «١» يجوز أن يحمل المرتفع عليه، كأنه قال: فإنما يقول فيكون.
قيل: ما ذكرناه أسوغ مما قلت، وأشدّ اطّرادا، ألا ترى أن قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران/ ٦٠] لا يستقيم هذا المذهب فيه، لأن قالَ ماض، وفَيَكُونُ مضارع فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما. فإن قلت: فلم لا يجوز عطف المضارع على الماضي، كما جاز عطف الماضي على المضارع في قوله:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني فمضيت
«٢»
_________________
(١) في (ط): كذلك.
(٢) تتمة البيت: فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني روى هذا البيت الأصمعي في الأصمعيات ثالث خمسة أبيات، ونسبها لشمر بن عمرو الحنفي- (الأصمعيات/ ١٢٦ الأصمعية رقم ٣٨. وهو برواية (مررت) بدل أمر، ولا شاهد فيها. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٤١٦ والخزانة ١/ ١٧٣، وشرح أبيات المغني ٢/ ٢٨٧ ونسب
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ألا ترى أنه مضارع ومضيت ماض، فكما جاز عطف الماضي على المضارع كذلك يجوز عطف فَيَكُونُ على خَلَقَهُ. قيل: لا يكون هذا بمنزلة البيت، لأن المضارع فيه في معنى المضي، والمراد به: ولقد مررت فمضيت، فجاز عطف الماضي على المضارع، من حيث أريد بالمضارع المضيّ وليس المراد بقوله: فَيَكُونُ في الآية المضيّ، فيعطف فيها «١» على الماضي. فإذا كان كذلك تبينت بامتناع العطف في قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. على أن العطف في قوله:
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إنما هو على كُنْ، الذي يراد به يكوّن، فيكون خبر مبتدأ محذوف كأنه: فهو يكون.
فإن قلت؛ فهلا قلت: إن العطف على كن إذا كان المراد به يكوّنه غير سهل، لأنّ قوله فيكون حينئذ قليل الفائدة، ألا ترى أن يكوّنه يدل على أنه يكون. قيل له: ليس بقليل الفائدة، لأن المعنى: فيكون بتكوينه، أي بإحداثه، لا يكون حدوثه ووجوده على خلاف هذا الوجه، فإذا كان كذلك كان مفيدا، كما أن قولهم: لأضربنّه كائن ما كان، بالرفع في كائن كلام قد استعملوه وحسن عندهم، وإن كان قد علم أنّ ما يكون فهو كائن، ولكن لما دخله من المعنى أي لا أبالي بذلك، حسن، فاستعمل، ولم يكن عندهم بمنزلة ما لا يفيد
_________________
(١) عندهما لرجل من بني سلول. والظاهر أن البغدادي لم يقف على الأبيات في الأصمعيات، لأنه نقل عن الأصمعي بيتين آخرين في معنى البيت الشاهد، ولم يتعرض لذكر الأصمعيات.
(٢) في (ط): فيه.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فيطرح فكذلك لمّا كان المعنى في الآية يكون بإحداثه جاز وحسن، ولم يكن بمنزلة ما لا يفيد.
«١»