اختلفوا في ضم التاء ورفع اللام، وفتحها وجزم اللام من قوله جل وعز «٢»: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة/ ١١٩] فقرأ نافع وحده: وَلا تُسْئَلُ مفتوحة التاء مجزومة اللام.
وقرأ الباقون وَلا تُسْئَلُ مضمومة التاء، مرفوعة اللام «٣».
قال أبو علي: القول في سألت إنه فعل يتعدى إلى مفعولين مثل أعطيت قال «٤»:
سالتاني الطّلاق أن رأتاني قلّ مالي قد جئتماني بنكر
وقال «٥»:
سألناها الشفاء فما شفتنا ومنّتنا المواعد والخلابا
_________________
(١) في (ط): بداية الجزء الثاني: بسم الله الرحمن الرحيم عونك يا رب. أما في (م) فالكلام متصل.
(٢) سقطت جل وعز من (ط).
(٣) السبعة ١٦٩.
(٤) قائل هذا البيت زيد بن عمرو بن نفيل. انظر كتاب سيبويه ٢/ ١٧٠ - مجالس ثعلب/ ٣٨٩ - خزانة الأدب ٣/ ٩٦. وشرح أبيات المغني ٦/ ١٤٦.
(٥) البيت لجرير يهجو الراعي النميري. والخلاب: المخادعة والكذب. (انظر ديوان جرير/ ٦٥).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وأنشد أحمد بن يحيى «١»:
سألت عمرا بعد بكر خفّا والدلو قد تسمع كي تخفّا ويجوز أن يقتصر فيه على مفعول واحد، فإذا اقتصرته «٢» في التعدي على مفعول واحد كان على ضربين:
أحدهما: أن يتعدى بغير حرف، والآخر: أن يتعدى بحرفٍ.
فأما تعديه بغير حرف فقوله: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا [الممتحنة/ ١٠]. وقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل/ ٤٣].
وأما تعديه بحرف؛ فالحرف الذي يتعدي به حرفان:
أحدهما الباء كقوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ [المعارج/ ١].
وقال «٣»:
وسائلة بثعلبة بن سير وقد أودت بثعلبة العلوق
_________________
(١) الرجز في اللسان- مادة خفف- ولم ينسبه لقائل.
(٢) في (ط): اقتصر به.
(٣) البيت للمفضل النكري، وهو البيت الرابع والثلاثون من قصيدته المنصفة يذكر أن ثعلبة بن سيار كان في أسره وهو الذي ذكره في البيت «ثعلبة بن سير» ضرورة لإقامة الوزن- والعلوق: المنية- الأصمعيات ص ٢٠٣ والمنصفات ص ٢٥. الخصائص لابن جني ٢/ ٤٣٧ وفيه وفي اللسان (سير، علق): علقت مكان أودت. وهذه الرواية كتبت فوق كلمة أودت في (م).
[ ٢ / ٢١٠ ]
والآخر: عَنْ كقولك: سل عن زيد.
فإذا تعدى إلى مفعولين كان على ثلاثة أضرب: أحدها:
أن يكون بمنزلة أعطيت، وذلك كقوله:
سألت زيدًا بعد بكر خفّا «١» فمعنى هذا: استعطيته، أي: سألته أن يفعل ذلك.
والآخر: أن يكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا، وذلك قوله:
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا «٢» [المعارج/ ١٠] فالمعنى هنا: ولا يسأل حميم عن حميمه، لذهوله عنه واشتغاله بنفسه، كما قال:
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس/ ٣٧]. فهذا على هذه القراءة كقوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف/ ١٦٢].
والثالث: أن يتعدّى إلى مفعولين، فيقع موقع المفعول الثاني منهما استفهام، وذلك كقوله: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة/ ٢١١] وقوله: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف/ ٤٥].
فأما قول الأخطل «٣»:
_________________
(١) سبق قريبًا برواية «عمرًا» بدل زيدًا.
(٢) «يسأل» بالبناء للمفعول وسيأتي الكلام عنها في موضعه في الجزء الرابع.
(٣) عجز بيت وصدره: دع المغمّر لا تسأل بمصرعه أراد بالمغمّر: القعقاع بن شور الذّهلي- والمغمّر: المجهّل، أخذ من الغمر وانظر ديوانه، ١/ ١٥٧.
[ ٢ / ٢١١ ]
واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا فما: استفهام، وموضعه نصب بفعل، ولا يكون جرًا على البدل من مصقلة على تقدير: سل بفعل مصقلة، ولكن تجعله مثل الآيتين اللتين تلوناهما، وإن شئت جعلته بدلًا، فكان بمنزلة قوله: فَسْئَلُوا «١» أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل/ ٤٣] ولو جعلت المفعول مرادًا محذوفًا من قوله: واسأل بمصقلة، فأردت:
واسأل الناس بمصقلة ما فعل؟ لم يسهل أن يكون ما استفهامًا، لأنه لا يتصل بالفعل، ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه فلا تقع الجملة التي هي استفهام موقع أحدهما كما تقع موقعه في قوله: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ [البقرة/ ٢١١]. فإن جعلت ما موصولة، وقدرت فيها البدل من مصقلة لم يمتنع.
وإن قلت: أجعل قوله: ما فعل، استفهامًا وأضمر يقول «٢»، لأني إذا قلت: اسأل الناس بمصقلة، فإنه يدل على قل، لأن السؤال قول، فأحمله على هذا «٣» الفعل، لا على أنه في موضع المفعول، لاستغناء الفعل بمفعولين؛ فهو قول.
يدل على ذلك قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [النازعات/ ٤٢] ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه أحدهما:
الكاف، والآخر: قد تعدى إليه الفعل بعن؛ فلا يتعلق به أَيَّانَ إلا على الحدّ الذي ذكرنا.
ومن ذلك قول سيبويه: «اذهب فاسأل: زيد أبو من
_________________
(١) في (ط) فاسألوا.
(٢) في (ط): القول.
(٣) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢١٢ ]
هو؟» «١» فزيد داخل في حيز الاستفهام، وليس المعنى: سل زيدًا، ولكن التقدير: سل الناس: أأبو بشر زيد أم أبو عمرو؟
ولو قلت: سل زيدًا على هذا الحد، لم يجز؛ لأن زيدًا ليس بمسئول، إنما هو مسئول عنه، وإنما يأمر المخاطب أن يسأل غيره عنه، فلهذا قال: لو «٢» قلت: سل زيدًا على هذا الحد لم يجز، وذلك لما ذكرناه من انقلاب المعنى. وهذا مما يقوي قول يونس: قد علمت زيدًا أبو من هو. ألا ترى أن هذا من المواضع التي ليس يجوز فيها أن يعمل الفعل في الاسم الداخل في حيز الاستفهام، فإذا أتت مواضع ليس يجوز فيها ذلك، جاز أن لا يعمل الفعل في المفعول الذي يجوز أن يعمل فيه نحو: علمت زيدًا أبو من هو.
فالمفعول في هذا الموضع محذوف، لأن المعنى: اسأل إنسانًا زيد أبو من هو؟ وكذلك قوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ
[المعارج/ ١] كأن المعنى: سأل سائل النبي ﵌ «٣» أو المسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول. وسؤالهم عن العذاب، إنما هو استعجالهم له لاستبعادهم لوقوعه، ولردهم ما يوعدون به منه، وعلى هذا قال: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج/ ٤٧] يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [العنكبوت/ ٥٤] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ، وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد/ ٦]
_________________
(١) انظر الكتاب ١/ ١٢١ باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره.
(٢) في (ط): ولو.
(٣) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢١٣ ]
ويدلك على ذلك قوله: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَراهُ قَرِيبًا [المعارج/ ٥] وقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
[يونس/ ٥٠]. وقال: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل/ ١].
فأما قوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء/ ٣٢] فيجوز أن يكون مِنْ فيه في موضع المفعول الثاني على قياس قول أبي الحسن، ويكون المفعول محذوفًا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه.
وأما قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الأعراف/ ١٨٧] فإنه يحتمل أمرين، أحدهما: أن تجعل عَنْها متعلقًا بالسؤال، كأنه: يسألونك عنها، كأنك حفي بها، فحذف الجارّ والمجرور. وحسن ذلك لطول الكلام بعنها التي من صلة السؤال. ويجوز أن يكون عنها بمنزلة بها وتصل الحفاوة مرّة بالباء ومرة بعن. كما أن السؤال يعمل مرة بالباء ومرة بعن فيما ذكرنا. ويدلك على أنه يصل بالباء قوله: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم/ ٤٧]. وقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان/ ٥٩] فقوله: فَسْئَلْ بِهِ مثل: اسأل عنه خبيرًا.
فأما خَبِيرًا فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال، أو مفعول به، فإن كان حالًا لم يخل أن يكون حالًا من
[ ٢ / ٢١٤ ]
الفاعل أو من المفعول، فلو جعلته حالا من الفاعل السائل لم يسهل لأن الخبير لا يكاد يسأل إنما يسأل، ولا يسهل الحال من المفعول أيضًا لأن المسئول عنه خبير أبدًا فليس للحال كبير فائدة. فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون خبيرًا إذا مفعولًا به كأنه: قال «١» فاسأل عنه خبيرًا أي مسئولًا خبيرًا. وكأن معنى سل: تبيّن بسؤالك وبحثك من تستخبره ليتقرر عندك ما اقتصّ عليك من خلقه ما خلق وقدرته على ذلك، وتعلمه بالفحص عنه والتبيّن له. ومما يقوي أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا قول أمية «٢»:
واسأل ولا بأس إن كنت امرأ عمها إنّ السؤال شفا من كان حيرانا
فيشبه أن يكون أراد باسأل: اسأل حتى تتبيّن بسؤالك، ألا ترى أنه قال:
إن السؤال شفا من كان حيرانا والسؤال إذا خلا من العلم لم يكن شفاء لمن كان حيران، إنما يكون شفاء إذا اقترن به العلم والتبيّن، فكذلك «٣» المراد في قوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان/ ٥٩]: اسأل سؤالًا تبحث به لتتبين.
_________________
(١) سقطت من (م).
(٢) ليس في ديوانه المجموع، وهو فيما يبدو من قصيدته التي ورد بعضها في الخزانة ١/ ٢٢٨ وعنها في ديوانه ٥١٦ وأولها: الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
(٣) في (ط): وكذلك.
[ ٢ / ٢١٥ ]
فالحجة «١» لمن قرأ: وَلا تُسْئَلُ بالرفع أن الرفع يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون حالًا فيكون مثل ما عطف عليه من قوله: بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة/ ١١٩] وغير مسئول «٢». ويكون ذكر تُسْئَلُ- وهو فعل بعد المفرد الذي هو قوله: بَشِيرًا- كذكر الفعل في قوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران/ ٤٦] بعد ما تقدم من المفرد. وكذلك قوله: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران/ ٤٥] وهو قد يجري مجرى الجمل «٣».
والآخر: أن يكون منقطعًا من الأول مستأنفًا به، ويقوي هذا الوجه ما روي من أن عبد الله أو أبيّا قرأ أحدهما: وما تسأل، والآخر: ولن تسأل «٤»، فكل واحدة من هاتين القراءتين يؤكد حمله على الاستئناف. ويؤكّد وجهي الرفع قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة/ ١٧١] وقوله: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة/ ٩٩].
ومما يجعل للفظ الخبر مزية على النهي أن الكلام الذي قبله وبعده خبر فإذا كان أشكل بما قبله وما بعده كان أولى.
ووجه قراءة نافع بالجزم للنهي: ما روي أن النبي ﵌
_________________
(١) في (ط): والحجة.
(٢) انظر تفسير الطبري ١/ ٥١٧.
(٣) في (ط): الجملة.
(٤) قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٣ (ط الشعب): وفي قراءة أبي بن كعب: وما تسأل وفي قراءة ابن مسعود ولن تسأل نقلها ابن جرير. انظر تفسيره ١/ ٥١٦.
[ ٢ / ٢١٦ ]
سأل: أيّ أبويه كان أحدث موتًا، وأراد أن يستغفر له، فأنزل الله: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ «١» [البقرة/ ١١٩] وهذا إذا ثبت معنى صحيح. ويذكر أن في إسناد
الحديث شيئًا.
فأما قوله من قال: إنه لو كان نهيًا لكانت الفاء في قوله:
فلا تسأل أسهل من الواو. فالقول فيه: إن هذا النحو إنما يكون بالفاء، إذا كانت الرسالة بالبشارة والنّذارة علّة لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتك على فرس فلا تسألني غيره. فيكون حمله على الفرس علة لأن لا يسأل غيره. وليس البشارة والنذارة علة لأن لا يسأل.
وقد جوز أبو الحسن في قراءة من جزم أن يكون على تعظيم الأمر كما تقول: لا تسلني «٢» عن كذا، إذا أردت تعظيم الأمر فيه. فالمعنى أنهم في أمر عظيم، وإن كان اللفظ لفظ الأمر.