اختلفوا في كسر الراء وإسكانها واشمامها الكسر في قوله تعالى: وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة/ ١٢٨].
فقرأ ابن كثير: وَأَرِنا مَناسِكَنا، ورَبِّ أَرِنِي [الأعراف/ ١٤٢]، وأَرِنَا الَّذَيْنِ [حم السجدة/ ٢٩] ساكنة الراء.
وقال خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: وَأَرِنا بين الكسر والإسكان.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي: أَرِنا بكسر الراء في كل ذلك.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر بكسر الراء:
أَرِنا مَناسِكَنا، ورَبِّ أَرِنِي، وأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء/ ١٥٢] [بكسر الراء] «٣»، وأسكنا الراء في قوله:
أرنا اللذين في «٤» هذه وحدها. وروى حفص عنه: أَرِنا مكسورة الراء.
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) في (ط): يقال.
(٣) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط).
(٤) سقطت من (م).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
واختلف عن أبي عمرو في ذلك، فقال عباس بن الفضل: سألت أبا عمرو، فقرأ [وأرنا] مدغمة، كذا قال.
وسألته عن: وَأَرِنا مثقّلة، فقال: لا. فقلت أَرِنِي فقال: لا.
كل شيء في القرآن بينهما ليست أَرِنا ولا أَرِنا.
وقال عبد الوارث اليزيديّ وهارون الأعور، وعبيد بن عقيل وعلي بن نصر: أَرِنِي وأَرِنا بين الكسر والإسكان.
وقال أبو زيد والخفّاف عن أبي عمرو وَأَرِنا بإسكان الراء «١».
قال أبو علي «٢»: قوله ﷿ «٢»: أَرِنا مَناسِكَنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد به إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير حذف المضاف، كأنه: أرنا مواضع مناسكنا.
والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر جمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عرّفنا هذه المواضع التي يتعلق النسك بها «٤» لنفعله، ونقضي نسكنا فيها على حدّ ما يقتضيه توقيفنا عليها «٥»، وذلك نحو: المواقيت التي يحرم منها، ونحو الموضع الذي يوقف به «٦» من عرفات، وموضع الطواف، وموضع رمي الجمار، فهذا من: رأيت الموضع، وأريته زيدًا.
والآخر: أن يكون أَرِنا منقولًا من رأيت التي لا يراد بها رؤية العين، ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم.
_________________
(١) السبعة ١٧٠ وما بين معقوفين وَأَرِنا زيادة منه.
(٢) سقطت من (ط).
(٣) في (ط): المنسك.
(٤) في (ط): عليه.
(٥) في (ط): فيه.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وأنت تقول فلان يرى رأي الخوارج، فتقصر على مفعول واحد، وليس هناك شيء يبصر. وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: وَأَرِنا مَناسِكَنا أي: علّمنا. وأنشد لحطائط بن يعفر «١»:
أريني جوادًا مات هزلا لأنني «٢» * أرى ما ترين أو بخيلًا مخلّدًا قال: أراد: دلّيني، ولم يرد رؤية العين. وأما «٣» قوله تعالى «٤»: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف/ ١٤٢] فهو من رأيت الذي يتعدى إلى مفعول واحد، يراد به إدراك البصر، والمفعول الثاني حذف من اللفظ، لأن ما يتعلق بالفعل الثاني يدل عليه، ومعنى الكلام يقتضيه.
وقوله تعالى «٥»: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [السجدة/ ٢٩] فهو من رأيت المتعدية إلى مفعول واحد، فلما نقل بالهمزة تعدى إلى اثنين.
وجاء في الحديث: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قال: هما «٦» ابن آدم الذي قتل أخاه وإبليس «٧».
_________________
(١) البيت متنازع في نسبته لحطائط ولحاتم الطائي. وقد بسط هذا الخلاف الأستاذ أحمد شاكر في تحقيقه للشعر والشعراء عند الكلام على هذا البيت ١/ ٢٤٨. وممن نسب البيت إلى حطائط البغدادي في الخزانة ١/ ١٩٥ وشرح أبيات المغني ١/ ٢١٩.
(٢) في (ط) تحت كلمة لأنني: معناه لعلني. وهي الرواية التي جاء البيت عليها في المصادر التي ورد فيها.
(٣) في (ط): فأما.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) سقطت من (ط).
(٦) كذا في (ط) وسقطت من (م).
(٧) انظر الدر المنثور ٥/ ٣٦٣.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقد ذكرنا وجه الإسكان فيما تقدم. فأما من اعتلّ بأن الوجه الإشباع أو الإخفاء دون الإسكان لأن الحرف قد حذف منه؛ فليس اعتلاله بذاك، لأن الحذف إذا وجب بقياس، وعلى باب مطّرد، كان هو والإثبات سواء في المساغ. ألا ترى أنهم قالوا:
ر رأيك، وش ثوبك، وف بوعدك. فبقي في ذلك كلّه الكلمة على حرف واحد. فكذلك إذا أوجب ضرب من القياس فيه الإسكان فهو بمنزلة ما يوجب حذف الهمزة من التخفيف، وأوجب حذف اللام للأمر، ويقوي ذلك اتفاقهم، أو اتفاق أكثرهم، في قوله «١»: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] فلزم فيه حذف بعد حذف.