اختلفوا في فتح اللام وكسرها من قوله جل وعز «٥»: هُوَ مُوَلِّيها [البقرة/ ١٤٨].
فقرأ ابن عامر وحده: هو مولاها بفتح اللام.
وقرأ الباقون بكسر اللام.
قال أبو علي: قال تعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة/ ١٤٤] يقال «٦»: ولّيتك القبلة إذا صيّرتك تستقبلها
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ١/ ١٥٨.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقطة من (ط).
(٣) رواية العجز في (م): «بقاتل عمّه الرؤف الرحيم» وآثرنا إثبات ما في (ط).
(٤) قاله جرير في مدح هشام بن عبد الملك انظر ديوانه/ ٥٠٧. (ت. الصاوي).
(٥) في (ط): تعالى.
(٦) في (ط): تقول.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
بوجهك. وليس هذا المعنى في فعلت منه، ألا ترى أنك إذا قلت: وليت الحائط، ووليت الدار، لم يكن في فعلت منه دلالة على أنك واجهته. كما أن في «١» قولك: ولّيتك القبلة، وولّيتك المسجد الحرام دلالة على أن المراد واجهته، ففعّلت في هذه الكلمة ليس بمنقول من فعلت الذي هو وليت، فيكون على حدّ قولك: فرح وفرّحته، ولكنّ هذا المعنى الذي هو المواجهة عارض في فعّلت، ولم يكن في فعلت. وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فعلت، كما كان قولهم: ألقيت متاعك بعضه على «٢» بعض، لم يكن النقل فيه من لقي متاعك بعضه بعضًا، ولكنّ ألقيت كقولك:
أسقطت، ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول «٣» إلى حرف الجر وإلحاقه المفعول الثاني في قولك: ألقيت بعض متاعك على بعض، كما لم يحتج إليه في:
ضرب زيد عمرًا، وأضربته إياه، ونحو ذلك، فكذلك: ولّيتك قبلة، من قولك: وليت كألقيت، من قولك: لقيت وقال تعالى «٣»: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة/ ١٤٤] «٥».
فهذا على المواجهة له، ولا يجوز على غير المواجهة مع العلم أو غلبة الظن التي تنزّل منزلة العلم في تحري القبلة، وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة وذلك في نحو قوله جل وعز «٦»: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة/ ٨٣]
_________________
(١) في (ط): وفي قولك. وبإسقاط: كما أن.
(٢) في (ط): فوق.
(٣) سقطت من (ط).
(٤) انظر ما سبق ص ٢٤.
(٥) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٣١ ]
، ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [البقرة/ ٦٤]. عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [عبس/ ١] أي: أعرض عنه، وقال تعالى:
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف/ ٨٤] فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [النجم/ ٢٩] فهذا مع دخول الزيادة الفعل وفي غير الزيادة قوله: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة/ ٢٥] والحال مؤكّدة لأن في وليتم دلالة على أنهم مدبرون، فهذا على نحوين: أما ما لحق التاء أوله، فإنه يجوز أن يكون من باب: تحوّب وتأثّم إذا ترك الحوب والإثم، وكذلك إذا ترك الجهة التي هي المقابلة، ويجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد. فأما قوله تعالى «٢»: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران/ ١١١] وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [الحشر/ ١٢] وقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر/ ٤٥] فهذا منقول من فعل، تقول: داري تلي داره، ووليت داري داره، وإذا نقلته «٣» إلى فعّل قلت: وليت مآخيره، وولّاني مآخيره، ووليت ميامنه. وولّاني ميامنه، فهو مثل: فرح وفرّحته،
وليس مثل: لقي وألقيته، وقوله تعالى «٤»: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ [الحشر/ ١٢] وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر/ ٤٥] المفعول الثاني الزائد في نقل «فعل» إلى «فعّل» محذوف فيه «٥»، ولو لم يحذف كان «٦» كقوله: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران/ ١١١]
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) في (م): إذا نقله.
(٣) سقطت من (ط).
(٤) في (ط): منه.
(٥) في (ط): لكان.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة/ ٧١] المعنى فيه: أن بعضهم يوالي بعضًا، ولا يبرأ بعضهم من بعض، كما يبرءون ممن خالفهم وشاقّهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون فرقة مباينة ومشاقّة، ومن ثمّ قالوا في خلاف الولاية:
العداوة، ألا ترى أنّ العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه «١» فمن ثمّ كانت خلاف الولاية.
فأمّا قوله ﷿ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء/ ١٣٥] فيمن قرأ تَلْوُوا «٢» فمعناه والله أعلم: الإقبال عليهنّ والمقاربة لهنّ في العدل في قسمهنّ، ألا ترى أنه قد عودل بالإعراض في قوله تعالى: أَوْ تُعْرِضُوا فكأنّ قوله تعالى «٣»: (إن تلوا) كقوله: إن أقبلتم عليهنّ، ولم تعرضوا عنهنّ.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون في تَلْوُوا دلالة على المواجهة فتجعل قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ منقولًا من هذا، فمن ثمّ اقتضى المواجهة، وتستدلّ على ذلك بمعادلته لخلافه الذي هو الإعراض؟
فالقول: إن ذلك في هذه الكلمة ليس بالظاهر، ولا في الكلمة دلالة على هذه المخصوصة التي جاءت في قوله:
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة/ ١٤٤] وإذا لم تكن عليها دلالة، لم تصرفها عن الموضع الذي جاءت فيه، فلم تنفذها إلى سواها.
_________________
(١) في (ط): جازه.
(٢) وهي قراءة حمزة وابن عامر، وستأتي في الجزء الثالث.
(٣) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فأما قوله ﷿: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة/ ٣٤] فقد كتبناه في «كتاب الشعر» وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال/ ٢٠] فالضمير في عنه إذا جعلته للرسول، احتمل أمرين: لا تَوَلَّوْا عَنْهُ:
لا تنفضّوا عنه كما قال تعالى: انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا [الجمعة/ ١١] وقال سبحانه «١»: وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور/ ٦٢] وقال عز اسمه «٢»: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا [النور/ ٦٣] وعلى هذا المعنى قوله تعالى: بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء/ ٥٧] أي: بعد أن تتفرقوا عنها. ويكون «٣»:
لا تَوَلَّوْا عَنْهُ لا تعرضوا عن أمره: وتلقّوه بالطاعة والقبول، كما قال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور/ ٦٣] وزعموا أن بعضهم قرأ: وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ واللفظتان تكونان بمعنى واحد، قال تعالى «٤»: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص/ ٣١] وقال: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة/ ٢٥] وقال: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [النجم/ ٢٩] وقال فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات/ ٩٠]. وقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران/ ٦٨] أي ناصرهم، ومثله في أنّ المعنى فيه النّصرة قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التحريم/ ٤] أي ناصره. وكذلك قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [محمد/ ١١]
_________________
(١) في (ط): تعالى.
(٢) سقطت من (ط).
(٣) كذا في (ط)، وفي (م): ولا يكون وهو خطأ.
(٤) سقطت من (ط).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
أي: لا ناصر لهم؛ ومعنى المولى من النّصرة؛ من ولي عليه: إذا اتصل به ولم ينفصل عنه. وعلى هذا قوله تعالى «١»: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة/ ٤٠] أي: ناصرنا، وكذلك قوله: فَاذْهَبا
بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ
[الشعراء/ ١٥] في موضع آخر إِنَّنِي مَعَكُما [طه/ ٤٦] وعلى هذا المعنى قولهم:
صحبك الله.
وروينا عن ابن سلّام عن يونس قال: المولى: له «٢» في كلام العرب مواضع منها: المولى من «٣» الدّين، وهو الوليّ «٤»، وذلك قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [محمد/ ١١] أي: لا وليّ. ومنه قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التحريم/ ٤]، ومنه
قول النبي ﵌ «٥»: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «٦»
أي: وليّه.
وقوله: «مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله»
«٧» قال العجّاج «٨»:
الحمد لله الذي أعطى الظّفر موالي الحقّ إن المولى شكر أي: أولياء الحقّ.
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) سقطت من (ط).
(٣) في (ط): في.
(٤) انظر لسان العرب/ ولي/.
(٥) سقطت من (ط).
(٦) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة ١/ ٤٥ وأحمد في المسند ١/ ٨٤ و٥/ ٣٥٠.
(٧) الحديث رواه البخاري في المناقب، ونصه: «قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار وأشجع مواليّ ليس لهم مولى دون الله ورسوله» انظر فتح الباري ٦/ ٥٣٣ رقم ٣٥٠٤.
(٨) انظر ديوانه ١/ ٤ وفيه (الحبر) مكان (الظّفر).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
ومنها العصبة، وبنو العمّ هم الموالي، قال «١» تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم/ ٥] أي العصبة. وقال الزّبرقان:
ومن الموالي موليان فمنهما معطي الجزيل وباذل النّصر
ومن الموالي ضبّ جندلة لحز المروءة
«٢» ظاهر الغمر الغمر: العداوة.
وقال آخر:
ومولى كداء البطن لو كان قادرًا على الدّهر أفنى الدّهر أهلي وماليا
وقال آخر:
ومولى قد رعيت الغيب منه ولو كنت المغيّب ما رعاني
وقال اللهبيّ الفضل بن عباس لبني أمية «٣»:
مهلا بني عمّنا مهلًا موالينا امشوا رويدا كما كنتم تكونونا
الله يعلم أنا لا نحبّكم ولا نلومكم أن لا تحبّونا
«٤»
_________________
(١) في (ط): وقال.
(٢) اللحز: البخيل الضيق الخلق.
(٣) ترجمته في الأغاني ١٦/ ١١٩ والمؤتلف ٣٥.
(٤) البيتان في الحماسة بشرح المرزوقي ١/ ٢٢٤ مع اختلاف في الرواية.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وكان الزّبرقان بن بدر تكثّر في مواليه وبني عمّه فقال رجل من بني تميم «١»:
ومولى كمولى الزبرقان ادّملته كما ادّمل العظم المهيض من الكسر
ومن انضمّ إليك فعزّ بعزّك، وامتنع بمنعتك أو بعتق، وبهذا سمّي المعتقون: موالي. قال الراعي «٢»:
جزى الله مولانا غنيًا ملامة شرار موالي عامر في العزائم
نبيع غنيًّا رغبة عن دمائها بأموالها بيع البكار المقاحم
البكار: الصغيرة، والمقاحم: التي لم تقو على العمل.
وغنيّ: حلفاء بني عامر، قال الأخطل لجرير «٣»:
أتشتم قومًا أثّلوك بنهشل ولولاهم كنتم كعكل مواليا
وعكل من الرّباب حلفاء بني سعد.
وقال الفرزدق لعبد الله بن أبي إسحاق النحوي، وكان
_________________
(١) البيت لابن طيفان الدارمي أنشده ابن بري- والطيفان أمه- (انظر اللسان/ مادة: دمل/ ويقال: ادمل القوم، أي: اطوهم على ما فيهم.
(٢) الأول في ديوانه ٢٥٥ ولم يقف جامعه على الثاني.
(٣) انظر ديوانه ١/ ٣٥٢.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
مولى لحضرمي، وبنو الحضرميّ حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكنّ عبد الله مولى مواليا
«١»