واختلفوا في تحريك الياء التي تكون اسما للمتكلم إذا انكسر ما قبلها، مثل قوله: «١» إِنِّي أَعْلَمُ [البقرة/ ٣٠] وعَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة/ ١٢٤]، ورَبِّيَ اللَّهُ [غافر/ ٢٨].
فكان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الألف المهموزة المفتوحة والمكسورة إذا كانت متصلة باسم أو بفعل ما لم يطل الحرف.
فالخفيف إِنِّي أَرى [الأنفال/ ٤٨] وأَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [يونس/ ٧٢، وهود/ ٢٩].
والثقيل مثل: وَلا تَفْتِنِّي أَلا [التوبة/ ٤٩] ومَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ، «٢» وذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى [غافر/ ٢٦]، فَأَنْظِرْنِي إِلى [الحجر/ ٣٦]، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة/ ١٥٢] سَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف/ ١٠٨] وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي [يوسف/ ١٠٠] وأَرِنِي أَنْظُرْ [الأعراف/ ١٤٣] ويُصَدِّقُنِي إِنِّي [القصص/ ٣٤] وما كان مثله.
قال أبو بكر، أحمد: «٣» وقد بينت آخر كل سورة ما يحرك منها «٤» ليقرب مأخذه.
قال: ولا يحرّك الياء التي ذكرت لك عند الألف
_________________
(١) في (ط): مثل قوله ﷿.
(٢) سورة آل عمران آية ٥٢، والصف آية ١٤.
(٣) في (ط): أحمد بن موسى.
(٤) في (ط): فيها.
[ ١ / ٤١١ ]
المضمومة كقوله: عَذابِي أُصِيبُ [الأعراف/ ١٥٦] فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ [المائدة/ ١١٥]، إِنِّي أُرِيدُ [المائدة/ ٢٩] وما كان مثله.
فإذا استقبلت ياء الإضافة ألف وصل حركها، طالت الكلمة التي الياء متصلة بها أو لم تطل مثل: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ [الفرقان/ ٢٧]، وما كان مثله.
وكان ابن كثير لا يستمر على قياس واحد كما فعل أبو عمرو.
قال أبو بكر، أحمد: فجعلت ما حرّك من الياءات مذكورا في آخر كل سورة.
وكان نافع يحرك ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الألف المكسورة والمفتوحة والمضمومة وألف الوصل إلا حروفا قد ذكرتها لك.
فمما لم يحرّك ياءه عند ألف الوصل ثلاثة أحرف في الأعراف: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ [الآية/ ١٤٤] وفي طه: أَخِي اشْدُدْ [الآية/ ٣٠، ٣١] وفي الفرقان: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ [الآية/ ٢٧].
وروى أبو خليد «١» عن نافع يا ليتني اتخذت محركة.
ومما ترك تحريك يائه عند الألف المقطوعة المتصلة بالفعل
_________________
(١) أبو خليد، هو عتبة بن حماد الحكمي الدمشقي البلاطي، روى القراءة عن نافع، وروى عنه القراءة هشام بن عمار وغيره. طبقات القراء: ١/ ٤٩٨.
[ ١ / ٤١٢ ]
المجزوم قوله «١» فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وأَنْظِرْنِي إِلى، في الأعراف، والحجر [٣٦]، وص [٧٩] وفي مريم: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ [٤٣]، وفي النمل [١٩] والأحقاف [١٥]: أَوْزِعْنِي أَنْ، وفي المؤمن [٢٦]: ذَرُونِي أَقْتُلْ، وادْعُونِي أَسْتَجِبْ [غافر/ ٦٠]، وَلا تَفْتِنِّي أَلا [التوبة/ ٤٩] وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ [هود/ ٤٧]، وأَرِنِي أَنْظُرْ [الأعراف/ ١٤٣] يُصَدِّقُنِي إِنِّي [القصص/ ٣٤]، آتُونِي أُفْرِغْ [الكهف/ ٩٦].
وقد اختلف في بعض هذه الحروف عنه.
ومما لم يحرك ياءه عند الألف المقطوعة وهو مع فعل غير مجزوم فيما ذكر أحمد بن جماز «٢» وإسماعيل بن جعفر «٣» قوله: بِعَهْدِي أُوفِ [البقرة/ ٤٠] وأَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ [يوسف/ ٥٩]، وفِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي [الأحقاف/ ١٥]،
_________________
(١) في (ط): قوله تعالى.
(٢) كذا في (ط): وفي (م): ابن جماز. وابن جماز هو سليمان بن أبي مسلم بن جماز، وقيل: سليمان بن سالم أبو الربيع الزهري مولاهم المدني المقرئ الجليل، عرض على أبي جعفر، وشيبة ثم عرض على نافع وأقرأ بحرف أبي جعفر ونافع، عرض عليه إسماعيل بن جعفر، وقتيبة بن مهران، مات بعد السبعين ومائة. (طبقات القراء: ١/ ٣١٥).
(٣) هو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري مولاهم أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم المدني، جليل ثقة، ولد سنة ثلاثين ومائة، وقرأ على شيبة بن نصاح، ثم على نافع وسليمان بن مسلم بن جماز، روى عنه القراءة عرضا وسماعا الكسائي، وأبو عبيد القاسم بن سلام والدوري: توفي سنة ١٨٠. (طبقات القراء: ١/ ١٦٣).
[ ١ / ٤١٣ ]
وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر/ ٤١] وأَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [غافر/ ٤٣].
قال أبو علي: حجة من فتح هذه الياء إذا تحرك ما قبلها أن أصل هذه الياء الحركة، لأنّها بإزاء الكاف للمخاطب فكما فتحت الكاف كذلك تفتح الياء.
فإن قلت: إنّ الحركة في حروف اللين مكروهة. قيل:
الفتحة من بينها لا تكره فيها، وإن كرهت الحركتان الأخريان، ألا ترى أن القاضي ونحوه، يحرّك بالفتح كما تحرك «١» سائر الحروف التي لا لين فيها، أو لا ترى أنّ الياء في غَواشٍ [الأعراف/ ٤١] ونحوها تثبت في النصب ولا تحذف كما تحذف في الوجهين الآخرين، فتجري في النصب مجرى مساجد ونحوها «٢» من الصحيح، فكذلك الياء. وإن تحرك «٣» ما قبلها يلزم أن تحرك بالفتح كما حركت الكاف بها، لأنّها قد جرت مجراها «٤». ومجرى الحروف الصحيحة إذا تحركت بالفتح.
ومما يدل على استحقاقها التحرك بالفتح أنّها إذا سكن ما قبلها اتفقوا على تحريكها بالفتح، نحو: هذا بشراي، وغلاماي، وهذا قاضيّ، ورأيت غلاميّ، فاجتماعهم على تحريكها بالفتح في هذا النحو يدل على أن ذلك أصلها إذا تحرك ما قبلها.
ويدل على لزوم تحركها بالفتح تحريكهم النون في
_________________
(١) في (ط): يحرك.
(٢) في (ط): وغيرها.
(٣) في (ط): فإن.
(٤) في (ط): أو.
[ ١ / ٤١٤ ]
فعلن، ويفعلن، وهو حرف ضمير كالياء، فكما اتفقوا على تحريك النون- وهي اسم كذلك- يلزم أن تحرّك الياء.
فإن قلت: ما تنكر أن تكون النون في فعلن إنّما حركت لالتقاء الساكنين في فعلن ويفعلن؟ ألا ترى أن ما قبلها لا يكون إلا ساكنا؟ فلما كان إسكانها يؤدي إلى التقاء الساكنين حركت لذلك، وحركة التقاء الساكنين غير معتد بها.
قيل: الذي يدلّ على أن تحريكها من حيث كانت اسما أنّها نظير الكاف، وقد حركوا تاء المخاطب والمتكلم أيضا.
فأمّا الألف في قاما، ويقومان، والواو في فعلوا، ويفعلون، فإنّما أسكنتا، لأنّ الألف إذا حركت انقلبت، والواو إذا انضم ما قبلها كره أكثر الحركات فيها، ومع ذلك فإنها جعلت في السكون مثل الألف، كما جعلت الكسرة في مسلمات بمنزلة الياء في مسلمين، ومع ذلك فما فيهما من المد قد صار عوضا فيهما من الحركة.
وحجة من أسكن أن الفتحة مع الياء قد كرهت في الكلام، كما كرهت الحركتان الأخريان فيها. ألا ترى أنّهم قد أسكنوها في الكلام في حال السعة إذا لزم تحريكها بالفتحة، كما أسكنوها إذا لزم تحريكها بالحركتين الأخريين؟ وذلك قولهم: قالي قلا، وبادي بدا، «١» ومعد يكرب، وحيري دهر، «٢» فالياء في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر
_________________
(١) قال الفراء: يقال: افعل هذا بادى بدا، أي: أول شيء.
(٢) يقال: لا أفعل ذلك حيري دهر، أي: أمد الدهر.
[ ١ / ٤١٥ ]
أول الاسمين، نحو حضر موت، وبعلبكّ، وقد أسكنت كما أسكنت في الجر والرفع.
ومما يؤكد الإسكان فيها أنّها مشابهة للألف، والألف تسكن، في الأحوال الثلاث، فكما أسكنت الألف فيها كذلك تسكن الياء. والدليل على شبه الياء الألف «١» قربها منها في المخرج، وإبدالهم إياها منها في نحو: طائيّ وحاريّ في النسب إلى: طيئ والحيرة، وقولهم: حاحيت وعاعيت. «٢»
و: لنضربن بسيفنا قفيكا «٣» فكما تسكن الألف في الأحوال الثلاث كذلك تسكن الياء فيها. «٤»
والدليل على صحة هذه الطريقة أن العرب قد فعلت ذلك بها في الكلام وحال السعة فيما أريناكه. «٥»
وأسكنوها أيضا في الشعر في موضع النصب لهذه
_________________
(١) في (ط): للألف.
(٢) يقول: حاحيت حيحاء وحاحاة وهو التصويت بالغنم إذا قلت: حاي، وعاهيت،: صوت مثله، وهو العيعاء والعاعاة، إذا قلت عاي. المنصف: ٣/ ٧٧.
(٣) قبله: يا ابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا وهو لرجل من حمير. عنيتنا إليكا: أتعبتنا بالمسير إليك. ويروى: عنيكنا، بالكاف بدلا من التاء (انظر النوادر/ ١٠٥، وسر صناعة الإعراب: ١/ ٢٨١، والخزانة: ٢/ ٢٥٧، وشرح شواهد الشافية/ ٤٢٥). وشرح أبيات المغني ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٤) في (ط): تسكن فيها.
(٥) في (ط): أرينا.
[ ١ / ٤١٦ ]
المشابهة، وكثر ذلك في الشعر حتى ذهب بعضهم إلى استجازته «١» في الكلام.
فأمّا حجة أبي عمرو في فتحه الياء مما رآه خفيفا مع الهمزة، فهي أن الهمزة قد فتح «٢» لها ما لم يكن يفتح لو لم يجاور الهمزة، نحو: «٣» يقرأ، ويبرأ ولولا الهمزة لم يفتح شيء من ذلك.
فإذا فتح لها ما لا يفتح إذا لم يجاور الهمزة فأن يفتح لها ما قد يفتح «٤» مع غيرها أحرى.
والمفتوحة والمكسورة سيان في إتباع الياء لها في التحريك بالفتح، ألا ترى أنّهم قد غيروا للهمزة المكسورة الحرف الذي قبلها، فقالوا: الضئين، «٥» وصأى صئيّا، «٦» ورجل جئز، «٧» وشهد، ولم يفعلوا ذلك في رءوف، فكذلك لم تفتح الياء قبل «٨» الهمزة المضمومة في نحو عذابي أصيب، كما فتحت قبل المفتوحة والمكسورة «٩» في نحو: سَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف/ ١٠٨] وإِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي [يوسف/ ١٠٠].
فإن قلت: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة
_________________
(١) في (ط): استجادته.
(٢) في (ط): فتحوا الهاء، وهو تحريف.
(٣) في (ط): ألا ترى أنهم فتحوا نحو.
(٤) في (ط): فتح.
(٥) الضئين، جمع الضائن وهو خلاف المعز.
(٦) صأى الطائر صئيا: أي صاح.
(٧) جئز بالماء يجأز: غص به، فهو جئز.
(٨) كذا في (ط): وسقطت كلمة قبل من (م).
(٩) في (ط): المكسورة والمفتوحة.
[ ١ / ٤١٧ ]
والمكسورة إنّما جاء في المتصل، نحو: يقرأ، ويبرأ، والضئين والصئي، وجئز، وما فعله أبو عمرو من فتح الياء مع المفتوحة والمكسورة منفصل.
قيل: يشبّه المنفصل بالمتصل هنا، كما شبهه به في: يا يا صالح يتنا [الأعراف/ ٧] «١» لما فعلته العرب من تشبيه المنفصل بالمتصل في مواضع كثيرة، قد ذكرنا منها أشياء في هذا الكتاب.
ومن قال إنّه إنّما فتح الياء مع الهمزة لتتبين الياء معها لأنّها خفية، كما بينوا النون مع حروف الحلق وأخفوها مع غيرها، فإنّا لا نرى أنّ أبا عمرو اعتبر هذا الذي سلكه هذا القائل، ولو كان كذلك لحرّك الياء مع الهمزة إذا كانت مضمومة، لأنّ النون تبيّن مع الهمزة، مضمومة كانت، أو مكسورة، أو مفتوحة، ومع ذلك فإنّ النون تبيّن مع سائر حروف الحلق، ولسنا نعلم أبا عمرو يفتح الياء مع سائر حروف الحلق.
[يتلوه إن شاء الله وبه القوة، في الجزء الثاني:
«فإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح لها ما قبلها وإن كانت مضمومة».
والحمد لله رب العالمين كما هو أهله ومستحقه.
وصلى الله على محمد النبي وآله وسلّم تسليما] «٢».
_________________
(١) رسم المصحف يا صالِحُ ائْتِنا والتمثيل هنا ظاهر.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة من (م) ختم بها الجزء الأول.
[ ١ / ٤١٨ ]