اختلفوا في قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [البقرة/ ٣٦].
فقرأ حمزة وحده: فأزالهما بألف خفيفة، وقرأ الباقون: فَأَزَلَّهُمَا مشدّدا بغير ألف.
قال أبو بكر أحمد: وروى أبو عبيد: أنّ حمزة قرأ:
فأزالهما بالإمالة، وهذا غلط «٤».
بسم الله «٥»: حجة حمزة في قراءته (فأزالهما الشيطان
_________________
(١) الأدمة في الإبل: البياض مع سواد المقلتين، وهي في الناس: السمرة الشديدة (اللسان: أدم).
(٢) سقطت من (ط).
(٣) رواه مسلم ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد، وأحمد في مسنده ١/ ٣٠١.
(٤) كتاب السبعة ١٥٣.
(٥) سقطت من (ط).
[ ٢ / ١٤ ]
عنها) أن قوله: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها [البقرة/ ٣٥] تأويله: أثبتا فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال، الذي هو خلافه. ومثل ذلك قوله تعالى «١»:
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء/ ٦٣] تأويله: فضرب فانفلق، ومثله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة/ ١٩٦] أي:
فحلق، فعليه فدية. ونسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه ووسوسته، وتسويله، فلما كان ذلك منه سبب زوالهما عنها أسند الفعل إليه. ومثل هذا قوله تعالى «٢»:
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧] فالرمي
كان للنبي ﷺ حيث رمى فقال: «شاهت الوجوه» «٣»
إلا أنه لما كان بقوة الله وإرادته نسب إليه. ومما يقوي قراءته قوله تعالى «٤»:
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة/ ٣٦] فقوله: فأخرجهما في المعنى قريب من أزالهما، ألا ترى أن إخراجه إياهما منها، إزالة منه لهما عما كانا فيه. فإن قال قائل: ما ننكر أن يكون فاعل أخرجهما، لا يكون ضمير الشيطان ولكن المصدر الذي ذكر فعله كقولهم: من كذب كان شرّا له، فالدّلالة على أن فاعله «٥» ضمير الشيطان، قوله في الأخرى: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف/ ٢٧].
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) في (ط): ﷿.
(٣) رواه مسلم ٣/ ١٤٠٢ كتاب الجهاد والسير برقم (١٧٧٧) شاهت: قبحت.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): فاعل أخرجهما.
[ ٢ / ١٥ ]
ففاعل أخرجهما: الشيطان، كما بيّن ذلك في هذه «١».
ويقوي قراءته أيضا تأويل من تأوّل أن: فَأَزَلَّهُمَا من زلّ، الذي هو عثر، ألا ترى أن ذلك قريب من الإزالة في المعنى.
فإن قال قائل: فإنه إذا قرأ: فأزالهما كان قوله بعد:
فَأَخْرَجَهُما تكريرا، فالقراءة الأخرى أرجح، لأنها لا تكون على التكرير، قيل: إن قوله «٢»: أخرجهما، ليس بتكرير لا فائدة فيه، ألا ترى أنه قد يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما، ولا يخرجهما مما كانا فيه من الدعة والرفاهية، وإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد. وعلى أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصّة وتعظيمها بألفاظ مختلفة ليس بمكروه ولا مجتنب، بل هو مستحبّ مستعمل، كقول القائل: أزلت نعمته، وأخرجته من ملكه، وغلّظت عقوبته. وقالوا: زال عن موضعه وأزلته، وفي التنزيل: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر/ ٤١]. وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم/ ٤٦] وقال الهذليّ «٣»:
فأزال خالصها بأبيض ناصح من ماء ألهاب بهنّ التّألب
_________________
(١) في (ط): هذه الآية.
(٢) في (ط): قوله ﷿.
(٣) هو ساعدة بن جؤيّة. من قصيدة له في ديوان الهذليين القسم الأول/ ١٨٢ وشرح أشعارهم ٣/ ١١١٢، ١١٤٣ برواية: «ناصحها» بدل «خالصها» وهو بمعنى كما قال السكري، وألهاب: جمع لهب، وهو شق في الجبل، والتالب: شجر، يقول: قطع خالصها بأبيض، أي: مزجه حتى تقطّع العسل، من ماء غدير، مفرط: مملوء.
[ ٢ / ١٦ ]
فهذا على ضربين أحدهما: أن يريد: أزال خلوص خالصها بماء أبيض شاب هذه العسل به، فحذف المضاف. أو يكون وضع خالصها موضع خلوصها، كقولهم: العاقبة والعافية، وقوله «١»:
ولا خارجا من فيّ زور كلام في قول من جعل «لا أشتم» جوابا للقسم. والخالص من الماء: الأبيض الصافي، فاستعاره للعسل، لأنهم يصفونها بالبياض في نحو:
وما ضرب بيضاء يأوي مليكها «٢» وأنشد السّكّريّ للعجاج «٣»:
من خالص الماء وما قد طحلبا حجة من قرأ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة/ ٣٦] أن أزلّهما يحتمل تأويلين، أحدهما: كسبهما الزّلّة. والآخر: أن يكون أزلّ من زلّ الذي يراد به: عثر. فالدّلالة «٤» على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما تناول ما حظر عليهما جنسه،
_________________
(١) عجز بيت للفرزدق وصدره: على قسم لا أشتم الدهر مسلما ديوانه/ ٧٦٩ - سيبويه ١/ ١٧٣ - الخزانة ١/ ١٠٨.
(٢) صدر بيت لأبي ذؤيب في شرح السكري ١/ ١٤٢ - عجزه: إلى طنف أعيا براق ونازل مليكها: يعسوب النحل ومليكها، والطنف: حيد من الجبل ورأس من رءوسه.
(٣) في اللسان (خلص) وملحقات ديوانه ٢/ ٢٦٨ عن اللسان.
(٤) في (ط): الدلالة.
[ ٢ / ١٧ ]
بقوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ [الأعراف/ ٢٠] إلى قوله: لَمِنَ النَّاصِحِينَ وقوله «١»: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما [الأعراف/ ٢٠].
وقد نسب كسب الإنسان الزلّة إلى الشيطان في قوله تعالى «٢»:
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [آل عمران/ ٥٥] واستزلّ وأزلّ كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما أنّ استزلّهم من الزّلّة، والمعنى فيه كسبهم الشيطان الزّلّة، كذلك قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ والوجه الآخر أن يكون فَأَزَلَّهُمَا من: زل عن المكان، إذا عثر فلم يثبت عليه، ويدل على هذا قوله تعالى:
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة/ ٣٦] فكما «٣» أن خروجه عن الموضع الذي هو فيه انتقال منه «٤» إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله «٥».
فأما قوله تعالى «٦»: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا [البقرة/ ٢٠٩] فيحتمل وجهين، أحدهما: زللتم من الزّلة، كأن المعنى: فإن صرتم ذوي زلّة، ويجوز أن يراد به العثار، فشبّه المعنى بالعين، فاستعمل الذي هو العثار، والمراد به: الخطأ، وخلاف الصواب.
ومن هذا الباب قول ابن مقبل «٧»:
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) في (ط): ﷿.
(٣) في (ط): كما.
(٤) في (ط): عنه.
(٥) في (ط): وزلته. وفي اللسان: زل السهم عن الدرع، والإنسان عن الصخرة يزل ويزلّ زلا وزليلا ومزلة
(٦) سقطت من (ط).
(٧) ديوانه/ ١٠١.
[ ٢ / ١٨ ]
يكاد ينشقّ عنه سلخ كاهله زلّ العثار وثبت الوعث والغدر
السّلخ: مصدر سلخته سلخا «١»، إلا أنه أريد به في هذا المكان المسلوخ، ألا ترى أن المنشقّ إنما يكون الإهاب دون الحدث. وقوله: زلّ العثار، أي: زلّ عند العثار، يريد أنه لفطنته يزل عن الموضع الذي يعثر فيه فلا يعثر، ويكون المصدر في هذا الموضع يراد به المفعول كأنه: المكان المعثور فيه، ومثل ذلك قوله «٢»:
على حتّ البراية
أي: عند البراية.
وقول النابغة «٣»:
رابي المجسّة
أي: عند المجسّة.
_________________
(١) والسلخ بالكسر: الجلد، وبها جاءت رواية الديوان، ولا شاهد فيها لما أراده المؤلف.
(٢) جزء من بيت للأعلم الهذلي في ديوان الهذليين بشرح السكري ١/ ٣٢٠ وتمامه: على حتّ البراية زمخريّ السواعد، ظلّ في شري طوال والبراية: البقية، والزمخري: الغليظ الطويل. والسواعد: العروق التي يجري فيها اللبن. والشري: الحنظل. قال: البراية: البقية من سيرها. وفي اللسان وردت كلمة زمخري: زمخري وهو تصحيف.
(٣) جزء من بيت في ديوانه/ ٤٠ من قصيدته في المتجردة وتمامه: وإذا طعنت طعنت في مستهدف رابي المجسة بالعبير مقرمد
[ ٢ / ١٩ ]
ومثله «١»: بضّة المتجرّد أي: عند المتجرّد، أي: التجريد.
ومثله للبيد «٢»:
صائب الجذمة أي: صائب عند الجذمة، يقول: هو قاصد عند القطع، ومثله قول أوس «٣»:
كشف اللّقاء أي: عنده «٤».
فأما قوله: زلّ، فإنه صفة، ككهل، وغيل «٥»، وفسل «٦»، مما يدلّك على ذلك مقابلته بثبت الذي هو خلافه.
والغدر فيما فسّر عن أبي عمرو في أكثر ظني: مكان متعاد.
والوعث: السهل الذي تسوخ فيه أخفاف الإبل، والمعنى في:
ثبت الوعث، أي: ثبت عند الوعث كما كان في المعنى في:
زلّ العثار، أي: زلّ عند العثار، وإذا كان الغدر هذا الذي فسر،
_________________
(١) جزء من بيت للنابغة في ديوانه/ ٣٩ وتمامه: محطوطة المتنين غير مفاضة ريّا الروادف بضّة المتجرد
(٢) جزء من بيت في ديوانه/ ١٤٤ تمامه: يغرق الثّعلب في شرّته صائب الجذمة في غير فشل
(٣) لم نعثر عليه في الديوان.
(٤) يدل على ذلك قول كعب في (ديوانه ٢٣): زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل
(٥) الغيل: اللبن الذي ترضعه المرأة ولدها وهي حبلى.
(٦) الفسل: الرذل النذل الذي لا مروءة له. وجمعه أفسل وفسول وفسال وفسل.
[ ٢ / ٢٠ ]
فما أنشده أبو زيد «١»:
يخبطن بالأيدي مكانا ذا غدر تقديره: مكانا غدرا. وتأويل إدخال قوله: «ذا» فيه أنه يوصف بهذا، كأنه قال: مكانا صاحب هذا الوصف. ومن هذا الباب قولهم: «من أزلّت إليه نعمة فليشكرها» «٢» كأنه زلّت النعمة إليه، أي: تعدّت. وأزللتها أنا إليه، عدّيتها، كما أنّ قوله «٣»:
قام إلى منزعة زلخ فزل معناه: تعدّى من مكانه إلى مكان آخر. وكذلك قوله:
وإنّي وإن صدّت لمثن وقائل عليها بما كانت إلينا أزلّت
«٤» تقديره: أزلّته، ليعود الضمير إلى الموصول.
_________________
(١) النوادر ٢٤٢ (ط الفاتح) وبعده: «خبط المغيبات فلاطيس الكمر» قال في اللسان (غدر). قال أبو زيد: الغدر والجرل والنّقل كل هذه الحجارة مع الشجر. وكل موضع صعب لا تكاد الدابة تنفذ فيه غدر. وفي مادة (فلطس) أنه لراجز يصف إبلا.
(٢) النهاية لابن الأثير ٢/ ٣١٠. واللسان (زلل).
(٣) الرجز بغير نسبة في اللسان (نزع) و(زلخ) وقبله: يا عين بكيّ عامرا يوم النهل عند العشاء والرشاء والعمل والمنزعة: رأس البئر الذي ينزع عليه. وقال ابن الأعرابي: هي صخرة تكون على رأس البئر يقوم عليها الساقي. وزلخ: بسكون اللام وكسرها مثل زلج- بالجيم-: أي: دحض مزلة.
(٤) اللسان مادة (زلّ). والبيت لكثير. والرواية في اللسان: (وصادق) بدلا من (وقائل).
[ ٢ / ٢١ ]
وأما الشيطان فهو فيعال من شطن مثل البيطار، والغيداق «١».
وليس بفعلان من قوله «٢»:
وقد يشيط على أرماحنا البطل ألا ترى أن سيبويه حكى: شيطنته فتشيطن، فلو كان من يشيط لكان شيطنته فعلنته، وفي أنّا لا نعلم هذا الوزن جاء «٣» في كلامهم ما يدلك أنه: فيعلته، مثل بيطرته، ومثل هينم «٤»، وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله «٥»:
أيّما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السّجن والأكبال
فكما أنّ شاطن فاعل، والنون لام، كذلك شيطان فيعال.
ولا يكون فعلان من يشيط. فإن قلت: فقد أنشد الكسائيّ أو غيره «٦»:
_________________
(١) الغيداق: الغزير والجواد الكريم الواسع الخلق. اللسان (غدق).
(٢) عجز بيت للأعشى، الديوان/ ٦٣ وصدره: قد نخضب العير في مكنون فائله والفائل: عرق يجري من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل هو الدم. ويشيط: يهلك (اللسان/ شاط).
(٣) سقطت من (ط).
(٤) الهينمة: الكلام الخفي لا يفهم. اللسان (هنم).
(٥) البيت لأمية بن أبي الصلت، ديوانه/ ٤٤٥ - اللسان (شطن) .. وفي جمهرة اللغة، والصحاح، يروى: «ثم يلقى في السجن والأغلال».
(٦) البيت للطفيل الغنوي- قاله في يوم محجر في غارة طيء. والخذواء فرسه. وشيطان: هو شيطان بن الحكم بن جاهمة بن حراق. انظر التاج واللسان- مادة/ خذا- وديوان الطفيل/ ٤٩.
[ ٢ / ٢٢ ]
وقد منّت الخذواء منّا عليهم وشيطان إذ يدعوهم ويثوّب
ففي ترك صرف شيطان دلالة على أنه مثل: سعدان وحمدان. قيل: لا دلالة في ترك صرف شيطان على ما ذكرت، ألا ترى أنه يجوز أن يكون قبيلة، ويجوز أن يكون اسم مؤنّث؟
فلا يلزم صرفها لذلك، لا لأنّ النون زائدة «١».