اختلفوا في قوله تعالى «٢»: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة/ ٣٧].
في رفع الاسم ونصب الكلمات، ونصب الاسم ورفع الكلمات. فقرأ ابن كثير وحده: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ بنصب الاسم ورفع الكلمات. وقرأ الباقون: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ برفع الاسم ونصب الكلمات «٣».
قال أبو علي: قالوا: لقي زيد خيرا، فتعدى الفعل إلى مفعول واحد، وفي التنزيل: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال/ ١٥] وفيه إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال/ ٤٥] ولَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا [الكهف/ ٦٢] فإذا ضعّفت العين منه، تعدى إلى مفعولين،
_________________
(١) غير أن سيبويه في الكتاب ٢/ ١١ في باب ما لا ينصرف في المعرفة لا يمنع أن يكون شيطان من شيط يقول: شيطان إن أخذته من التشيطن فالنون عندنا في مثل هذا من نفس الحرف إذا كان له فعل تثبت فيه النون، وإن جعلت دهقان من الدهق، وشيطان من شيّط لم تصرفه.
(٢) في (ط): ﷿.
(٣) السبعة ١٥٣.
[ ٢ / ٢٣ ]
فقلت: لقّيت زيدا خيرا، فيصير الاسم الذي كان الفاعل المفعول الأول، قال «١»: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الدهر/ ١١] وليس تضعيف العين هنا «٢»، على حدّ فرّح «٣» وأفرحته، وخرّج «٤» وخرّجته وأخرجته، ألا ترى أنك إذا قلت: ألقيت كذا «٥»، فليس بمنقول من لقيته، كأشربته من شربته يدل على أنه ليس بمنقول منه، أنه لو كان كذلك لتعدى إلى مفعولين، كما تعدى لقّيت، فلما لم يتعدّ إلى الثاني إلا بحرف الجر نحو ألقيت بعض متاعك بعضه «٦» على بعض، علمت أنه استئناف بناء على حدة، وليست الهمزة همزة نقل كالتي في قولك:
ضربت زيدا، أو: أضربته إياه، وشربت الماء وأشربته الماء، فجعلوا ألقيته بمنزلة طرحته، في تعدّيه إلى مفعول واحد. فأما مصدر لقيت، فقال أبو زيد: لقيته لقية واحدة في «٧» التلاقي والقتال، ولقيته لقاء ولقيانا ولقاة.
فأمّا قوله «٨»: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [يونس/ ٧] أي: بدلا من الآخرة كما قال: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة/ ٣٨] ومعنى من الآخرة أي:
بدلا منها، كما قال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف/ ٦٠] أي: بدلا منكم، ومثل هذا قوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ
_________________
(١) في (ط): وقال.
(٢) في (ط): هاهنا.
(٣) في (ط): فرّحته.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): ألقيت زيدا.
(٦) سقطت من (ط).
(٧) في (ط): من.
(٨) في (ط): ﷿.
[ ٢ / ٢٤ ]
[النساء/ ١٣٣] وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [الأنعام/ ١٣٤].
وقال الراعي «١»:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ظلما ويكتب للأمير أفيلا
وقال آخر «٢»:
كسوناها من الرّيط اليماني ملاء في بنائقها فضول
أي: بدلا من الريط.
ويكون قوله: لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [يونس/ ٧]. أي: لا يخافون ذلك، لأنهم لا يؤمنون بها، فلا «٣» يوجلون منها كما يوجل المؤمنون المصدقون بها، المعنيون بقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات/ ٤٥] وقال: وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء/ ٤٩] فيكون الرجاء هنا الخوف كما قال:
لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا [نوح/ ١٣] وكما قال «٤»:
إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها
_________________
(١) هو الشاهد (٥٢٩) من شرح أبيات المغني ١/ ٣٢٤. وانظر تخريجه هناك. وفيه: الغلبة: مصدر غلب، والأفيل: الفصيل.
(٢) أمالي ابن الشجري ١/ ٣٨. وهو في وصف الإبل. أراد: كسوناها بدلا من الريط مسوحا، والريط: ج ريطة وهي الملاءة، والبنائق: ج بنيقة- وهي كل رقعة ترقع في القميص. وأراد بالمسوح عرقها، شبهه لسواده بالمسوح.
(٣) في (ط): ولا.
(٤) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح السكري ١/ ١٤٤ وعجزه:
[ ٢ / ٢٥ ]
وقد يكون لا يرجون الرجاء الذي خلافه اليأس، كما قال: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ [الممتحنة/ ١٣] أي: من الآخرة، فحذف من الآخرة لتقدم ذكرها كما قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم/ ٤٨] فحذف المتأخّر لدلالة ما تقدم عليه، ويجوز أن تكون: كما يئس الكفار من حشر أصحاب القبور.
ومن ذلك قوله: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [الفرقان/ ٢١] وقال: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ [الأنعام/ ٣١] فالمعنى والله أعلم:
بالبعث، كما قال: بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان/ ٤٠] ويقوي ذلك «١» حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [الأنعام/ ٣١] وعلى هذا قوله: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ [السجدة/ ١٠].
فأما قوله: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب/ ٤٤] فالمعنى: يوم يلقون ثوابه، فهم «٢» خلاف من وصف بقوله:
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم/ ٥٩] وقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة/ ٢٢٣] أي: ملاقون جزاءه، إن ثوابا وإن عقابا. وقوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة/ ٤٦] أي ملاقو ثواب ربّهم، خلاف من وصف بقوله: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة/ ٢٦٤] وقوله: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور/ ٣٩]
_________________
(١) وخالفها في بيت نوب عوامل. ونوب: تنتاب المرعى، وعوامل: تعمل العسل والشمع.
(٢) في (ط): قوله جل وعز.
(٣) في (ط): وهم.
[ ٢ / ٢٦ ]
ونحو ذلك مما يدل على إحباط الثّواب وأنهم إليه راجعون، أي: يصدّقون بالبعث ولا يكذبون به، كما حكي عن المنكرين له في نحو: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ «١» [الواقعة/ ٤٧] ونحو قولهم فيه: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام/ ٢٥].
والظنّ هاهنا العلم، وكذلك قول المؤمن: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠] فأما الآية الأولى التي هي قوله:
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة/ ٤٦] أي: ثوابه، فقد يجوز أن لا يكون منهم القطع على ذلك والحتم به، بدلالة قول إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء/ ٨٢] فأما قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠] فلا يكون إلا على العلم والتيقّن، لأن صحة الإيمان إنما يكون بالقطع على ذلك والتّيقّن به «٢» والشاكّ فيه لا إيمان له.
ويقال: لقيته ولاقيته، فمن لاقيت قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة/ ٢٢٣] والَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة/ ٤٦] وقال: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب/ ٤٤] ولو كان يلاقونه كقوله: أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة/ ٢٢٣] كان حسنا، وقال: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) ورد في الأصل كلمة: (وآباؤنا) بدل (وعظاما) وهو إدراج من آية ثانية من سورة النمل: أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧).
(٢) في (ط): التيقن والشاك.
[ ٢ / ٢٧ ]
[البقرة/ ١٤] وقال «١»:
يا نفس صبرا كلّ حيّ لاق كأنه: لاق منيّته وأجله.
وقال آخر «٢»:
فلاقى ابن أنثى يبتغي مثل ما ابتغى من القوم مسقيّ السّمام حدائده
وقال «٣»:
وكان وإيّاها كحرّان لم يفق عن الماء إذ لاقاه حتّى تقدّدا
وأما قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [السجدة/ ٢٣] فيكون على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ [ص/ ٢٤] وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
_________________
(١) بيت لراجز مجهول وبعده: وكل اثنين إلى افتراق وهما في الخصائص: ٢/ ٤٧٥ - المحتسب ١/ ٢٤٨ الهمع ٢/ ١٥٧ والدرر ٢/ ٢١٦.
(٢) سيبويه ١/ ٢٣٩. ونسبه الأعلم: للأشعث بن معروف الأسدي، وفي شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ١/ ٤٥٢ لمضرس بن ربعي الأسدي. وصف لصا لقي لصا مثله يبتغي مثل ما يبتغيه. والسمام: جمع سم. وأراد بالحدائد نصال سهامه.
(٣) في (ط): وقال آخر: والبيت لكعب بن جعيل. انظر الكتاب ١/ ١٥٠ قال الأعلم: الشاهد فيه قوله: وإياها. والمعنى: فكان معها. يقول: كان غرضا إليها، فلما لقيها قتله الحب سرورا بها فكان كالحران- وهو الشديد العطش- أمكنه الماء وهو بآخر رمق، فلم يفق عنه حتى انقد بطنه، أي: انشق.
[ ٢ / ٢٨ ]
[الروم/ ٣] لأن الضمير للرّوم وهم المغلوبون كأنه: لمّا قيل:
فَخُذْها بِقُوَّةٍ [الأعراف/ ١٤٥] أي بجد واجتهاد، أعلمنا أنه أخذ بما أمر به، وتلقاه بالقبول، فالمعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل كقوله: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام/ ١٠٦] وفَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة/ ١٨] ويجوز أن يكون الضمير لموسى، والمفعول به محذوف، كقوله: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ [فاطر/ ١٤] فالدعاء مضاف إلى الفاعل، والمفعولون محذوفون. ومثل ذلك في إضافة المصدر إلى الفاعل، وحذف المفعول به قوله: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المؤمن/ ١٠] وهذا على قياس من قرأ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ لأن موسى هو اللاقي، كما أن آدم هو المتلقّي.
ويجوز أن يكون الضمير لموسى في قوله: مِنْ لِقائِهِ ويكون الفاعل محذوفا، والمعنى من لقائك موسى، ويكون ذلك في الحشر والاجتماع للبعث، أو في الجنة، فيكون كقوله: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [طه/ ١٦] فأما قوله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [المؤمن/ ١٥] فإنه يكون يوم تلاقي الظالم والمظلوم، والجائر والعادل، وتلاقي الأمم مع شهدائها كقوله: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص/ ٧٥] ومثل يوم التلاقي قوله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن/ ٩] وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [النساء/ ٨٧]. ونحو ذلك من الآي.
وقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم/ ١٤]، فإن
[ ٢ / ٢٩ ]
هذا التفرق بعد الاجتماع والتلاقي الذي أضيف اليوم إليهما، وذلك بعد الأخذ للمظلوم من الظالم، وقد بيّن هذا بقوله:
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى/ ٧] فأما قوله:
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس/ ٣٤، ٣٥] وقد قال: يَوْمَ الْجَمْعِ ويَوْمَ التَّلاقِ، فليس يراد بالفرار المضاف إليه اليوم الشّراد ولا النّفار، وأنت قد تقول لمن تكلّم: فررت مما لزمك، لا تريد بذلك بعادا في المحل.
وتقدير يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ: يوم يفر المرء من موالاة أخيه، أو من «١» نصرته. كما كانوا، أو من مساءلة أخيه لاهتمامه بشأنه، فالفرار من موالاته يدل عليه قوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦] وأما الفرار من نصرته على حد ما كانوا يتناصرون في الدنيا، فيدل عليه قوله:
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ [الدخان/ ٤١، ٤٢] والمسألة يدل عليها قوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج/ ١٠].
وقد روي أنّ بعضهم قرأ: يَوْمَ التَّنادِ «٢» [المؤمن/ ٣٢] وكأنه اعتبر يوم يفرّ المرء من أخيه، فجعل التنادّ تفاعلا من ندّ البعير: إذا شرد ونفر، وليس ذلك بالوجه، ألا ترى أنه ليس يسهل «٣» أن تقول: نددت من ما لزمك، ولا ناددت منه، كما تقول: فررت منه؟ ونرى سيبويه يستعمل في هذا المعنى فرّ كثيرا، ولا يستعمل ندّ، فليس هذا الاعتبار إذا بالوجه. وأما
_________________
(١) في (ط): ومن.
(٢) وهي قراءة ابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبي (المحتسب ٢/ ٢٤٣).
(٣) في (ط): أنه لا يسهل.
[ ٢ / ٣٠ ]
التنادي الذي عليه الكثرة والجمهور، فإنه يدل عليه قوله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر/ ٦] وقوله «١»: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء/ ٧١] ويَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الاسراء/ ٥٢]. فالتنادي أشبه بهذه الآي. ألا ترى أن الدعاء والنداء يتقاربان به «٢»، إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم/ ٣] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران/ ٣٩] وقال: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ [القمر/ ١٠] فقد استعمل كلّ واحد من النداء والدعاء في موضع الآخر، وليس التنادّ والفرار كذلك.
وأما قوله: (كلمات) فالكلمات: جمع كلمة، والكلمة:
اسم الجنس، لوقوعها «٣» على الكثير من ذلك والقليل، قالوا:
قال امرؤ القيس في كلمته، يعنون قصيدته، وقال قسّ في كلمته، يعنون خطبته. وقال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة. وقد قيل لكل واحد من الكلم الثلاث:
كلمة، فالكلمة كأنها اسم الجنس، لتناولها الكثير والقليل «٤».
كما أن الليل لما كان كذلك وقع على الكثير منه أو القليل «٥»، فالكثير نحو قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا [النبأ/ ١٠] وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص/ ٧٣] ومن ثمّ جعله سيبويه في جواب كم، إذا قيل: سير عليه الليل والنهار.
وأما «٦» وقوعه على القليل وما هو دون ليلة فنحو قوله:
_________________
(١) كذا في (ط)، وسقطت من (م).
(٢) في (ط): وفي التنزيل.
(٣) في (ط): لوقوعه.
(٤) في (ط): القليل والكثير.
(٥) في (ط) القليل منه والكثير.
(٦) في (ط): فأما.
[ ٢ / ٣١ ]
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨].
فكذلك الكلمة قد وقعت على القليل والكثير. فأما وقوعها على الكثير «١» فنحو ما قدمناه، وأما وقوعها على القليل، فإنّ سيبويه قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد. فأما الكلام: فإن سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلّفا من هذه الكلم، فقال: لو قلت: إن يضرب يأتينا، لم يكن كلاما، وقال أيضا: إنما يحكى: فقلت ونحوه، ما كان كلاما، لا قولا. فأوقع الكلام على المتألّف، وعلى هذا الذي استعمله جاء التنزيل، قال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا [الفتح/ ١٥] فالكلام المذكور هنا «٢» والله أعلم يعنى به قوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة/ ٨٣] ألا ترى قوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [الفتح/ ١٥]. والكلمات المذكورة في قوله «٣»: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة/ ٣٧] فيما فسّر هي قولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية [الأعراف/ ٢٢]. وسئل بعض سلف المسلمين عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه «٤»:
ظَلَمْنا أَنْفُسَنا «٥» وما قاله موسى: قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [القصص/ ١٦] وما قاله يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء/ ٨٧]
_________________
(١) سقطت «على الكثير» من (ط).
(٢) في (ط): هاهنا.
(٣) في (ط): ﷿.
(٤) في (ط): ما قاله أبوه آدم: رَبَّنا ظَلَمْنا
(٥) في (ط): الآية.
[ ٢ / ٣٢ ]
وما قالته «١» الملكة: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ [النمل/ ٤٤] وأما الكلمات في قوله تعالى «٢»: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة/ ١٢٤] فالمراد بها انقياده لأشياء امتحن بها وأخذت عليه، منها: الكوكب، والشمس، والقمر، والهجرة، في قوله: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت/ ٢٦] والختان، وعزمه على ذبح ابنه، فالمعنى: وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بإقامة كلمات [أو بتوفية كلمات، والتقدير ذوي كلمات] «٣» أي: يعبّر بها عن هذه الأشياء المسمّيات وعلى هذا وصف في قوله:
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم/ ٣٧].
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون الكلم المتكلّم به، كما أنّ الصيد هو المصيد، والضرب «٤» المضروب، والنسخ المنسوخ؟ فالقول: إنّ هذا إنما جاء «٥» في المصادر، وليس قولهم الكلم بمصدر. فإن قلت: فقد أجرى قوم من العلماء ما كان من بناء المصدر مجرى المصدر، واستشهدوا على ذلك بأشياء، منها قولهم «٦»:
وبعد عطائك المائة الرّتاعا «٧»
_________________
(١) في (ط): قالت.
(٢) في (ط): ﷿.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقطة من (ط).
(٤) في (ط): والضرب هو.
(٥) في (ط): جاز.
(٦) في (ط): قوله.
(٧) سبق في الجزء الأول من هذا الكتاب ص ١٨٢.
[ ٢ / ٣٣ ]
فالقول: إنا لم نعلم «١» لهم نصّا على ذلك. ومما ينبغي أن يحمل فيه الكلمات على الشرع كقوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ قوله: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [التحريم/ ١٢] فالكلمات والله أعلم تكون: الشرائع التي شرعت لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: وَكُتُبِهِ فكأن المعنى صدّقت بالشرائع فأخذت بها وصدّقت بالكتب فلم تكذّب بها. ومما يحمل من الكلم على أنّه قول، قوله تعالى «٢»: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [النساء/ ١٧١] فهذا- والله أعلم- يعني به.
قوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران/ ٥٩] أي: قال من أجل خلقه: كن، فيكون، فسمّي كلمة لحدوثه عند قول ذلك.
وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [الأعراف/ ١٣٧] هي- والله أعلم- قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً الآية [القصص/ ٥] وقوله «٣»: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الأنعام/ ١١٥] وهو كقوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق/ ٢٩] أي: لا خلف «٤» فيه ولا تبديل له، والكلمات «٥» تقديرها: ذوي الكلمات أي ما عبر عنه بها من وعد ووعيد، وثواب وعقاب. وقوله «٦»: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
_________________
(١) في (ط): لا نعلم.
(٢) في (ط): ﷿.
(٣) هكذا في (ط): وسقطت من (م).
(٤) في (ط): لا خلاف.
(٥) في (ط): فالكلمات.
(٦) في (ط): ﷿.
[ ٢ / ٣٤ ]
[الفتح/ ٢٦] [حدثنا يوسف بن يعقوب الأزرق «١» بإسناده] «٢» عن مجاهد، قال: لا إله إلا الله «٣». وقد يجوز أن تكون كلمة التقوى: شرائعه، التي أمروا بالأخذ لها والتمسك بها. وأما قوله «٤»: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٥ - ٤٦].
فسألني أحد شيوخنا عنه، فأجبت بأنّ التقدير: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، فقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا متعلق بالنّصرة، كقوله «٥»: فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا [المؤمن/ ٢٩] أي: من يمنعنا؟ فيكون: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ- على هذا- حالا من الذين هادوا، تقديره: وكفى «٦» بالله مانعا لهم منكم محرّفين الكلم. وأكثر الناس فيما علمت يذهبون إلى أن المعنى: من الذين هادوا يحرّفون الكلم، أي: فريق يحرفون الكلم، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [الروم/ ٢٤] أي:
أنه يريكم فيها البرق، أو يريكموها البرق، وهذا أشبه لقوله «٧»:
_________________
(١) يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول بن حسان بن سنان أبو بكر الأزرق التنوخي الكاتب (٢٣٨ - ٣٢٩ هـ) كتب لغة ونحوا وأخبارا عن أبي عكرمة الضبي صاحب المفضل، وحمل عن عمر بن شبة من هذه العلوم فأكثر وعن الزبير بن بكار وغيرهم. وكان ثقة، متعففا، عريض النعمة متخشا في دينه كثير الصدقة (تاريخ بغداد ١٤/ ٣٢١).
(٢) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط).
(٣) تفسير مجاهد ٢/ ٦٠٣.
(٤) في (ط): ﷿.
(٥) في (ط): كما قال.
(٦) في (ط): كفى.
(٧) في (ط): بقوله.
[ ٢ / ٣٥ ]
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ [المائدة/ ٤١] فكما أن يحرفون في هذه الآية صفة لقوله: سَمَّاعُونَ كأنه قال: ومن الذين هادوا فريق سمّاعون للكذب، أي: يسمعون ليكذبوا فيما يسمعونه منه، ويحرّفونه عنه، سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم.
فكما أن يحرفون هنا، صفة لقوله: سَمَّاعُونَ، كذلك يكون في الآية الأخرى. فإن قلت: فلم لا يكون حالا من الضمير الذي في قوله: لَمْ يَأْتُوكَ؟ فإن ذلك ليس بالسهل في المعنى، ألا ترى أن المعنى: ومن الذين هادوا فريق يسمعون من النبي ﷺ، ليكذبوا فيما يسمعونه، ويحرفون بكذبهم فيه، فإذا كان كذلك لم يكن حالا من الضمير الذي في «١»: لَمْ يَأْتُوكَ، لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، فإذا كان كذلك، كان وصفا ولم يكن حالا، وتكون «٢»، يحرفون: على قياس ما قلناه، في قوله: وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا، مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ [النساء/ ٤٥ - ٤٦] حالا من الضمير الذي في اسم الفاعل، كأنه: سمّاعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، كقوله: معه صقر صائدا به غدا. وهَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة/ ٩٥] وقد يجوز أن يكون التحريف المعنيّ بقوله:
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٦] ما كانوا يقصدونه في قولهم: راعِنا [البقرة/ ١٠٤] من السّب، وخلاف ما يقصده المسلمون، إذا خاطبوا رسول الله ﷺ، من المراعاة. قال «٣» أبو زيد: «قال الصّقيل: ما كلّمت فلانا إلا
_________________
(١) سقطت من (ط).
(٢) في (ط): ويكون.
(٣) في (ط): وقال.
[ ٢ / ٣٦ ]
مشاورة، تقول: أشرت إليه وأشار إليّ» «١» فهذا على أمرين:
أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر على: كلامك المشاورة، كقولك: عتابك السيف. فأما النطق والمنطق فكان القياس في المنطق فتح العين، لأنه من نطق، لكنه قد جاء على الكسر كما قال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [آل عمران/ ٥٥، لقمان/ ١٥] وقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة/ ٢٢٢] وقد استعمل رؤبة الكلام في موضع النطق فقال «٢»:
لو أنني أوتيت علم الحكل علم سليمان كلام النمل
فهذا إنما أراد به قوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] فعبّر بالكلام بما عبّر عنه بالمنطق. وقول أوس «٣»:
ففاءوا ولو أسطو على أمّ بعضهم أصاخ فلم ينطق ولم يتكلّم
على هذا تكرير «٤» وقال: لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [الأنبياء/ ٦٥] لأنها جماد لا كلام لها. وقال: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
_________________
(١) نوادر أبي زيد ص ٢٥٩ و٢٦٠.
(٢) من قصيدة لرؤبة في أراجيز العرب/ ١٣٠. وعلم الحكل، يريد: علم العجماوات. وفي (ط) ورد الشطر الأول: فقلت لو أعطيت.
(٣) ديوان أوس بن حجر/ ١٢٣، على أمّ بعضهم: على بعضهم. أصاخ: سكت مفحما.
(٤) في (ط): وقول أوس على هذا تكرير.
[ ٢ / ٣٧ ]
[النور/ ٢٤] والشهادة «١»: كلام وقول. وقال: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؟ قالُوا: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت/ ٢١].
ومن ذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء/ ٤٢] لأن ما ذكر من جوارحهم تشهد عليهم، فقيل: لا يكتمون، لمّا كان إظهار ذلك وإبداؤه بجوارحهم.
والقول، والكلام، والمنطق، يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر ويعبر بكل واحد منها كما عبر بالآخر، قال:
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء/ ٢٢٦] وقال: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] وقال عن الهدهد: فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل/ ٢٢] فأما قوله: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية/ ٢٨] فهو في المعنى: كقوله: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف/ ٤٩] وقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا [النبأ/ ٢٩] أي: كل شيء من أعمالهم، كما قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر/ ٥٢ - ٥٣] وقال: أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة/ ٦] وقال: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا [الإسراء/ ١٣] وقال: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس/ ٣٠].
وأنشد أبو الحسن «٢»:
_________________
(١) في (ط): فالشهادة.
(٢) لم نعثر على قائله. وقد وردت قافية البيت في (ط): «الأسحار» بدل «فاجتنبتنا».
[ ٢ / ٣٨ ]
صدّها منطق الدّجاج عن القص*- د وصوت الناقوس فاجتنبتنا وأنشد «١»:
فصبّحت والطير لم تكلّم خابية طمّت بسيل مفعم وقال: «٢»
فلم ينطق الديك حتى ملأ ت كوب الرّباب له فاستدارا
فوضع كلّ واحد من الكلام والنطق موضع الصوت في قوله «٣»:
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
وإنما يعني: انتظاره صوت الديكة. ولم نر النطق مسندا إلى القديم. كما أضيف إليه الكلام في قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة/ ٦] وقد جاءت هذه الكلمة في اللغة فيما يطيف بالشيء ويحيط به كقوله: النّطاق والمنطقة. وقال «٤»:
_________________
(١) اللسان مادة (طمّ). أنشده ابن بري ولم يسم الراجز.
(٢) البيت للأعشى يمدح فيه قيس بن معد يكرب. ومعناه: أملأ لصاحبي كوب الساقية، فلا يصيح ديك الصباح حتى يكون قد انتشى وغشيه الدوار. انظر الديوان/ ٤٧.
(٣) البيت لجرير في ديوانه ١/ ١٢٦، وانظر شرح أبيات المغني ١/ ٣٢٤.
(٤) البيت للأسود بن يعفر وهو من مفضلية برقم ٤٤ ص ٢١٨ وانظر تخريجها فيه. دراهم الأسجاد: دراهم ضربها الأكاسرة. ووردت في (ط): لدراهم
[ ٢ / ٣٩ ]
من خمر ذي نطف أغنّ منطّق وافى بها لدراهم الأسجاد
فإذا كان كذلك لم يكن قول أوس: «لم ينطق ولم يتكلّم» تكريرا، وكان كلّ واحد منهما لمعنى غير الآخر.
وأنشد بعض البغداذيين «١»:
فإن تنطق الهجراء أو تشر في الخنا فإنّ البغاث الأطحل اللّون ينطق
فأسند إلى البغاث النطق.