اختلفوا في نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة/ ٥٨] في النون والتاء والياء.
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي:
نَغْفِرْ لَكُمْ بالنون. وقرأ نافع: يغفر لكم بالياء مضمومة على ما «١» لم يسمّ فاعله. وقرأ ابن عامر تغفر لكم مضمومة التاء.
ولم يختلفوا في: خَطاياكُمْ في هذه السورة، غير أن الكسائي كان يميلها وحده، والباقون لا يميلون «٢».
قال أبو علي: حجة من قال: نَغْفِرْ لَكُمْ بالنون أنه أشكل بما قبله. ألا ترى أنّ قبله: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ [البقرة/ ٥٨] فكأنه قال: قلنا ادخلوا، نغفر.
وحجة من قال: يغفر أنه يؤول إلى هذا المعنى، فيعلم من الفحوى أن ذنوب المكلفين وخطاياهم لا يغفرها إلا الله، وكذلك القول في من قرأ: تغفر. إلا أنّ من قال: يغفر لم يثبت علامة التأنيث في الفعل لتقدّمه، كما لم يثبت لذلك في نحو قوله: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [يوسف/ ٣٠].
ومن قال: تغفر فلأن علامة التأنيث قد ثبتت في هذا النحو نحو قوله: قالَتِ الْأَعْرابُ [الحجرات/ ١٤] وكلا
_________________
(١) كذا في (ط)، وسقطت من (م).
(٢) السبعة ص ١٥٦.
[ ٢ / ٨٥ ]
الأمرين قد جاء به التنزيل قال: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [هود/ ٦٧] وفي موضع «١» فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ [الحجر/ ٨٣] والأمران جميعا كثيران.
فأما إمالة الكسائي الألف في: خَطاياكُمْ فجوازها حسن «٢»، وحسنها: أن الألف إذا كانت رابعة فصاعدا اطّردت فيها الإمالة، والألف في خطايا خامسة، ومما يبين جواز الإمالة في ذلك، أنك لو سمّيت بخطايا ثم ثنّيته، لأبدلت الياء من الألف، كما تبدل من ألف قرقرى وجحجبى «٣»، وألف مرامى، ونحو ذلك. ويقوي ذلك أن غزا ونحوها قد جازت إمالة ألفها، وإن كانت الواو تثبت فيها وهي على هذه العدّة، فإذا جاز في باب غزا مع ما ذكرناه «٤»، فجوازها في خطايا أولى، لأنها بمنزلة ما أصله الياء، ألا ترى أن الهمزة لا تستعمل هنا «٥» في قول الجمهور والأمر الكثير «٦» الشائع.
ومما يبين ذلك أن الألف قد أبدلت من الهمزة في العدّة التي يجوز معها تحقيق الهمزة. وذلك إذا كانت ردفا في نحو:
ولم «٧» أورا بها «٨»
_________________
(١) في ط: موضع آخر.
(٢) سقطت «حسن» من (م).
(٣) قرقرى: اسم موضع، وجحجبى: حي من الأنصار (اللسان) ورسمت الألف الأخيرة في (م) ممدودة.
(٤) في (ط): ما ذكرنا.
(٥) في (ط): هاهنا.
(٦) سقطت من (ط).
(٧) في (ط): لم.
(٨) جزء من رجز أنشده سيبويه ٢/ ١٦٥ ولم ينسبه، وتمامه: عجبت من ليلاك وانتيابها من حيث زارتني ولم أورا بها قال الأعلم: الشاهد في تخفيف الهمزة الساكنة من قوله: أورا، لما احتاج إليه من ردف القافية (وهو حرف المد الذي قبل الروي) ولو حققها على
[ ٢ / ٨٦ ]
ونحو:
على رال «١» فلو لم تنزّل منزلة الألف التي لا تناسب الهمزة، لم يجز وقوعها في هذا الموضع، فإذا جاز ذلك فيها، مع أن الهمزة قد يجوز أن تخفف في نحو: أورا، إذا لم يكن ردفا، فأن تجوز الإمالة في خطايا أولى.