اختلفوا في قوله جل وعز: «١» أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة/ ٦] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: آأنذرتهم بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في كل القرآن، مثل: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة/ ١١٦] وأَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل/ ٦٠] وأَ إِنَّكُمْ «٢» وما كان مثله، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مدّ أبي عمرو في أَأَنْذَرْتَهُمْ أطول من مدّ ابن كثير، لأنّ من قوله أنّه يدخل بين الهمزتين ألفا وابن كثير لا يفعل ذلك.
واختلف عن نافع في إدخال الألف في الهمزتين. وأمّا عاصم وحمزة والكسائي- إذا حقق- وابن عامر فبالهمزتين أَأَنْذَرْتَهُمْ وما كان مثله في القرآن من الهمزتين في الكلمة الواحدة فهو بتحقيق الهمزتين وبتخفيف إحداهما وبإدخال الألف بينهما «٣».
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. [البقرة/ ٦].
الكفر: خلاف الشكر، كما أن الذمّ خلاف الحمد.
فالكفر: «٤» ستر النعمة وإخفاؤها، والشكر: نشرها وإظهارها.
وفي التنزيل: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة/ ١٥٢] وفيه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم/ ٧] وقال:
في ليلة كفر النجوم غمامها «٥»
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) الأنعام/ ١٩، وفصّلت/ ٩.
(٣) السبعة ١٣٤ - ١٣٥ مع بعض اختصار.
(٤) في (ط): والكفر.
(٥) شطر بيت من معلقة لبيد يصف بقرة وحشية افترس السبع ولدها حين
[ ١ / ٢٤٤ ]
وقالوا: كفر كفرا وكفورا، كما قالوا: شكر شكرا وشكورا. وفي التنزيل: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا [الفرقان/ ٦٢] [وقال] «١» اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا [سبأ/ ١٣] وقال: «٢» فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء/ ٨٩] وقالوا:
الكفران، وقال: فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ [الأنبياء/ ٩٤] وقال الأعشى:
ولا بدّ من غزوة في الربيع حجون تكلّ الوقاح الشّكورا
«٣» قال أحمد بن يحيى: الشّكور: السريع القبول للسّمن. قال أبو علي: فكأن سرعة قبوله لذلك إظهار للإحسان إليه والقيام عليه.
وقالوا: أشكر من بروقة «٤».
وأمّا قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ فإنّ السواء والعدل والوسط والقصد والنّصف ألفاظ يقرب بعضها من بعض في المعنى.
_________________
(١) خذلته وصدره: يعلو طريقة متنها متواتر في ليلة كفر النجوم ظلامها وروي: غمامها كما ذكر هنا والمعنى: يعلو صلبها قطر متواتر في ليلة ستر غمامها نجومها، وانظر البيت في شرح القصائد السبع الطوال ص ٥٦٠ والديوان/ ٢٢٣.
(٢) زيادة في (ط).
(٣) في (ط): وقال تعالى.
(٤) البيت من شواهد الزجاج في تفسير أسماء الله الحسنى ص ٤٧. فانظره هناك. وروى (المصيف) مكان الربيع. وحتّ: مكان حجون. والحجون: البعيدة، والوقاح: الصلب الشديد، وفي (اللسان) الشكور من الدواب: الذي يسمن على قلة العلف كأنه يشكر، وإن كان ذلك الإحسان قليلا وشكره ظهور نمائه وظهور العلف فيه، وأنشد البيت. الديوان/ ٩٩.
(٥) البروقة: واحدة البروق، بفتح الباء الموحدة وسكون الراء، وهو ما يكسو الأرض من أول خضرة النبات، أو هو شجيرات ضعاف إذا غامت السماء
[ ١ / ٢٤٥ ]
قالوا للعدل: السواء. قال زهير:
أرونا «١»
خطة لا خسف فيها يسوّي بيننا فيها السّواء
«٢» وأنشد أبو زيد لعنترة:
أبينا فلا نعطي السّواء عدوّنا قياما بأعضاد السّراء المعطف
«٣» والسواء: وسط الشيء. وفي التنزيل: فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٥٥] وقال عيسى بن عمر: «٤» ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي. «٥» والسواء: ليلة النصف من الشهر.
وقالوا: سيّ بمعنى سواء، كما قالوا: قيّ وقواء، «٦» وقالوا:
سيان فثنّوا، كما قالوا: مثلان. وقال ﷿: «٧» لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء/ ٤٢] فالمعنى: يودّون لو جعلوا والأرض سواء. كما قال: وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا [النبأ/ ٤٠] وقال: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها [الشمس/ ١٤] أي: سوى بلادهم بالأرض، وقال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [الشمس/ ٧] أي: ونفس وتسويتها أي: ورب تسويتها، أو
_________________
(١) اخضرت، ويقال: أشكر من بروق، ومن بروقة، لأنها تعيش بأدنى ندى يقع من السماء. والمثل في المستقصى ١/ ١٩٦.
(٢) في (ط): أروني.
(٣) يروى: (عيب) مكان (خسف) وسنّة مكان خطة، الديوان/ ٨٤.
(٤) انظر الديوان/ ٩٠، والنوادر/ ١٢٢.
(٥) في (ط): سقطت عبارة «ابن عمر».
(٦) نقله عن الأصمعي كما رواه صاحب اللسان (سوا).
(٧) القي: بكسر القاف وتشديد الياء والقواء بكسر القاف والمد: قفر الأرض.
(٨) في (ط) بدون ﷿.
[ ١ / ٢٤٦ ]
يكون: والذي سواها، أي: ونفس وخالقها، كما قال: ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف/ ٣٧] وقال: خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار/ ٧] وقال: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة/ ٤]، أي: نجعلها مع كفه صفحة «١» مستوية لا شقوق فيها كخف البعير، ويعدم «٢» الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة «٣» والخرز والصياغة ونحو ذلك من لطيف الأعمال التي يستعان عليها بالأصابع.
قال أحمد بن يحيى: من أيمانهم: لا والذي شقّهن خمسا من واحدة. يريدون الأصابع من الكف.
وقيل في: نُسَوِّيَ بَنانَهُ: نردّها كما كانت. قالوا:
وذكرت البنان لأنّه قد ذكرت اليدان فاختص منها ألطفها. وقالوا:
قوم أسواء، أي: مستوون وأنشد أبو زيد:
هلّا كوصل ابن عمّار تواصلني ليس الرّجال وإن سوّوا بأسواء
«٤» فأسواء ليس يخلو من أن يكون جمع سي أو سواء، فإن كان جمع سي فهو مثل: مثل وأمثال، ونقض وأنقاض، وجلف وأجلاف. وإن كان جمع سواء فهو مثل ما حكاه أبو زيد من قولهم جواد وأجواد. وحكى أيضا في الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه «٥» وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا
_________________
(١) في (ط): نجعلها صفحة مع كفه.
(٢) في (ط): فيعدم.
(٣) في (ط): كالخياطة والكتابة.
(٤) رواه اللسان (سوى) ونسبه إلى رافع بن هريم.
(٥) في (ط): وجمعه. وهو تحريف.
[ ١ / ٢٤٧ ]
من جمعه على سواسية. فأمّا قوله: وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً [طه/ ٥٨] فقال أبو عبيدة: يضم أولها ويكسر، مثل: طوى وطوى، قال: وهو المكان النّصف فيما بين الفريقين وأنشد لموسى بن جابر الحنفي:
وإنّ أبانا كان حلّ ببلدة سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
«١» قال: الفزر: سعد بن زيد مناة بن تميم.
ومثل سوى في أنّه فعل جاء وصفا قولهم: قوم عدى للغرباء. فأمّا عدى للأعداء فزعم أحمد بن يحيى وغيره أنّهم يقولون فيه: عدى وعدى. فهذا مثل سوى وسوى في وصف المكان.
وقال أبو الحسن في قوله: (مكانا سوى): إنّها قد تضم في هذا المعنى. قال: «٢» والممدودتان في ذا المعنى أيضا.
يريد بالممدودتين ما يذكره من أن في سوى وسواء أربع لغات، منهم من يفتح أوله ويمده، ومنهم من يكسر أوله ويقصره.
قال: وهاتان لغتان معروفتان. قال: ومنهم من يكسر أوله ويمده، ومنهم من يضم أوله ويقصره. وهاتان اللغتان أقل من تينك، والمضمومة الأولى أعرفهما، وقال: مكانا سوى أي عدل، وأنشد: «٣»
_________________
(١) ليحيى بن منصور الذهلي، أو موسى بن جابر الحنفي. انظر شرح أبيات المغني ٣/ ٢٢١.
(٢) سقطت من (ط).
(٣) في (ط): قال وأنشد.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وإنّ أبانا كان حلّ ببلدة سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
يقول: عدل، وقال في قول الشاعر: «١»
لو تمنّت حليلتي ما عدتني أو تمنّيت ما عدوت سواها
يقول: ما عدوت قصدها، قال: والقصد والعدل مشتبهان. وأنشد:
ولأصرفنّ سوى حذيفة مدحتي لفتى العشيّ وفارس الأجراف
«٢» قال: يريد لأصرفنّ قصده، أي عن قصده أو لأصرفنّ إلى غيره، ولأنّ سواه غيره كما قال حسان:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره نبي أتى من عند ذي العرش هاديا
«٣» قال: يقول: لم نعدل سوى النبي ﷺ «٤» بغير سواه، وغير
_________________
(١) لم نعثر له على قائل وقد استشهد به القرطبي في تفسيره ١١/ ٢١٣ وأورده البغدادي في شرح أبيات المغني ٣/ ٢٢١ مع كلام الفارسي هنا برمته.
(٢) البيت من شواهد المغني، انظر شرح أبياته ٣/ ٢٢٠ ورواه اللسان والصحاح (سوا)، وفيه الأحزاب مكان الاجراف، وهو تحريف. والبيت من قصيدة فائية في الأغاني (١٤/ ٢٧) منسوبة إلى رجل من الأنصار أو لحسان.
(٣) البيت من شواهد شرح أبيات المغني ٤/ ١٣ وما بعدها ورواه في الجمهرة (١/ ١٧٨) والبيت منسوب إلى حسان ولم نجده في ديوانه.
(٤) زيادة في (ط).
[ ١ / ٢٤٩ ]
سواه هو هو. فأمّا قوله:
وما قصدت من أهلها لسوائكا «١» فإنّه عدّى قصدت باللام، وإن كان يعدّى بإلى، كما عدّوا أوحيت وهديت بهما في نحو: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل/ ٦٨]، وفي أخرى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥] وقال: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا [النساء/ ١٧٥] والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف/ ٤٣].
فأمّا سواء فإنّها تستعمل ظرفا، تقول: إنّ سواءك زيدا كما تقول: إن عندك زيدا، فجعله الشاعر اسما في قوله، لسوائكا، وجعله بمنزلة غير إذ كانت بمعناها، وإذا كانت كذلك أجمع عامة العرب فيما زعم أبو الحسن أنّهم «٢» يستعملونه ظرفا ولا يستعملونه اسما.
ومثل ذلك قولهم: وسط- الساكن الأوسط- هي تستعمل ظرفا، فإذا اضطر الشاعر استعمله اسما كقوله الفرزدق:
صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا «٣» وقول القتّال الكلابي:
_________________
(١) للأعشى، وصدره: تجانف عن خل اليمامة ناقتي ويروى (جل): الديوان ٨٩، واللسان (سوا).
(٢) في (ط): على أنهم.
(٣) تقدم في ص ٣٩.
[ ١ / ٢٥٠ ]
من وسط جمع بني قريظ بعد ما هتفت ربيعة يا بني جوّاب
«١» فكذلك سواء، ولذلك شبهه بالظرف في قولهم: أتاني القوم سواءك «٢» فقال: كأنه قال: أتاني القوم مكانك. واستدل على كونه ظرفا بوصلهم الذي بها في «٣» نحو: أتاني الذي سواؤك. [قال أبو علي: سواك أشبه] «٤». وزعم أبو الحسن أن هذا الذي استعمل ظرفا إذا تكلم به من يجعله ظرفا في موضع رفع نصبوه استنكارا منهم لرفعه، لأنه إنما يقع في كلامهم ظرفا، فيقولون: جاءني سواؤك، وفي الدار سواؤك. وفي كتاب الله [تعالى]: «٥» وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [الجن/ ١١] وقال: مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ [الأعراف/ ١٦٨]، وقال: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام/ ٩٤] وقال: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ «٦». قال: وتقول معي فوق الخماسي ودون السداسي، ولك السداسي وفوقه، وجئتك بسداسي أو فوقه، وهو بالبصرة أو دونها، فكل ذلك نصب.
قال أبو الحسن وأخبرني بعض النحويين أنّه سمع العرب يقولون: ارقبني في سوائه، فأجراه مجرى (غير) وجعله اسما.
_________________
(١) ورد هذا البيت في اللسان والتاج (وسط) برواية (خوار) بدل (جواب).
(٢) كذا في (ط)، وهو ما يقتضيه السياق، وفي (م): سواك على إسقاط الهمزة.
(٣) في (ط): من.
(٤) سقط ما بين المعقوفين من (ط).
(٥) زيادة في (ط).
(٦) في الآية ٣ من سورة الممتحنة، وضم ياء يفصل قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر وهشام من طريق الداجوني. النشر ٢/ ٣٨٧.
[ ١ / ٢٥١ ]
قال أبو علي: ولو تأول متأول ما حكاه أبو الحسن من قولهم: ارقبني في سوائه على «سواء» الذي هو الوسط، لا التي «١» بمعنى غير- كما جاء في التنزيل: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٥٥]- لكان مذهبا. فيجوز على ما تأوله أبو الحسن في الآي وفي سواء- في قول الشاعر:
فلم يبق منها سوى هامد وسفع الخدود، وغير النّئيّ
«٢» أن يكون سوى في موضع نصب، وإن كان فاعلا، لأنّه ظرف. ويجوز أن يكون لما جعله اسما للضرورة رفعه كما رفع وسطا في قولهم: «٣» وسطها قد تفلّقا «٤»
وجعله بمنزلة «غير» لما كان بمعناها، ألا ترى أنّه جعلها بمنزلة غير في عطفها عليها في قوله: وغير النُّئِيّ. كأنّه قال:
فلم يبق غير هامد وغير النّئي.
وقولهم في الاسم العلم: سواءة «٥» ليس من هذا الباب.
ألا ترى أن اللام منه همزة وليست منقلبه بدلالة قوله:
_________________
(١) في (ط): الذي.
(٢) من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، ورواية، ديوان الهذليين: ١/ ٦٤ وما بعدها: «معا والنُّئِيّ» بدل: وغير النُّئِيّ.
(٣) في (ط): قوله.
(٤) تقدم البيت بتمامه ص/ ٣٩.
(٥) هو سواءة بن عامر بن صعصعة فعالة من قولهم: سؤته أسوؤه مساءة كما في الاشتقاق/ ٢٩٣.
[ ١ / ٢٥٢ ]
فأبلغ إيادا إن عرضت وطيّئا وأبلغ حليفينا، ومن قد تسوّءا
وأما الإنذار فإعلام معه تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذرا، ولم يمتنع أن يوصف [به] «١» القديم سبحانه في نحو قوله: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا [النبأ/ ٤٠] لأن الإعلام على الانفراد قد جاز «٢» وصفه به. والتخويف أيضا كذلك في قوله: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ [الزمر/ ١٦].
فإذا جاز الوصف بكل واحد منهما على الانفراد لم يمتنع إذا دلّ لفظ على المعنيين اللذين جاز الوصف بكل واحد منهما منفردا أن يوصف سبحانه به.
وأنذرت: فعل يتعدى إلى مفعولين، يدلك على ذلك قوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت/ ١٣] وقال: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا [النبأ/ ٤٠]، وقال تعالى:
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥] فتعديته بالباء يحتمل أمرين: يجوز أن يكون لما دل على التخويف أجري مجراه:
فقلت «٣» أنذرته بكذا كما تقول: خوفته بكذا، ولذلك نظائر. «٤»
ويجوز أن يكون لما لم يتعد إلى مفعولين، الثاني فيه الأول عدي إلى مفعول واحد كما عدي علمت الذي بمعنى عرفت إلى مفعول واحد، فلما أريد تعديته إلى مفعولين، زيدت الباء لأنّ بناء الفعل على أفعل، فلا يجوز أن تدخل عليه همزة
_________________
(١) زيادة في م.
(٢) في (ط): وقد.
(٣) في (ط): فتقول.
(٤) في (ط): نظائر كثيرة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
أخرى للثقل، كما أنّه إذا أريد تعدية علمت الذي بمعنى عرفت إلى مفعولين زيدت عليه الهمزة أو ضعفت العين. فإذا حذفت الباء تعدى الفعل إلى المفعول الآخر، كما تعدى: أمرتك الخير واخترتك الرجال.
فأمّا قوله تعالى: «١» قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥] فيحتمل أمرين: يجوز أن يكون الوحي الموحى، فسمّي بالمصدر مثل الخلق والصيد، والوحي: «٢» هو العذاب، فيكون كقوله: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا [النبأ/ ٤٠]، ويجوز أن يكون الوحي يراد به الملك؛ فيكون التقدير في قوله تعالى: «٣» إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥]: أنذركم بإنذار الملك أو بإخباره «٤». وقوله تعالى:
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات/ ٤٥] مثل إنّما أنت معطي زيد، إذا أردت بالإضافة الانفصال، أي منذر من يخشى الساعة كما قال: وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء/ ٤٩].
وقالوا: النذير والنّذر، كما قالوا: النكير والنكر، فجاء المصدر على فعيل وعلى فعل. وفي التنزيل: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ، «٥» وفيه: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ. «٦» فأمّا قوله تعالى: «٧» نَذِيرًا لِلْبَشَرِ [المدثر/ ٣٦] فقد قيل فيه قولان:
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) كذا في (ط)، وفي (م): والموحى.
(٣) زيادة في (م).
(٤) في (ط): وبإخباره.
(٥) في الآيات ٤٤ من سورة الحج، ٤٥ من سورة سبأ، و٢٦ من سورة فاطر، و١٨ من سورة الملك.
(٦) في الآيات ١٦، ١٨، ٢١، ٣٠، ٣٧، ٣٩ من سورة القمر.
(٧) تعالى ساقطة من (ط)، والآية هي ٣٦ من سورة المدثر.
[ ١ / ٢٥٤ ]
أحدهما: أن يكون حالا من (قم) «١» المذكورة في أول السورة.
والآخر: أن يكون حالا من قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ [المدثر/ ٣٥] فإذا جعل نذيرا حالا مما في قم، فإن النذير اسم فاعل بمعنى المنذر، كما أن السميع كالمسمع والأليم كالمؤلم.
وإن جعلته حالا من قوله: (لَإِحْدَى الْكُبَرِ) فليس يخلو «٢» الحال من أن يكون «٣» من المضاف أو من المضاف إليه، فإن كان من المضاف كان العامل ما في إحدى من معنى التفرد.
وإن جعلت الحال من المضاف إليه كان العامل فيها ما في الكبر من معنى الفعل. وفي كلا الوجهين ينبغي أن يكون نذيرا مصدرا، لأنّ الأول المضاف مؤنث والمضاف إليه مؤنث مجموع، والمصدر قد يكون حالا من الجميع كما يكون حالا من المفرد. تقول: جاءوا ركضا، كما تقول: جاء ركضا.
وأما قوله تعالى: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر/ ٣٧] فمن قال: إن النذير النبي ﷺ كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال:
إنه الشيب كان الأولى أن يكون مصدرا كالإنذار.
وقال أبو زيد: نذر ينذر نذرا، ووفّى بنذره، وأوفى نذره.
وقال أبو الحسن: العرب تقول: نذر ينذر على نفسه نذرا، ونذرت مالي فأنا أنذره. أخبرنا بذلك يونس عن العرب. قال:
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ، في الآية ٢ من سورة المدثر.
(٢) في (ط): تخلو.
(٣) في (ط): تكون.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وفي كتاب الله تعالى «١» إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران/ ٣٩] وقال الشاعر:
هم ينذرون دمي وأن ذر إن لقيت بأن أشدّا
«٢» وقال عنترة:
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لم القهما دمي
«٣» ومثل الإنذار في أنّه ضرب من العلم قولهم: اليقين، فكل يقين علم، وليس كل علم يقينا، وذلك أنّ اليقين كأنّه علم يحصل بعد استدلال ونظر، لغموض المعلوم المنظور فيه، أو لإشكال ذلك على الناظر.
«٤» يقوي ذلك قوله ﷿: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام/ ٧٥] ثم ذكر بعد ما كان من نظره واستدلاله، ولذلك لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، فليس كل علم يقينا لأنّ من المعلومات ما يعلم من غير أن يعترض فيه توقف أو موضع نظر، نحو ما يعلم ببدائه العقول والحواس، ويؤكد ما ذكرنا من ذلك قول رؤبة:
_________________
(١) في (ط): ﷿.
(٢) من قصيدة عمرو بن معد يكرب الزبيدي في الحماسة، انظر شرح التبريزي: ١/ ١٧٤.
(٣) من معلقته وقبله: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضمضم انظر ديوانه ص ٢٢١ والسبع الطوال ص ٣٦٣ وشرح المعلقات السبع للزوزني/ ١٥٣.
(٤) بداية نقل نقله ابن سيده عن الفارسي في المخصص السفر ٣/ ٢٩.
[ ١ / ٢٥٦ ]
يا دار عفراء ودار البخدن أما جزاء العارف المستيقن
[عندك إلا حاجة التفكّن] «١» فوصفه العالم بالمستيقن يقوي أنّه غيره.
ومما يبين ذلك ما تراه «٢» في أشعارهم من توقفهم عند الوقوف في الديار لطول العهد وتعفي الرسوم ودروسها حتى يثبتوها بالتأمل لها والاستدلال عليها، كقوله:
وقفت بها من بعد عشرين حجة فلأيا عرفت الدار بعد توهم
«٣» وقال: توهّمت آيات لها فعرفتها «٤» وقال: أم هل عرفت الدار بعد توهّم «٥» قال محمد بن السري قالوا في قوله بعد توهم: توهمت الشيء: أنكرته. وعند التباس الأمر وإشكاله يفزع إلى النظر،
_________________
(١) ديوان رؤبة/ ١٦١ واللسان (بخدن) وفي الديوان (بادر عفراء) وهو تحريف. والرجز من قصيدة طويلة في مدح بلال بن أبي بردة، نقله في المخصص السفر ٣/ ٢٩ عن الفارسي. البخدن: اسم امرأة. التفكن كالتفكه: التندم. والشاهد في اللسان (فكن).
(٢) في (ط): ما روى.
(٣) هو البيت الرابع من معلقة زهير بن أبي سلمى. وانظر الديوان/ ٧.
(٤) صدر بيت للنابغة الذبياني، وتمامه: لستة أعوام وذا العام سابع. انظر شرح شواهد الشافية/ ١٠٨، والديوان/ ٤٨.
(٥) عجز البيت الأول من معلقة عنترة، وصدره: هل غادر الشعراء من متردم انظر المعلقات السبع/ ٧٣.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ويرجع إلى الدليل، فكذلك قول رؤبة:
أما جزاء العارف المستيقن أي: المتوقف المتبين لآثارك ورسومك إلى أن يثبتك، كقول عنترة في ذلك.
ومن ذلك الدراية، هي مثل ما تقدم في أنّها ضرب من العلم مخصوص، وكأنّه من التلطف والاحتيال في تفهم الشيء. أنشد أبو زيد: «١»
فإنّ غزالك الذي كنت تدّري إذا شئت ليث خادر بين أشبل
قال أبو زيد: تدّري: تختل. وقال آخر:
فإن كنت لا أدري الظباء فإنّني أدسّ لها تحت التراب الدواهيا
«٢» وأنشد أحمد بن يحيى:
إما تريني أذّري وأدّري غرّات جمل وتدرّى غرري
«٣»
_________________
(١) في النوادر ص ٢٠ مع آخر ونسبهما لمطير بن الأشيم الأسديّ وهو جاهلي يقول: الذي كنت تحسبه غزالا تصطاده فكنت تختله هو أسد- وأشبله: أولاده.
(٢) لا أدري الظباء: من درى الصيد وتدراه ختله، والبيت في اللسان (درى) والمخصص السفر ٣/ ٣١ ولم ينسبه؟؟؟
(٣) أذرى الأول بالذال المعجمة: هو على وزن افتعل من ذريت تراب المعدن، أي: نخلته طالبا ما فيه من المعدن. والثاني: من درى الصيد
[ ١ / ٢٥٨ ]
واختلفوا في الدّرية، وهو البعير الذي يستتر به الصائد من الوحش حتى يمكنه رميها.
فقال أبو زيد فيما حكى عنه: هي مهموزة لأنّها تدرأ نحو الوحش، أي تدفع، فأمّا من لم يهمز فإنّه يمكن أن يكون من الدرء «١» الذي هو الدفع فخفف.
ويمكن أن يكون من الادّراء الذي هو الختل، لأنّ معنى الختل لها والاحتيال عليها في الاستتار به عنها حتى يرمي «٢» ظاهرا.
فأمّا الدريئة للحلقة التي يتعلّم عليها الطعان، فرواها السكري مهموزة فيما أنشده عن أبي زيد:
كأنّ دريئة لمّا التقينا بنصل السيف مجتمع الصّداع
«٣» [بخط السكري: الدريئة: الحلقة يتعلم عليها الطعن،
_________________
(١) ختله، وكذلك تدري، وأصله تتدرى فحذفت إحدى التاءين، يقول: أذري التراب وأنا قد أتشاغل بذلك لئلا ترتاب بي، وأنا في ذلك أنظر إليها وأختلها، وهي أيضا تفعل كما أفعل. والبيت في اللسان (درى) والمخصص السفر ٣/ ٣١.
(٢) مصدر درأه درءا كدفعه دفعا، ودرأة على وزن ضربة، أي: دفعة.
(٣) في (ط): ترمي.
(٤) البيت لمرداس بن حصين. وهو في النوادر/ ٦ والمخصص السفر ٣/ ٣١ عن أبي زيد. يقول: إنه حين لقي قرنه أنحى على رأسه بالسيف حتى كأن رأسه إذ يتردد عليه السيف دريئة، ورواية النوادر: فكان دريّة بفاء العطف وكان الناقصة. وهي موافقة لرواية ابن دريد المذكورة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ومجتمع الصداع: الرأس] «١» [كذا رواها السكري في نوادر أبي زيد عن الرياشي. روى ابن دريد فكان دريئة] «٢» وكذلك قول الجهنية صاحبة المرثية أنشده «٣» [السكري عن أبي حاتم]: «٤»
أجعلت أسعد للرماح دريئة هبلتك أمّك أيّ جرد ترقع
«٥» بخطه: «٦» الجرد: الثياب «٧» الخلقان [ضربه مثلا]. «٨»
ويقال: دريت الشيء ودريت به قال سيبويه: وتعديه بحرف الجر «٩» أكثر في كلامهم، وأنشد أبو زيد:
أصبح من أسماء قيس كقابض على الماء لا يدري بما هو قابض
«١٠» فإذا قال: دريت الشيء، فكأنّ المعنى على ما عليه هذا الباب: تأتيت لفهمه وتلطفت، وهذا المعنى لا يجوز على العالم بنفسه. وقد أجاز أحد أهل النظر ذلك، واستشهد عليه بقول بعضهم:
لا همّ لا أدري وأنت الدّاري «١١»
_________________
(١) زيادة في هامش (م).
(٢) زيادة في (م).
(٣) في (ط): أنشده مهموزا.
(٤) زيادة في (م).
(٥) انظر النوادر: ٧ والمخصص السفر ٣/ ٣١.
(٦) زيادة في (م).
(٧) في (ط): الثوب الخلق.
(٨) زيادة في (م).
(٩) في (ط): جر.
(١٠) البيت لقيس بن جروة- انظر النوادر/ ٦٢.
(١١) للعجاج، وبعده:
[ ١ / ٢٦٠ ]
وهذا لا ثبت فيه، لأنّه يجوز أن يكون من غلط الأعراب، فكأنّه سمع دريت وعلمت يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر كثيرا، فظنّ أنّهما في كل المواضع كذلك «١». ومثل هذا من جفاء الأعراب ما أنشده بعض البغداديين:
لا همّ إن كنت الذي بعهدي ولم تغيّرك الأمور بعدي
«٢» وقول العجّاج:
فارتاح ربّي وأراد رحمتي «٣» وقول الآخر:
يا فقعسيّ لم أكلته لمه لو خافك الله عليه حرّمه
«٤» وقال أوس:
_________________
(١) كل امرئ منك على مقدار ويروى: يا رب مكان لا هم «انظر ديوان العجاج ١/ ١٢٠».
(٢) إلى هنا ينتهي نقل ابن سيده عن الفارسي المشار إليه ص ٢٥٦.
(٣) اللسان (روح)، والمخصص: ٣/ ٤.
(٤) ديوانه ١/ ٤٢١ والمخصص السفر: ٣/ ٤. وبعده: ونعمة أتمّها فتمّت قال ابن سيده في تفسيره للبيت: ونزلت به بليّة فارتاح الله له برحمته فأنقذه الله منها. وأنشد البيت قال: أي نظر إليّ ورحمني. فأما الفارسي فجعل هذا البيت من جفاء الأعراب. انتهى.
(٥) لسالم بن دارة. المخصص السفر: ٣/ ٤.
[ ١ / ٢٦١ ]
أبني لبينى لا أحبّكم وجد الإله بكم كما أجد
«١» وقالت امرأة من أسد:
أشار لها آمر فوقه هلمّ فأمّ إلى ما أشارا
تعني الله سبحانه. فأمّا شعرت فمصدره شعرة بكسر الأول، كالفطنة والدرية. وقالوا: ليت شعري، فحذفوا التاء مع الإضافة للكثرة. وقد قالوا: ذهب بعذرتها، وهو أبو عذرها. «٢»
ويروى أنّ عليا، ﵇، لما قال له عديّ بن حاتم: ما الذي لا ينسى؟ قال: المرأة لا تنسى أبا عذرها، ولا قاتل واحدها. وكأنّ شعرت مأخوذ من الشعار، وهو ما يلي الجسد.
فكأنّ شعرت به علمته علم حسّ. وقال الفرزدق:
لبسن الفرند الخسروانيّ فوقه مشاعر من خزّ العراق المفوّف
«٣»
_________________
(١) انظر الديوان/ ٢١. وورد فيه (لا أحقكم) مكان (لا أحبكم) بمعنى: لا أخاصمكم. ومعنى البيت: أحبكم الله قدر ما أحبكم، بمعنى مقتكم لأنه لا يحمل لهم إلا المقت.
(٢) العذرة: البكارة، وما للبكر من الالتحام قبل الافتضاض. ويقال: فلان أبو عذر فلانة إذا كان افترعها وافتضها، وأبو عذرتها. انظر اللسان (عذر).
(٣) من نقيضة: عرفت بأعشاش وما كدت تعرف. ويروى: دونه، وتحته، مكان: فوقه «انظر الديوان: ٢/ ٥٥٣، والنقائض: ٢/ ٥٥١». الفرند: الحرير. الخسرواني: الحرير الرقيق الصنعة، وهو منسوب إلى
[ ١ / ٢٦٢ ]
وفي الحديث: «أشعرنها إياه»، «١»
أي: اجعلنها الشعار الذي يلي الجسد، كما أن المعنى في البيت: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر، فوقه المفوف من خزّ العراق، أي:
جعلنها «٢» الشعار.
فقولهم: شعرت ضرب من العلم مخصوص. فكل «٣» مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا به. ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى «٤» كما لم يجز في وصفه «٥» درى، وكان قول الله تعالى في وصف الكفار: «٦» وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة/ ١٢] أبلغ في الذم للبعد عن الفهم من وصفهم بأنهم، لا يعلمون لأنّ البهيمة قد تشعر من حيث كانت تحسّ. فكأنّهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم.
وعلى هذا قال سبحانه «٧»: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
_________________
(١) عظماء الأكاسرة. «انظر المعرب للجواليقي» المفوف: الموشى، وهو صناعة اليمن. ومشاعر: نصبت على الحال.
(٢) قال ذلك ﷺ لمن قام بغسل ابنته من النساء، وكان أعطاهن حقوه: أي إزاره. يريد: اجعلنه في كفنها مما يلي جسدها. والحديث رواه أصحاب الكتب. الستة، والموطأ وأحمد كلهم في باب الجنائز. (انظر مسلم ٢/ ٦٤٧ برقم ٩٣٩).
(٣) في (ط): جعلنه.
(٤) في (ط): وكل.
(٥) في (ط): ﷿، بدل تعالى.
(٦) في (ط): سبحانه.
(٧) في (ط): في الكفار.
(٨) في: (م) زيادة قوله تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» وهي زيادة لا شاهد فيها.
[ ١ / ٢٦٣ ]
[البقرة/ ١٥٤] فقال: (ولكن لا تشعرون) ولم يقل ولكن لا تعلمون، لأنّ المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى «١» بأنّهم أحياء علموا أنّهم أحياء، فلا يجوز أن ينفي الله تعالى العلم عنهم بحياتهم، إذ كانوا قد علموا ذلك بإخباره إيّاهم وتيقّنوه، ولكن يجوز أن يقال: ولكن لا تشعرون، لأنّهم ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسّونه بحواسّهم، فلمّا كانوا لا يعلمون بحواسّهم حياتهم، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إيّاهم، وجب أن يقال: لا تشعرون، ولم يجز أن يقال: ولكن لا تعلمون على هذا الحدّ.
ومن ذلك النقه. قال أبو زيد: نقه عنّي القول نقها ونقوها: إذا فهم عنك القول، قال: وتقول: نقه الرجل من مرضه ينقه نقوها إذا برأ .. وهذا لا يجوز في وصف القديم «٢» كما أن الفهم الذي فسّر أبو زيد به النقه لا يجوز في وصفه.
[بسم الله] «٣»