واختلفوا في قوله «٢»: النَّبِيِّينَ [البقرة/ ٦١] والنَّبِيُّونَ [البقرة/ ١٣٦] والنُّبُوَّةَ [آل عمران/ ٧٩] والْأَنْبِياءَ [آل عمران/ ١١٢] والنَّبِيُّ [آل عمران/ ٦٨] «٣» في الهمز، وتركه.
فكان نافع يهمز ذلك كلّه في كلّ القرآن إلا في موضعين في سورة الأحزاب: قوله «٤»: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ [الآية/ ٥٠] بلا مدّ ولا همز. وقوله «٥»:
_________________
(١) ما يجب لأنها طرف لم يجز له من أجل الردف المضمن في القافية. ومعنى: لم أورأ بها، لم أعلم بها، وحقيقته: لم أشعر بها من ورائي، لأن لام وراء همزة أصلية في قول من صغرها وريئة، فحمل الفعل على هذا التقدير. ومن جعل همزة وراء منقلبة قال في تصغيرها: ورية. ويقال: معنى: لم أورأ بها: لم أغر، وأصله: لم أوأر، ثم قلب إلى أورأ. يقال: أورأته بكذا: إذا أغريته به. والانتياب: القصد والإلمام. وخاطب نفسه في البيت الأول، ثم أخبر عن نفسه في البيت الآخر لأن من كلامهم أن يتركوا الخطاب للإخبار، والإخبار للخطاب اتساعا بعلم السامع. (طرة الكتاب ٢/ ١٦٥).
(٢) سبق انظر ص ١٣.
(٣) في (ط) قوله ﷿.
(٤) وردت هذه الكلمات ما بين القوسين في (ط) مهموزة.
(٥) في (ط): قوله ﷿.
(٦) في (ط): قوله تعالى.
[ ٢ / ٨٧ ]
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا [الآية/ ٥٣] وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد «١»، هذا قول المسيبي «٢» وقالون، وقال ورش عن نافع: إنه كان يهمزها جميعا، إلا أنه كان يروي عن نافع: أنه كان يترك الهمزة الثانية في المتّفقتين والمختلفتين، وتخلف الأولى الثانية «٣»، فيقول فيه للنبيء ان اراد، مثل: النّبيعن راد «٤» و: بيوت النبيء يلا «٥»، وكان الباقون لا يهمزون من ذلك شيئا «٦».
قال أبو زيد: نبأت من أرض إلى أخرى، فأنا أنبأ نبأ ونبوءا: إذا خرجت منها إلى أخرى، وليس اشتقاق النبيء من هذا وإن كان من لفظه، ولكن من النبأ الذي هو الخبر، كأنه المخبر عن الله سبحانه. فإن قلت: لم لا يكون من النباوة، ومما أنشده أبو عثمان قال: أنشدني كيسان «٧»:
محض الضّريبة في البيت الذي وضعت فيه النّباوة حلوا غير ممذوق
أو يجوّز فيه الأمرين، فتقول: إنه يجوز أن يكون من النباوة، ومن النبأ، كما أجزت في عضة أن تكون من الواو، لقوله:
_________________
(١) أولاهما همزة النبيء، والثانية همزة إن وإلا في الآيتين.
(٢) سبقت ترجمته في ١/ ٣٧٥.
(٣) عبارة كتاب السبعة هنا: وكان ورش يروي عن نافع أنه كان يهمز من المتفقتين والمختلفين الأولى، ويخلف الثانية.
(٤) في (م): فيقول: النبيء إن أراد مثل: النبيعين أراد.
(٥) في (ط): إلا.
(٦) السبعة ص ١٥٦ - ١٥٧.
(٧) لم نعثر على قائله.
[ ٢ / ٨٨ ]
وعضوات تقطع اللهازما «١» ومن الهاء لقوله:
.. لها بعضاه الأرض تهزيز «٢» فالقول: إن ذلك ليس كالعضة، لأن سيبويه «٣» زعم: أنهم يقولون في تحقير النّبوّة: كان مسيلمة نبوّته «٤» نبيّئة سوء، وكلّهم يقول: تنبّأ مسيلمة، فلو كان يحتمل الأمرين جميعا ما أجمعوا على تنبّأ، ولا على النّبيّئة، بل جاء فيه الأمران: الهمز وحرف اللين، فأن اتفقوا على تنبّأ والنّبيّئة دلالة على أن اللام همزة.
_________________
(١) عجز بيت للشاعر أبي مهديّة وصدره: هذا طريق يأزم المآزما قال الأعلم: يقول من سار في هذا الطريق بين ما حف به من العضاه تأذى بسيره فيه. ويأزم: يعض، واللهازم جمع لهزمة وهي مضغة في أصل الحنك. سيبويه ٢/ ٨١ - اللسان مادة (أزم) - الخصائص ١/ ١٧٢ المنصف ١/ ٥٩ ٣/ ٣٨ ابن يعيش ٥/ ٣٨.
(٢) قطعة بيت للمتنخل الهذلي وتمامه: قد حال دون دريسيه مؤوّبة نسع لها بعضاه الأرض تهزيز الدريس: الثوب الخلق، والمؤوّبة ريح تأتي ليلا، ونسع ومسع: اسم من أسماء الشمال. والعضاه: كل شجر له شوك. اللسان مادة (هزز). ديوان الهذليين القسم الثاني ص ١٦ والمنصف ١/ ٦٠.
(٣) انظر ٢/ ١٢٦.
(٤) في (م) نبوءته، وأثبتنا ما في (ط) لموافقتها لسيبويه. قال ابن بري (اللسان نبأ) بعد أن نقل عبارة سيبويه: فذكر الأول غير مصغر ولا مهموز- أي: قوله نبوة- ليبين أنهم قد همزوه في التصغير وإن لم يكن مهموزا في التكبير.
[ ٢ / ٨٩ ]
ومما يقوّي أنه من النبأ الذي هو الخبر أن النباوة الرفعة، فكأنه قال: في البيت الذي وضعت فيه الرّفعة. وليس كلّ رفعة نبوءة، وقد تكون في البيت رفعة ليست بنبوءة. والمخبر عن الله «١» بوحي إليه المبلّغ عنه نبيء ورسول، فهذا الاسم أخصّ به «٢» وأشدّ مطابقة للمعنى المقصود إذا أخذ من النّبأ «٣». فإن قلت: فلم لا تستدلّ بقولهم: أنبياء، على جواز الأمرين في اللام من النبي، لأنهم قالوا: أنبياء ونباء، قال «٤»:
يا خاتم النّباء إنّك مرسل بالحقّ
قيل: ما ذكرته لا يدلّ على تجويز الأمرين فيه، لأن أنبياء إنما جاء لأن البدل لما لزم في نبيّ صار في لزوم البدل له، كقولهم: عيد وأعياد، فكما أن أعيادا لا تدل على أن عيدا من الياء، لكونه من عود الشيء، كذلك لا يدل أنبياء على أنه من النباوة، ولكن لمّا لزم البدل جعل بمنزلة تقيّ وأتقياء، وصفيّ وأصفياء ونحو ذلك، فلما لزم صار كالبريّة والخابية، ونحو ذلك مما لزم الهمز «٥» فيه حرف اللين بدلا من الهمزة. فما دل على أنه من الهمز قائم لم يعترض فيه شيء، فصار قول من حقّق الهمزة في النبيّ «٦»، كردّ الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله
_________________
(١) في (ط): الله ﷿.
(٢) في (م): منه.
(٣) رسمت همزة النبأ في الأصل هنا وفي السابق هكذا: (النباء) على السطر، وقد آثرنا الرسم الإملائي لها لصحة لفظه.
(٤) قطعة من بيت قاله العباس بن مرداس وتمامه: بالحقّ كلّ هدى السبيل هداك سيبويه ٢/ ١٢٦ اللسان (نبا).
(٥) في (ط): الهمزة.
(٦) في (ط): النبيء.
[ ٢ / ٩٠ ]
نحو: وذر، وودع، فمن ثمّ كان الأكثر فيه التخفيف. فإن قلت فقد قال سيبويه: بلغنا أن قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحققون: نبيئا وبريئة. قال: وذلك رديء «١»، وإنما استردأه لأن الغالب في استعماله التخفيف على وجه البدل من الهمز، وذلك الأصل كالمرفوض، فردؤ عنده ذلك «٢» لاستعمالهم فيه الأصل الذي قد تركه سائرهم، لا لأن النبيء الهمز فيه غير الأصل، ولا لأنه يحتمل وجهين كما احتمل عضة وسنة.
ومن زعم أن البريّة من البرا الذي هو التراب كان غالطا، ألا ترى أنه لو كان كذلك لم يحقّق همزه من حقق من أهل الحجاز، فتحقيقهم لها يدل على أنها «٣» من برأ الله الخلق، كما أن تحقيق النبيء يدل على أنه من النبأ، وكما كان اتفاقهم على تنبأ يدل على أن اللام في الأصل همزة.
فالحجة لمن همز النبيء [حيث همز] «٤» أن يقول: هو أصل الكلمة، وليس مثل عيد، الذي قد ألزم البدل، ألا ترى أن ناسا من أهل الحجاز قد حققوا الهمزة في الكلام «٥»، ولم يبدلوها «٦». كما فعل أكثرهم، فإذا كان الهمز أصل الكلمة وأتى به قوم في كلامهم على أصله لم يكن كماضي يدع، ونحوه مما رفض استعماله واطّرح.
فأما ما
روي في الحديث: «من أن بعضهم. قال: يا
_________________
(١) الكتاب ٢/ ١٧٠.
(٢) في (ط): وردؤ ذلك عنده.
(٣) في (ط): أنه.
(٤) ما بين معقوفتين سقطت من (ط).
(٥) في (ط): في كلامهم.
(٦) في (ط): يبدلوه.
[ ٢ / ٩١ ]
نبيء الله! فقال «١»: «لست بنبيء الله، ولكني نبيّ الله» «٢»
فأظنّ أن من أهل النقل من ضعّف إسناد الحديث. ومما يقوي تضعيفه أنّ من مدح النبيّ ﷺ فقال:
يا خاتم النبآء «٣» لم يؤثر فيه إنكار عليه فيما علمنا، ولو كان في واحده نكير لكان الجمع كالواحد، وأيضا فلم نعلم أنه ﵇ أنكر على الناس أن يتكلموا بلغاتهم.
ولمن أبدل ولم يحقّق أن يقول: مجيء الجمع في التنزيل على أنبياء يدل على أن الواحد قد ألزم فيه البدل، وإذا ألزم فيه البدل ضعف التحقيق. وقال الفرّاء في قراءة عبد الله النبية إلى «٤» (ال ن ب ي ي). قال الفراء: لا يخلو من أن يكون النبيّة مصدرا للنبإ، أو يكون النبيّة مصدرا نسبه إلى النبي ﵇ «٥».
[قال أبو علي] «٦»: والقول في ذلك أنه لا يخلو من أن يكون من النباوة التي في قول ابن همام، أو يكون من النّبأ وقلبت «٧» الهمزة. أو يكون نسبا، فلا يكون من النباوة، فيكون
_________________
(١) في (ط): فقال ﵇.
(٢) نقل هذا الحديث صاحب إتحاف فضلاء البشر وقال: أخرجه الحاكم عن أبي ذر وصححه، وفيه أن الرجل أعرابي وأن أبا عبيد علّل إنكار النبي بعدول الأعرابي عن الفصحى وأن مقتضى ذلك جواز الوجهين لغة. انظر ص ٥٨ منه.
(٣) سبق قريبا في ص ٩٠.
(٤) سقطت إلى من (م).
(٥) في (ط): صلى الله عليه.
(٦) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط).
(٧) في (ط): وقلب.
[ ٢ / ٩٢ ]
مثل مطيّة، لأنّ فيما حكاه سيبويه من أنهم كلّهم يقولون: تنبّأ مسيلمة، دلالة على أنه من الهمزة «١» [فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه من الهمز] «٢» وجاز أن يكون ياء ألزمت البدل من الهمزة، وعلى ذلك قالوا: أنبياء، وجاز أن يكون من قول من حقّق، إلا أنه خفف فوافق لفظ التخفيف عن التحقيق لفظ من يرى القلب. وقد حكى سيبويه كما رأيت أن بعضهم يحقق النبيء، فإذا كان نسبا أمكن أن يكون إلى قول من حقق، وإلى قول من خفّف، وأمكن أن يكون إلى قول من أبدل. فلا يجوز أن يكون على قول «٣» من حقّق ثم خفّف لأنه لو كان كذلك لكان:
النبئيّة «٤»، لأنه نسب إلى فعيلة، فرددت الهمزة لمّا حذفت الياء التي كنت قلبت الهمزة في التخفيف من أجلها، فلما لم يردّ، وقال النبيّة، علمت أن النسب إليه على قول من قلب الهمزة ياء، وهم الذين قالوا: أنبياء، فحذفت الياءين لياءي النسب، فبقيت الكلمة على فعيّة. هذا على قياس قولهم: عبد بيّن العبديّة، وقد حكاه الفرّاء.
وأما تخفيف نافع: النبيّ في الموضعين اللذين خفف فيهما في رواية المسيّبي وقالون، فالقول في ذلك أنه لا يخلو من أن يكون ممن يحقّق الهمزتين أو يخفّف إحداهما، فإن حقّق الهمزتين جاز أن يجعل الثانية بين بين، لأن الهمزة إذا
_________________
(١) في (ط): الهمز.
(٢) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط) وهي زيادة يستقيم الكلام بدونها.
(٣) سقطت «قول» من (م).
(٤) في حاشية (ط): مثل التبعيّة.
[ ٢ / ٩٣ ]
كانت بين بين كانت في حكم التحقيق، فتقول: (للنّبيء إن) «١»، وإن لم يحقّق الهمزتين قلب الثانية منهما ياء قلبا فقال: (للنّبيء ين) «٢» كما قلبوا في: (أيمّة)، وكما قلبوا في: جاء وشاء ويجعل المنفصل بمنزلة المتصل في أيمّة وجاء.
ووجه رواية قالون، والمسيّبيّ: أنه إذا خفّف الهمزة من النبيء «٣» لم يجتمع همزتان، فإن شاء حقق الهمزة المكسورة من (إلّا) ومن (إن) وإن آثر التخفيف جعلهما بين
الياء والهمزة.