اختلفوا في ضم الحاء والتخفيف وفتحها والتثقيل من قوله «١»: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة/ ٨٣] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر، حُسْنًا بضم الحاء والتخفيف.
وقرأ حمزة والكسائيّ «٢» حُسْنًا بفتح الحاء والتثقيل.
_________________
(١) في (ط): قوله ﷿.
(٢) كذا في (ط) وسقطت من (م).
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائيّ في سورة الأحقاف إِحْسانًا [الآية/ ١٥] بألف.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر حُسْنًا خفيفة بغير ألف «١».
قال أبو علي: من قرأ حُسْنًا احتمل قوله وجهين: يجوز أن يكون الحسن لغة في الحسن، كالبخل والبخل والرّشد والرّشد، والثّكل والثّكل، وجاء «٢» ذلك في الصفة، كما جاء في الاسم، ألا تراهم قالوا: العرب والعرب، وهو صفة يدلّك على ذلك: مررت بقوم عرب أجمعون. فيكون الحسن على هذا صفة، كالحسن ويكون: كالحلو والمرّ، ويجوز أن يكون الحسن مصدرا كالكفر والشّكر والشّغل، وحذف المضاف معه كأنّه: قولا ذا حسن.
ويجوز أن تجعل القول نفسه الحسن في الاتّساع، وعلى هذا «٣»: زورة وعدلة، فأنّثوا كما يؤنّثون الصفة التي تكون إياها، نحو: ظريفة وشريفة وحسنة، والدّليل على أن زورا مصدر، وليس كراكب وركب ما أنشده أحمد بن يحيى «٥»:
ومشيهنّ بالخبيب «٤» مور كأنهنّ الفتيات الزور
_________________
(١) السبعة: ص ١٦٢.
(٢) في (م): وجاز.
(٣) في (ط): وعلى هذا قالوا.
(٤) في (ط): بالخبيت. والخبت ما اتسع من بطون الأرض.
(٥) ورد في اللسان/ مور/ زور/ وروايته في (زور). ومشيهن بالكثيب مور كما تهادى الفتيات الزور والخبيب: السرعة، والمور: السرعة، الزور: الذي يزورك. الغور: المطمئن من الأرض. الجور: نقيض العدل، والميل عن القصد، وترك القصد في السير، اللسان/ جور/.
[ ٢ / ١٢٧ ]
يسألن عن غور وأين الغور والغور منهنّ بعيد جور ومن قال: حسنا جعله صفة، وكان التقدير عنده: وقولوا للنّاس قولا حسنا. فحذف الموصوف وحسن ذلك في حسن لأنها ضارعت الصفات التي تقوم مقام الأسماء.
نحو الأبرق، والأبطح، وعبد، ألا تراهم يقولون: هذا حسن، ومررت بحسن، ولا يكادون يذكرون معه الموصوف.
ومثل ذلك في حذف الموصوف قوله: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [البقرة/ ١٢٦] أي متاعا قليلا. يدلك على ذلك قوله:
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء/ ٧٧] وقوله: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ [آل عمران/ ١٩٧] فحسن هذا وإن كان «١» قد جرى على الموصوف في قوله: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء/ ٥٤] فكذلك يحسن في قوله:
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا. فأمّا قوله: ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ [النمل/ ١١] فينبغي أن يكون اسما، لأنه قد عودل به ما لا يكون إلا اسما وهو «السّوء».
وأمّا قوله: وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف/ ٨٦] فيمكن أن يكون أمرا ذا حسن، ويمكن أن يكون الحسن مثل الحلو.
وأما قراءة الكوفيين «٢» في الأحقاف إِحْسانًا وهو قوله «٣»: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا [الآية/ ١٥] فيدل عليه قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا [البقرة/ ٨٣] والتقدير:
_________________
(١) في (ط): كان هذا.
(٢) انظر النشر ٢/ ٣٧٣.
(٣) في (ط): قوله ﷿.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وأحسنوا بالوالدين إحسانا. كأنّه لما قال: أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ قال:
وقلنا لهم أحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قال: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة/ ٦٣] فالجارّ متعلق «١» بالفعل المضمر، ولا يجوز أن يتعلّق بالمصدر، لأن ما يتعلّق بالمصدر لا يتقدّم عليه، وأحسن: يصل بالباء كما يصل بإلى، يدلّك «٢» على ذلك قوله:
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف/ ١٠٠] كما تعدّى بإلى في قوله: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص/ ٧٧] والتقدير أنه لمّا قال: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ، فكان هذا الكلام قولا صار كأنّه قال: وقلنا أحسن أيّها الإنسان بالوالدين إحسانا. وممّا يؤكّد ذلك ويحسّنه قوله في الأخرى:
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا
[النساء/ ٣٦].
ووجه من قرأ في الأحقاف: بِوالِدَيْهِ حُسْنًا [الآية/ ١٥] أن يكون أراد بالحسن الإحسان، فحذف المصدر وردّه إلى الأصل كما قال الشاعر «٣»:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يهلك فذلك كان قدري
أي: تقديري.
_________________
(١) في (ط): يتعلق
(٢) في (ط): ويدلك.
(٣) هو: يزيد بن سنان. أمالي ابن الشجري ١/ ٣٥٠ المخصص ٩/ ٩٢، والنفث: أقل من التّفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق، والنفث شبيه بالنفخ، وقيل: هو التفل بعينه. اللسان/ نفث/.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ويجوز أن يكون وضع الاسم موضع المصدر كما قال:
وبعد عطائك المائة الرّتاعا «١» والباء في هذين الوجهين متعلق «٢» بالفعل المضمر كما تعلّقت به في قول الكوفيين في قراءتهم إحسانا، ويدلّك على ذلك قولهم: عمرك الله. فنصب المصدر محذوفا كما ينصبه غير محذوف.
ويجوز أن تكون الباء متعلقة ب وَصَّيْنَا ويكون حُسْنًا محمولا على فعل كأنه «وصيناه» فقلنا: اتّخذ فيهم حسنا، واصطنع حسنا. كما قال: وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف/ ٨٦] وحكى أبو الحسن: حسنى ولا أدري أهي قراءة أم لغة غير قراءة. إلا أنّه يحتمل ضربين: أحدهما: أن تكون فعلى الأفعل، إلا أنّه استعمل استعمال الأسماء، فأخرج منها لام المعرفة حيث صارت بمنزلة الأسماء نحو قوله:
في سعي دنيا طال ما قد مدّت «٣» والآخر: أن يكون بمنزلة: الرّجعى والشّورى والبشرى.