اختلفوا في تشديد الظّاء وتخفيفها من قوله تعالى:
تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ [البقرة/ ٨٥]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ مشددة الظاء بألف،
_________________
(١) سبق ذكره في ١/ ١٨٢ وص ٣٣ من هذا الجزء.
(٢) في (ط): هذين الموضعين تتعلق.
(٣) بيت من الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ٤١٠، وبعده: من نزل إذا الأمور غبّت
[ ٢ / ١٣٠ ]
وكذلك في سورة الأحزاب والتحريم.
وروى عليّ بن نصر عن أبي عمرو تَظاهَرُونَ بفتح التاء والظاء خفيفة.
[وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ تَظاهَرُونَ خفيفا] «١».
وفي التحريم تَظاهَرا عَلَيْهِ [الآية/ ٤] خفيفة أيضا. وفارقهما عاصم في التي في سورة الأحزاب فقرأ: تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ [الآية/ ٤] بضم التاء مع التخفيف.
وقرأ حمزة والكسائيّ تَظاهَرُونَ بفتح التاء مع التخفيف مثل سورة البقرة «٢».
قال أبو علي: تظّاهرون: تعاونون. وإن تظّاهرا عليه:
إن «٣» تتعاونا عليه.
وقال الأصمعي: اتخذ معك بعيرا، أو بعيرين ظهريّين.
يقول: عدّة «٤» وقال: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم/ ٤] أي معين، فالتقدير فيه الجمع، واللفظ على الإفراد من التنزيل: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا [النساء/ ٦٩].
وقال رؤبة:
دعها فما النّحويّ من صديقها «٥»
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(٢) السبعة ١٦٢ - ١٦٣.
(٣) في (ط): أي.
(٤) البعير الظّهري بالكسر هو العدّة للحاجة إن احتيج إليه، نسب إلى الظهر نسبا على غير قياس، يقال: اتخذ معك بعيرا أو بعيرين ظهريين أي: عدة، والجمع ظهاري، اللسان/ ظهر/.
(٥) سبق ذكره في ١/ ٢٢٦.
[ ٢ / ١٣١ ]
أي: من أصدقائها. وقال: قالوا ساحران تظاهرا [القصص/ ٤٨] أي: تعاونا على سحرهما، وسِحْرانِ تَظاهَرا «١» [القصص/ ٤٨] أي: تعاون أصحابهما، لأنه إنما يتعاون السّاحران لا السّحران.
وأما قوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان/ ٥٥]. فإنه يحتمل تأويلين:
أحدهما: وكان الكافر على أولياء ربه معينا. أي يعادونهم ولا يوالونهم. كما قال «٢»: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [الحج/ ٧٢] وقال: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ [القلم/ ٥١].
والآخر: أن يكون هينا «٣» عليه لا وزن له ولا منزلة.
وكأنه من قولهم: ظهرت بحاجتي: إذا لم تعن بها قال الشاعر:
تميم بن مرّ لا تكوننّ حاجتي بظهر ولا يعيا عليّ جوابها
«٤» المعنى: لا يعيا عليّ جواب ردّها، فحذف المضاف.
_________________
(١) قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران) انظر النشر في القراءات العشر ٢/ ٣٤١.
(٢) زاد في (ط): تعالى.
(٣) في (ط): أن يكون المعنى كان هيّنا.
(٤) البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٩٥ وروايته: تميم بن زيد لا تهونن حاجتي لديك ولا يعيا علي جوابها واللسان/ ظهر/ برواية: تميم بن قيس. وتفسير البحر المحيط ١/ ٣٢٥. وفي (ط): فلا بدل ولا.
[ ٢ / ١٣٢ ]
ويمكن أن يكون من هذا قوله «١»:
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي: تلك شكاة هي عنك بظهر فلا يعبأ بها.
والكافر في قوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان/ ٥٥] كقولهم: كثر الشاه والبعير، في أنه يراد به الكثرة، وقد جاء ذلك في اسم الفاعل، كما جاء في سائر أسماء الأجناس. أنشد أبو زيد:
إن تبخلي يا جمل أو تعتلّي أو تصبحي في الظاعن المولّي
«٢» وقال «٣»: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [الصف/ ١٤] أي غالبين لهم. قاهرين. ومنه ظهر المسلمون على دور الحرب.
فأما قول الشاعر:
مظاهرة نيّا عتيقا وعوططا فقد أحكما خلقا لها متباينا
«٤»
_________________
(١) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي وصدره: وعيّرها الواشون أني أحبها انظر شرح أشعار الهذليين ١/ ٧٠ وتفسير أسماء الله الحسنى ص ٦٠ واللسان (ظهر).
(٢) سبق انظر ١/ ١٥١.
(٣) في (ط): وقال تعالى.
(٤) البيت ورد في اللسان/ عوط/ وفي الكتاب لسيبويه ٢/ ٣٧٧ ولم ينسب لأحد، والشاهد في البيت عند سيبويه قلب الياء واوا في العوطط، وعوطط فعلل من عاطت الناقة تعيط عياطا وعوططا إذا لم تحمل، والبيت في وصف ناقة مطارقة الشحم، وافرة القوة والجسم لاعتياط رحمها وعقرها،
[ ٢ / ١٣٣ ]
فمن قولهم: ظاهر بين درعين. إذا لبس إحداهما فوق الأخرى. وكذلك مظاهرة نيّا. أي: كأنّها قد لبست الجديد على العتيق، وقال «١»:
هل هاجك الليل كليل على أسماء من ذي صبر مخيل
ظاهر نجدا فترامى به منه توالي ليلة مطفل
ظاهر نجدا، أي: علا نجدا، وتوالي السحاب: أواخره، ومطفل، أي: مطر لنتاج ليلته، أي: نشأ الغيم فيها ومطر.
فقراءة الفريقين من ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، ومن عاصم وحمزة والكسائي، في البقرة وفي التحريم في المعنى سواء. ألا ترى أن الكلمة: تتفاعلون في المعنى، فأما في اللفظ، فمن قال: تَظاهَرُونَ أدغم التاء في الظاء لمقاربتها لها، ومن قال: تَظاهَرُونَ حذف التاء التي أدغمها الآخرون من اللفظ فكلّ واحد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة. فمن قال: تَظاهَرُونَ خفّف بالإدغام. ومن قال:
_________________
(١) وأصل المظاهرة: لبس ثوب على آخر فالظاهر منهما ظهارة والباطن بطانة، والني: الشحم. وقد نوت الناقة تنوي إذا سمنت. والعتيق: الحولي القديم، والمتباين هو المتفاوت المتباعد. يعني أنها كاملة الخلق متباعدة ما بين الأعضاء وقد أحكم خلقها- مع تفاوته- السمن والحيال وسدده. (طرة سيبويه).
(٢) وهو المتنخّل الهذلي والبيتان من قصيدة في ديوان الهذليين ق ٢/ ٦ و٩ وبينهما ٥ أبيات. صبر: جمع صبير وهو الغيم الأبيض ومخيل: أي سحاب ذو مخيلة للمطر.
[ ٢ / ١٣٤ ]
تَظاهَرُونَ خفّف بالحذف. فالتاء التي أدغمها ابن كثير، ومن قرأ كقراءته، حذفها عاصم وصاحباه، والدليل على أنها هي المحذوفة: أنها كما اعتلّت بالإدغام اعتلّت بالحذف. قال سيبويه «١»: الثانية أولى بالحذف لأنها هي التي تسكن وتدغم في نحو: فَادَّارَأْتُمْ [البقرة/ ٧٢]، وَازَّيَّنَتْ [يونس/ ٢٤] وممّا يقوّي ذلك أن الأولى لمعنى، فإذا حذفت لم يبق شيء يدلّ على المعنى. والثانية من جملة كلمة إذا حذفت دلّ ما بقي من الكلمة عليها.
وتفاعل مطاوع فاعل، كما أنّ تفعّل مطاوع فعّل. فتفاعل نحو: تضارب، وتمادى. وفعّل نحو: قطّعته فتقطّع، وملّأته فتملّأ.
وقد جاء (ظاهر) متعديا. قال: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ [الأحزاب/ ٢٦] والتي في البقرة والتحريم في المعنى واحد، وإنّما هما من المعاونة. فأما التي في الأحزاب فليس من المعاونة لكنّها «٢» من الظّهار.
قال أبو الحسن: قالوا: ظاهر من امرأته. ومعنى الظّهار أن يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي. أو يشبهها «٣» بعضو منها غير الظّهر مما يحرم على الرجل من أمّه.
وخالف عاصم الفريقين في ما معناه الظّهار. فقرأ الذي معناه: الظّهار على فاعل. وزعموا أنه قراءة الحسن، وكذلك قرأ هذا المعنى في المجادلة على فاعل فقال:
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٤٢٥، ٤٢٦.
(٢) في (ط): لكنه.
(٣) في (ط): ويشبهها.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ بضم الياء وبالألف.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو في المجادلة: الذين يظهرون [الآية/ ٢] بغير ألف.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: يظاهرون بفتح الياء بألف «١» مشدّدة الظّاء.
فمن قرأ يظهرون جعله مطاوع ظهّر.
ومن قال يُظاهِرُونَ جعله مطاوع ظاهر.
فإن قلت: فإن (ظهّر) لم يتعدّ، فكيف يكون له مطاوع؟. فإنّه قد يجيء على لفظ المطاوع ما لا يكون منه فعل متعد نحو: انطلق وفعّل وفاعل قد يستعملان بمعنى كقولهم:
ضاعف وضعّف. فكذلك ظاهر وظهّر.
فأمّا من ذهب من المتأخّرين إلى أنّ الظهار لا يقع في أول مرّة حتى يعيد لفظ الظّهار مرة أخرى، فيقول: «أنت عليّ كظهر أمّي»، لأن ذلك عنده هو الظاهر لقوله: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة/ ٣] فليس في ذلك ظاهر كما ادّعاه، وذلك أنّ قوله: يعودون «٢» العود على ضربين: أحدهما: أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل- فتركه ثم صار إليه، والآخر: أن يصير إلى شيء وإن لم يكن على ذلك قبل. وكأن هذا الوجه غمض على هذا القائل. وهذا عند من خوطب بالقرآن مثل الوجه
_________________
(١) في (ط): وبالألف.
(٢) كذا في (ط)، وفي (م) قولهم يعود وهو خطأ.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الأول في الظّهور، وفي أنّهم يعرفونه كما يعرفون ذاك «١». فمن ذلك ما أنشده أبو عثمان أو الرّياشيّ «٢»:
إذا التّسعون أقصدني سراها وسارت في المفاصل والعظام
وصرت كأنني أقتاد عيرا وعاد الرأس مني كالثّغام
ومنه قول الهذلي «٣»:
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى الحقّ شيئا واستراح العواذل
المعنى: وصار لون الرأس كلون الثّغام، ولم يكن ثمّ لون ثغام عاد إليه. وإنما المعنى صار لون الرأس كلون الثّغام. فكذلك قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة/ ٣] أي: يصيرون إليه، ومن ذلك قول العجّاج:
_________________
(١) في (ط): ذلك.
(٢) في (ط) والرياشي. ولم نعثر على قائلهما. أثغم رأس الرجل، إذا ابيض، كأن رأسه ثغامة، والثغامة: شجرة بيضاء الزهر والثمر كأنها هامة شيخ. انظر أساس البلاغة/ ثغم/.
(٣) الشاعر هو أبو فراس الهذلي والبيت من قصيدة له في قتل زهير بن العجوة أخي بني عمرو بن الحارث والمعنى: رجع الفتى عما كان عليه من فتوته وصار كأنه كهل، واستراح العواذل، لأنهن لا يجدن ما يعذلن فيه سوى الحق أو العدل. ورواية البيت في الديوان: سوى العدل، والمثبت رواية الأصل والأغاني. انظر ديوان الهذليين ق ٢/ ١٥٠. والأغاني ٢١/ ٢٣٧.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وقصب حنّي حتى كادا يعود بعد أعظم أعوادا «١» وسمّيت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها ثمّ صار إليها.
فالمعاد كقوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة/ ٢٨٥] في المعنى.
وقال ساعدة أو غيره:
فقام ترعد كفّاه بمحجنه قد عاد رهبا رذيّا طائش العدم
«٢» وقال امرؤ القيس:
وماء كلون البول قد عاد آجنا قليل بها الأصوات ذي كلأ مخلي
«٣» وقال آخر:
فإن تكن الأيام أحسنّ مرّة إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
«٤» وهذا إذا تتبّع وجد كثيرا. وفي بعض ما ذكر منه كفاية تدلّ على غلط من ذهب إلى: أنّ العود لا يكون إلا أن يفارق
_________________
(١) ديوان العجاج ٢/ ٢٨٣ واللسان عود. والقصب: كل عظم فيه مخ.
(٢) البيت لساعدة بن جؤية في شرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٢٤، يقول: قام بمحجنه الذي يتوكأ عليه وكفاه ترعدان. والرهب: الرقيق الضعيف. والرذي: المعيي المطروح.
(٣) البيت في ديوان امرئ القيس/ ٣٦٣/ وآخره: في كلأ محل.
(٤) البيت للشاعر: غريقة بن مسافع العبسي في الأصمعيات/ ٩٩/ وعزاه في البحر المحيط للطفيل الغنوي ٢/ ٢٨٣ ولم نجده في ديوانه.
[ ٢ / ١٣٨ ]
شيئا كان عليه ثم يصير إليه بعد.
وقد قيل في الآية قولان: يجوز أن يكون في كلّ واحد منهما على غير ما قاله هذا القائل.
قال أبو الحسن: تقديرها: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم. وقال عبيد الله بن الحسين. تأويلها: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا المعنى: ثم يعودون إلى المقول فيه. والمقول فيه هو النساء. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي: فتحرير رقبة لكفّارة التحريم الواقع من الزوج.
فتقدير قول أبي الحسن الأخفش: والذين يظّاهرون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما قالوا أي: لما نطقوا به من لفظ التحريم الموجب الامتناع من الوطء إلّا بعد التكفير، فيكون قوله: لِما قالُوا الجارّ فيه متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ- والجارّ قد يتعلق بالمعنى. وإن تقدم عليه لكونه بذلك مثل الظرف «١» في نحو: أكلّ يوم لك ثوب. ومعنى: يعودون إلى نسائهم، أي: إلى وطئهنّ الذي كانوا حرّموه على أنفسهم بالظّهار منهنّ.
فأمّا التقديم والتأخير الذي قدّره في الآية فهو كثير جدا.
فمثل الآية قوله: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا، فَأَلْقِهْ «٢» إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ [النمل/ ٢٨]
_________________
(١) في (ط): الظروف.
(٢) فألقه إليهم: قرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة بإسكان الهاء. وقرأ قالون بكسر الهاء من غير بلوغ ياء. وقرأه الباقون بصلتها بياء في الوصل. انظر الكشف لمكي ٢/ ١٥٩.
[ ٢ / ١٣٩ ]
فالمعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم فكما قدم قوله: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ والتقدير به التأخير، كذلك في آية الظّهار، التقدير بثمّ وما تعلّق به التأخير.
وقال أبو الحسن عبيد الله بن الحسين: التأويل: والذين يظّاهرون ثمّ يعودون [لِما قالُوا] «١» أي: يعودون إلى المقول فيه، والمقول فيه: هو القول. فما قالوا والمقالة والقول بمعنى، والمراد بقوله: لِما قالُوا هو المقول فيه. كما أنّ قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، يراد به مضروبه. وهذا الثوب نسج اليمن. يراد به منسوج «٢» اليمن. وهذا النحو كثير في كلامهم، كأنّهم وصفوا المفعول في هذا النحو بالمصدر كما وصفوا الفاعل به في قولهم: «رجل عدل» يراد به عادل. وماء غور أي غائر، فسوّوا بين الفاعل والمفعول في هذا كما سوّوا بينهما في إضافة المصدر إليهما. وفي بناء الفعل لكل واحد منهما.
ومما جاء فيه- المقالة يراد به القول قول «٣» كثير:
وإنّ ابن ليلى فاه لي بمقالة ولو سرت فيها كنت ممّن ينيلها
فالمقالة هنا يراد بها: المقول فيه. ألا ترى أنّ المعنى ولو سرت في طلبها، كنت ممن ينيله إيّاها. فإنما يسأل ويطلب
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): منسوجه.
(٣) سقطت من (ط) كلمة قول.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ما تعد به الملوك من صلاتها وجوائزها لا ما تلفظ به. وكان أبو الحسن يقول: إنّ ذلك بمنزلة قوله: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» «١» أي: العائد في موهوبه. قال: ألا ترى أن العود لا يكون إلى الهبة التي هي نطق بلفظ يوجب التمليك مع القبض. فإذا لم يجز ذلك، كان المراد الموهوب.
قال: ومن ثمّ لم يوجب أبو حنيفة الكفّارة على من حلف بعلم الله ثم حنث، لأن العلم صار في تعارف الناس:
المعلوم «٢»، ألا تراهم يقولون: غفر الله لك علمه فيك، وإنما يراد معلومه. فكذلك قوله: لما قالوا يراد به المقول فيه. ومن ذلك قوله: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[الروم/ ٢٧] والخلق هنا المخلوق، فهذا في المعنى كقوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف/ ٢٩] ألا ترى أن الذي يعاد هو الأجسام المنشرة.
فاللّام في قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا [المجادلة/ ٣] على قول أبي الحسن عبيد الله بن الحسين بمعنى إلى. وإلى واللام يتعاقبان في هذا النحو. ويقع كلّ واحد منها موقع الآخر. قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف/ ٤٣] وقال فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٢٣] وقال:
قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ
_________________
(١) الحديث: في صحيح البخاري ٣/ ٢١٥ كتاب الهبة وفضلها باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، وفي مسلم في كتاب الهبات ٣/ ١٢٤١ وانظر جامع الأصول ١١/ ٦١٥.
(٢) انظر كتاب الهداية للمرغيناني في الفقه الحنفي ٢/ ٧٣ وفتح القدير ٤/ ٩.
[ ٢ / ١٤١ ]
[يونس/ ٣٥] فوصل الفعل مرة باللام ومرة بإلى كما قال:
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥] وقال: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ [هود/ ٢٦].
فأمّا قوله: يَعُودُونَ في الآية، فهو في القولين يجوز على كلّ واحد من المذهبين اللّذين ذكرناهما في العود، من «١» أنّه يكون للحال التي يكون عليها الشيء، ثم ينتقل عنها «٢»، ثم يصير إليها «٣».
ويكون للمصير إلى الشيء، وإن لم يكن فيه قبا.
فقول أبي الحسن الأخفش «٤» تقديره: فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوه من لفظ الظهار الموجب للتحريم، ثم يعودون إلى نسائهم على ما كانوا عليه من قبل من وطئهنّ، ويجوز أن يكون: فتحرير رقبة لما قالوا، ثمّ يصيرون إلى استباحة وطئهنّ الذي كان قد حرم عليهم. وكذلك قول أبي الحسن: أي يصيرون إلى الحالة التي كانوا عليها من فعل الوطء. كما كانوا من قبل أن يحدثوا التحريم بالظّهار.
ويجوز أن يكون المعنى: ثمّ يصيرون «٥» إلى استباحة الوطء برفع الكفّارة التحريم الحادث ويخرجون عنه.
فإذا أمكن في الآية كلّ واحد من التأويلين اللذين تحتملهما الكلمة، لم يجز أن يدّعى: أنّ أحدهما هو الظاهر دون الآخر.
_________________
(١) في (ط): في.
(٢) في (ط): عنه.
(٣) في (ط): إليه.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): يعودون.
[ ٢ / ١٤٢ ]