اختلفوا في تحريك الدّال وتسكينها من قوله «٢»: بِرُوحِ الْقُدُسِ.
فقرأ ابن كثير وحده: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة/ ٨٧، ٢٥٣] مسكّنة الدّال وكذلك في جميع القرآن.
وقرأ الباقون: الْقُدُسِ مضمومة القاف والدّال «٣».
[قال أبو عليّ] «٤»: قوله «٥»: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أيّدناه: فعّلناه، من الأيد والآد، وهو القوة، ومثل الأيد والآد في
_________________
(١) في (ط): دفع فدائه.
(٢) في (ط): قوله ﷿.
(٣) السبعة ص ١٦٣.
(٤) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط).
(٥) في (ط): قوله تعالى.
[ ٢ / ١٤٨ ]
بنائهما على فعل وفعل: العيب والعاب، والذّيم والذام، وجاء في أكثر الاستعمال على فعّلناه لتصحّ العين الثانية لسكون الأولى «١»، وعلى هذا قوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ [المائدة/ ١١٠] ومن قال آيدناه «٢» صحّح العين، لأنه إذا صحّت في مثل: أجود، وأطيب، لزم تصحيحها في آيدناه «٢» لما كان يلزم من توالي الإعلالين. فمن التصحيح قوله:
ناو كرأس الفدن المؤيد «٤» ونظير هذا في كراهتهم توالي الإعلالين، ورفضهم ما يؤدي إليه قولهم: يَوَدُّ وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ [الأنفال/ ٧] فبنوا الماضي على فعل، ليلزمه في المضارعة يفعل. ولو كان الماضي فعل لكان المضارع مثل: يعد. فيلزم اجتماع إعلالين.
فأمّا روح القدس، فقال قتادة والسّدّيّ، والرّبيع والضّحّاك في روح القدس أنّه جبريل- وقال بعض المفسرين:
روح القدس: الإنجيل، أيّد الله عيسى به روحا، كما جعل القرآن روحا في قوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا
_________________
(١) انظر المحتسب ١/ ٩٥، ٩٦.
(٢) في (ط): أيدناه. ورسم المد في (م) بألفين: أيدناه.
(٣) هذا عجز بيت صدره: ينبي تجاليدي وأقتادها وعزاه البكري في السمط ١/ ١١٣ واللسان/ فدن/ إلى المثقّب العبديّ. الفدن: القصر المشيد ج: أفدان، شبه به السنام لعظمه، وناو: سمين من الني وهو الشحم. وينبي من نبا جنبه عن الفراش: إذا لم يستقر عليه. وتجاليدي: جسمي. وانظر المحتسب ١/ ٩٥ والمنصف ١/ ٢٦٩.
[ ٢ / ١٤٩ ]
[الشورى/ ٥٢] والقدس والقدس التخفيف والتّثقيل فيه حسنان وكذلك ما كان مثله نحو: العنق والعنق والطنب والطنب. والحلم والحلم.
وحكى أبو الحسن عن عيسى اطّراد الأمرين فيهما. ومما يدلّ على حسن التثقيل جمعهم ما كان على فعلة على فعلات.
نحو غرفة وغرفات- وركبة وركبات وهذا الأكثر في الاستعمال.
ومنهم من كره الضمّتين- فأسكن العين أو أبدل منها الفتحة نحو: ركبات. وكذلك من أسكن العين منه، والضمّ أكثر كما كان ظلمات أكثر. وأسكن أبو عمرو خُطُواتِ وحرّك الْقُدُسِ لأن الحركات في الجمع أكثر منها في الفعل، فأسكن لتوالي الحركات واجتماع الأمثال، ولا يلزمه على هذا الإسكان في الظلمات «١».
وأما القدس في اللغة فإن أبا عبيدة وغيره قالوا في قوله: وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة/ ٣٠] التّقديس: التطهير «٢». وقال غيره: إن ابن عباس كان يقول: المقدس: الطاهر، وقال الرّاجز:
الحمد لله العليّ القادس «٣» قال: وقالوا: قدّس عليه الأنبياء، أي: برّكوا.
وقال رؤبة:
دعوت ربّ القوّة القدّوسا «٤»
_________________
(١) في (ط): ظلمات.
(٢) مجاز القرآن ١/ ٣٦.
(٣) لم نعثر على قائله.
(٤) البيت لرؤبة بن العجاج وبعده: دعاء من لا يقرع الناقوسا انظر ديوانه/ ٦٨.
[ ٢ / ١٥٠ ]
قال: والمقدّس: المعظّم. وقال: قدّس عليه، أي:
برّك.
قال أبو عليّ: فكأنّ معنى نقدّس لك. ننزّهك عن السوء. فلا ننسبه إليك. ولا ما لا يليق بالعدل. وهذا الوصف في المعنى كقول أمية:
سلامك ربّنا في كلّ فجر بريئا ما تغنّثك الذّموم
«١» قال أبو عمر: سألت أبا مالك «٢» عن قوله: ما تغنّثك.
قال «٣» لا تعلّق بك. فاللام فيها على حدها في قوله «٤»:
رَدِفَ لَكُمْ [النمل/ ٧٢] ألا ترى أن المعنى تعظيمه وتنزيهه.
وليس المعنى أنه ينزّه شيء من أجله. ومثل ذلك في المعنى قولهم: سبحان الله، إنما هو براءة الله من السوء وتطهيره منه، ثم صار علما لهذا المعنى، فلم يصرف في قوله:
سبحان من علقمة الفاخر «٥»
_________________
(١) البيت لأمية بن أبي الصلت ديوانه/ ٤٨٠ وروايته: بريئا ما تليق بك الذّموم وفي اللسان والتاج/ غنث/: «بريئا ما تغنثك الذموم» الذموم: العيوب. وقال ابن دريد: ما تغنثك: أي ما تلصق بك. انظر جمهرة اللغة ٢/ ٤٦.
(٢) في (ط) أبا ملك.
(٣) في (ط): فقال.
(٤) في (ط): قوله سبحانه.
(٥) هذا عجز بيت للأعشى، وصدره: أقول لمّا جاءني فخره والعرب تقول: سبحان من كذا إذا تعجب منه، ديوانه/ ١٤٣ اللسان/ سبح/ سيبويه ١/ ١٦٣ والمقتضب ٣/ ١٨ الخزانة ٢/ ٤١ و٣/ ٢٥١.
[ ٢ / ١٥١ ]
وروح القدس: جبريل «١» كأنّه منسوب «٢» إلى الطّهارة، وذلك أنّه ممّن لا يقترف ذنبا، ولا يأتي مأثما، كما قد يكون ذلك من غيره.
وقولنا في صفة الله تعالى «٣»: القدّوس: أي: الطاهر المنزّه عن أن يكون له ولد، أو يكون في حكمه وفعله ما ليس بعدل.
فأمّا قولهم: بيت المقدس وقول «٤» الراجز:
الحمد لله العليّ القادس فيدلّ «٥» على أنّ الفعل قد استعمل من التقديس بحذف الزيادة، أو قدّر ذلك التقدير. فإذا كان كذلك لم يخل المقدس من أن يكون مصدرا أو مكانا. فإن كان مصدرا كان كقوله:
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان/ ١٥] ونحوه من المصادر التي جاءت على هذا المثال. وإن كان مكانا فالمعنى فيه «٦»: بيت المكان الذي فعل فيه الطهارة «٧»، وأضيف إلى الطهارة لأنه منسك كما جاء: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [البقرة/ ١٢٥] وتطهيره على إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، وكما جاء: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج/ ٣٠] كذلك وصف بخلاف الرّجس إذا أخلي منها، ومما لا يليق بمواضع النّسك، وإن قدّرت «المقدس» المكان لا المصدر كان المعنى: بيت مكان الطّهارة.
_________________
(١) في (ط): جبريل ﵇.
(٢) في (ط): نسب.
(٣) في (ط): سبحانه.
(٤) كذا في (ط) وفي (م) فقول.
(٥) في (م): يدل.
(٦) سقطت من (ط).
(٧) انظر شأن الدعاء ص ٤٠.
[ ٢ / ١٥٢ ]
فأمّا ما حكاه قطرب: من أنّهم يقولون قدّس عليه الأنبياء. أي: برّكوا عليه «١» فليس يخلو هذا المقدّس عليه من أن يكون موضع منسك، أو يكون إنسانا. فإن كان موضع نسك، فهو كدعاء إبراهيم ﵇ للحرم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم/ ٣٥]، فكذلك يجوز أن يكون تبريك الأنبياء دعاء منهم له بالتّطهير. وإن كان إنسيّا فهو كقوله:
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم/ ٦] وكما روي عن النبي ﷺ من دعائه للحسن والحسين «٢»، وهذا يؤول إلى ذلك المعنى، وكذلك من قال: المقدّس: المعظّم، إنما هو تفسير على المعنى، وكثيرا ما يفعل المفسّرون من غير أهل اللغة، ذلك لمّا رأوا ذلك لا يفعلون إلا بشيء يراد تعظيمه وتبرئته من غير الطّهارة. فسّروه بالمعظّم على هذا المعنى. والأصل: كأنّه التطهير الذي فسّره أبو عبيدة.
قال أحمد «٣»: وكلّهم قرأ (غلف) مخففة [البقرة/ ٨٨].
وروى أحمد بن موسى اللؤلؤيّ «٤»، عن أبي عمرو أنه
_________________
(١) كذا في (ط) وسقطت من (م).
(٢) ورد في دعاء النبي ﷺ للحسن والحسين في حديث أم سلمة الذي أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٩٢ قوله ﷺ عند ما أنزل الله ﷿: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الآية: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا». وانظر تهذيب الكمال ١/ ٢٦٩.
(٣) في (ط): أحمد بن موسى.
(٤) أحمد بن موسى بن أبي مريم أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر، ويقال: أبو
[ ٢ / ١٥٣ ]
قرأ: غُلْفٌ بضم اللام «١» والمعروف عنه التخفيف «٢».
قال أبو علي: ما يدرك به المعلومات من الحواسّ وغيرها من الأعضاء إذا ذكر بأنّه لا يعلم به، وصف بأنّ عليه مانعا من ذلك، ودونه حائلا. فمن ذلك قوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد/ ٢٤] كأنّ القفل لما كان حاجزا من المقفل عليه، وحائلا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يكن مقفلا، جعل مثلا للقلوب في أنّها لا تعي ولا تفقه. وكذلك قوله: لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [الحجر/ ١٥] أي: قد حارت وحسرت، فلا تدرك ما تدركه على حقيقة. فكأنّ شدة عنادهم يحملهم على الشكّ في المشاهدات. وكذلك قوله:
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي [الكهف/ ١٠١] فهذا كقوله: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [النمل/ ٦٦] وكقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة/ ١٨] لأن العين إذا كانت «٣» في غطاء لم ينفذ شعاعها، فلم يقع بها إدراك، كما أن الثّقل إذا كان في الأذن لم يسمع بها. فقوله «٤»: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصلت/ ٥] المعنى فيه: أنها لا تسمع للوقر فيها، كما لا تبصر العين في الغطاء.
_________________
(١) جعفر اللؤلؤي الخزاعي البصري صدوق، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري وعيسى بن عمر الثقفي، وإسماعيل القسط. روى القراءة عنه روح بن عبد المؤمن، ومحمد بن عبد الرومي، ونصر بن علي وعبد الكريم بن هاشم وخليفة بن خياط. (طبقات القراء ١/ ١٤٣).
(٢) قال القرطبي ٢/ ٢٠: قرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن: «غُلْفٌ» بضم اللام.
(٣) السبعة ١٦٤.
(٤) في (م) كان.
(٥) في (ط): وقوله تعالى.
[ ٢ / ١٥٤ ]