اختلفوا في قوله: جِبْرِيلَ وَمِيكالَ «١» [البقرة/ ٩٨] في كسر الجيم وفتحها، والهمز وتركه. والهمز في ميكائيل، والياء بعد الهمز من (جبرئيل وميكائيل).
فقرأ ابن كثير (جِبْرِيلَ) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، و(ميكائيل) مهموز في وزن ميكاعيل بعد الألف همزة، وياء بعد الهمزة. وروى محمد بن صالح البزّي عن شبل بن عباد عن عبد الله بن كثير: (جِبْرِيلَ) بلا همز و(ميكائل) مهموز مقصور «٢». وكذلك روى محمد بن سعدان عن عبيد بن عقيل عن شبل بن عبّاد عن عبد الله بن كثير (ميكائل) مهموز مقصور بزنة ميكاعل مثل نافع.
وحدّثني «٣» الحسين بن بشر الصوفيّ عن روح بن عبد المؤمن عن محمّد بن صالح عن شبل عن ابن كثير قال:
رأيت النبيّ ﷺ «٤» في المنام وهو يقرأ: جِبْرِيلَ وَمِيكالَ فلا أقرأهما أبدا إلا هكذا.
وقرأ نافع: (جِبْرِيلَ) بكسر الجيم والراء من غير همز (وميكائل) بهمزة بعد ألف «٥» وقبل اللام، ليس بعدها ياء، في وزن ميكاعل.
وقرأ أبو عمرو: (جِبْرِيلَ وَمِيكالَ) بغير همز. وكذلك روى حفص عن عاصم. وقرأ ابن عامر: (جِبْرِيلَ) مثل أبي عمرو (وميكائيل) بهمز بين الألف والياء ممدودة.
_________________
(١) في (ط): ميكايل.
(٢) في (ط): مقصور ومهموز.
(٣) في (ط): حدثني.
(٤) سقطت من (ط).
(٥) في (ط): الألف.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وقرأ عاصم في رواية يحيى عن أبي بكر وحماد بن سلمة عن عاصم (جبرئل) بفتح الجيم والراء، وهمزة بين اللام والراء غير ممدودة في وزن: جبرعل، خفيفة اللام و(ميكائيل) في رواية يحيى بهمزة بعدها ياء.
وقال الكسائيّ وحسين الجعفيّ عن أبي بكر عنه. وأبان عن عاصم: (جبرئيل وميكائيل) مثل حمزة، وكذلك روى أبان بن يزيد العطار عن عاصم، وحسين الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم.
وروى (ميكائل) مهموزة مقصورة في وزن ميكاعل مثل نافع.
وروى محمّد بن سعدان عن محمّد بن المنذر عن يحيى بن آدم عن أبي بكر عنه مثل حمزة.
وقرأ حمزة والكسائيّ (جبرئيل) و(ميكائيل) ممدودتين مهموزتين «١».
قال أبو علي: روينا عن أبي الحسن من طريق أبي عبد الله اليزيدي عن عمّه عنه أنه قال: في (جِبْرِيلَ) ستّ لغات: (جبرائيل، وجبرئيل، وجبرال، وجِبْرِيلَ، وجبرال، وجبريل) وهذه أسماء معرّبة، فإذا أتي بها على ما في أبنية العرب مثله، كان أذهب في باب التعريب.
يقوّي ذلك تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من
_________________
(١) السبعة ١٦٦ - ١٦٧.
[ ٢ / ١٦٤ ]
حروفهم، كتغييرهم الحرف الذي بين الفاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة، أو الفاء المحضة، كقولهم: البرند والفرند، وكذلك تغييرهم الحركة التي ليست في «١» كلامهم كالحركة التي في قول العجم: «زور وآشوب» «٢» يخلّصونها ضمّة، فكما غيّروا الحروف والحركات إلى ما في كلامهم، فكذلك القياس في أبنية هذه الكلم، إلا أنّهم قد تركوا أشياء من العجمية على أبنية العجم التي ليست من أبنية العرب.
كالآجرّ، والإبريسم، والفرند، وليس في كلام العرب على هذه الأبنية، فكذلك «٣» قول من قال: (جِبْرِيلَ) إذا كسر الجيم كان على لفظ (قنديل، وبرطيل) وإذا فتحها فليس لهذا البناء مثل في كلام العرب، فيكون هذا من باب الآجرّ، والفرند، ونحو ذلك من المعرّب الذي لم يجيء له مثل في كلامهم. فكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب. وكذلك القول في (مِيكالَ وميكائيل) وميكال: بزنة قنطار وسرداح «٤» و(ميكائيل) خارج عن أبنية كلام العرب.
فأمّا القول في زنة (مِيكالَ) فلا يخلو من أن يكون فيعالا أو مفعالا أو فعلالا. فلا يجوز أن يكون «٥» فيعالا، لأن هذا بناء يختصّ به المصدر كالقيتال، والحيقال «٦»، وليس هذا
_________________
(١) في (ط): من.
(٢) في المعجم في اللغة الفارسية: زور: قوة، غلبة. وآشوب: من آشوفتين: الاضطراب.
(٣) في (ط) وكذلك.
(٤) في (ط): سرداح وقنطار.
(٥) سقطت يكون من (م).
(٦) في الصحاح: حوقل الشيخ حوقلة وحيقالا: إذا كبر وفتر عن الجماع.
[ ٢ / ١٦٥ ]
الاسم بمصدر، ولا يجوز أن يكون مفعالا، فيكون من أكل أو وكل، لأنّ الهمزة المحذوفة من ميكائيل محتسب بها في البناء، فإذا ثبت ذلك صارت الكلمة من الأربعة، وبنات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أوائلها، إلا الأسماء الجارية على أفعالها، وليس هذا على ذلك الحدّ. فإذا لم يكن كذلك، ثبت أن الميم أصل كما كانت الهمزة في إبراهيم ونحوه أصلا ليست بزيادة.
ولا يجوز أيضا أن يكون فعلالا، لأنّ الهمزة المحذوفة من البناء مقدرة فيه. ونظير ذلك في حذف الهمزة منه والاعتداد بها، مع الحذف [في البناء] «١» قولهم: سواية، إنما هي سوائية: كالكراهية، وكذلك الهمزة المحذوفة من أشياء- على قول أبي الحسن- مقدّرة في البناء فكذلك الهمزة في ميكائيل.
فإن قلت: فلم لا تجعلها بمنزلة التي في حطائط وجرائض «٢»؟
فإن ذلك لا يجوز، لأن الدّلالة لم تقم على زيادتها كما قامت في قولهم: جرواض «٣». فهو إذن بمنزلة «٤» التي في برائل «٥»، وكذلك (جِبْرِيلَ) الهمزة التي تحذف منها ينبغي أن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من (ط).
(٢) الحطاطة والحطائط والحطيط: الصغير، (اللسان: حطط)، والجمل الجرائض: الأكول الشديد القصل بأنيابه الشجر. (اللسان: جرض).
(٣) الجرواض: الضخم العظيم البطن (اللسان).
(٤) في (ط): بمنزلة الياء.
(٥) البرائل: الذي ارتفع من ريش الطائر فيستدير في عنقه.
[ ٢ / ١٦٦ ]
يقدّر حذفها للتخفيف وحذفها للتخفيف لا يوجب إسقاطها من أصل البناء، كما لم يجز إسقاطها في سواية من أصل البناء، وإذا كان كذلك كانت الكلمة من بنات الخمسة.
وهذا التقدير يقوّي قول من قرأ: (جبريل وميكائيل) بالهمز لأنّه يقول: إن الذي قرأ: (جِبْرِيلَ) وإن كان في اللفظ مثل: برطيل، فتلك الهمزة عنده مقدرة. وإذا كانت مقدرة في المعنى، فهي مثل ما ثبت في اللفظ.
فأمّا «١» (إسرافيل) فالهمزة فيه أصل، لأن الكلمة من بنات الأربعة، كما كانت الميم من ميكائيل كذلك.
فإسرافيل من الخمسة كما كان جبرئيل كذلك. والقول في همزة إسرافيل وإسماعيل وإبراهيم مثل القول في همزة إسرافيل في أنها من نفس الكلمة، والكلمة بها من بنات الخمسة. وقد جاء في أشعارهم الأمران: ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك قال «٢»:
عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمّد وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا
وقال: «٣»
_________________
(١) في (ط) وأما.
(٢) البيت لجرير من قصيدة يهجو بها الأخطل. ديوانه/ ٤٥٠، تفسير القرطبي ٢/ ٣٨ وتفسير البحر المحيط ١/ ٣١٨.
(٣) البيت لحسان بن ثابت. ديوانه ١/ ١٨ تفسير البحر المحيط ١/ ٣١٨ وفيه: فينا مكان: منا.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وجبريل رسول الله منّا وروح القدس ليس له كفاء
وقال «١»:
شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة يد الدّهر إلا جبرئيل أمامها
وقال كعب بن مالك «٢»:
ويوم بدر لقيناهم لنا مدد فيه لدى النّصر ميكال وجبريل
وأما ما روي عن أبي عمرو من أنّه كان يخفف (جِبْرِيلَ) أو (مِيكالَ) ويهمز (إسرائيل)، فما أراه إلا لقلّة مجيء (إسرال) بلا همز وكثرة مجيء (جِبْرِيلَ وَمِيكالَ) في كلامهم والقياس فيهما واحد، وقد جاء في شعر أميّة (إسرال) قال:
لا أرى من يعيشني في حياتي غير نفسي إلا بني إسرال
«٣»
_________________
(١) البيت لحسان وروايته: «نصرنا» بدل «شهدنا» ديوانه ١/ ٥٢٢. القرطبي ٢/ ٣٧ تفسير البحر المحيط ١/ ٣١٨. ونسب البيت في الخزانة لكعب بن مالك ١/ ١٩٩، ٣٧٤، والتاج واللسان/ جبر/. وفي اللسان: قال ابن بري: ورفع «أمامها» على الإتباع بنقله من الظروف إلى الأسماء.
(٢) البيت من قصيدة وردت في السيرة ١/ ١٤٧، وفي القرطبي ٢/ ٣٨ والبحر المحيط ١/ ٣١٨، وفي اللسان (مكا) ونسبه لحسان بن ثابت.
(٣) ديوان أمية: ٤٤٥: وروايته يعينني بدل يعيشني. وقد عد المرزباني في الموشح ٣٦٥ البيت من عيوب الشعر، وجعل قوله: إسرال من التثليم،
[ ٢ / ١٦٨ ]
وليس قول من قال: إنّ (إيل، وإل) اسم الله «١»، وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال: عبد الله- بمستقيم من وجهين: أحدهما: أنّ (إيل، وإل) لا يعرفان في أسماء الله سبحانه في اللغة العربية، والآخر أنّه لو كان كذلك لم يتصرّف آخر الاسم في وجوه العربيّة، ولكان الآخر مجرورا، كما أنّ آخر عبد الله كذلك، ولو كان مضافا لوقع التعريب عليه على حدّ ما وقع في «٢» غيره من الأسماء المضاف إليها.