واختلفوا في: فَتَخْطَفُهُ [الحج/ ٣١] فقرأ نافع: فتخطفه الطير بفتح التاء والخاء والطاء مشددة «٣».
قال أبو علي: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري «٤» أنّ خطف يخطف أعلى من خطف يخطف.
وقال «٥» أبو الحسن: زعم يونس أن خطف يخطف أكثر في كلام العرب، وأنّها قراءة أبي عمرو، قال: وكذلك كان «٦»
_________________
(١) كذا في (ط)، وفي (م): تركوه.
(٢) في (ط): قال أحمد بن موسى.
(٣) السبعة ص ١٤٦.
(٤) سقط من (ط): إبراهيم بن السري. وهو الزجاج شيخ أبي علي الفارسي وتلميذ المبرد. وتقدمت ترجمته ص ١٩٨.
(٥) في (ط): قال.
(٦) «كان» ساقطة من (ط).
[ ١ / ٣٩٠ ]
يقرأ: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ [الصافات/ ١٠].
قال: والقراء لم يقرءوا إلا يخطف، وخطف مثل علم قال «١» ولا نعلم أحدا قرأ الأخرى.
فأما قوله تعالى: «٢» «فتخطفه الطير» فنذكره في موضعه إن شاء الله.
قوله تعالى: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة/ ٢٠].
كان حمزة يسكت على الياء من (شيء) «٣» قبل الهمزة سكتة خفيفة، ثم يهمز فيقول: شيء قدير، وكذلك يسكت على اللام من الْآخِرَةُ [البقرة/ ٩٤] والْأَرْضَ [البقرة/ ٢٢] والْأَسْماءَ [البقرة/ ٣١] وما أشبه ذلك.
وغيره من هؤلاء القراء يصل الياء من (شيء) بالهمز واللام من (الأرض) وأخواتها بالهمز بلا سكتة. «٤»
قال أبو علي: الحجة لحمزة في ذلك أنّه أراد بهذه الوقيفة التي وقفها تحقيق الهمزة وتبيينها، فجعل الهمزة بهذه الوقيفة التي وقفها قبلها على صورة لا يجوز فيها معها إلّا التحقيق، لأنّ الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدإ بها، والمبتدأ بها لا يجوز تخفيفها، ألا ترى أنّ أهل التخفيف لا يخفّفونها مبتدأة، فكذلك هذه الوقيفة آذنت بتخفيفها لموافقتها بها صورة ما لا يخفّف من الهمزات.
وقد زادوا مدّ الألف إذا وقعت قبل الهمزة نحو:
_________________
(١) «قال» ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): قال بدون تعالى.
(٣) في (ط): على كل الياء في شيء.
(٤) السبعة ١٤٦ من قوله تعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
[ ١ / ٣٩١ ]
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الحج/ ٦٣] ألا ترى أن المدّ الذي في الألف قبل الهمزة أزيد من المدّ الذي في الألف في نحو «١» قوله تعالى:
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] ليكون ذلك أبين للهمزة، فكذلك وقف حمزة هذه الوقيفة الخفيفة ليكون أبين للهمزة كما مدوا جميعا الألف زيادة مدّ ليكون أبين للهمزة.
روى «٢» ورش عن نافع أنّه كان يلقي حركة الهمزة على اللام التي قبلها مثل: (الأرض) و(الآخرة) و(الأسماء) ويسقط الهمزة، وكذلك إذا كان الساكن. آخر كلمة والهمزة أول الأخرى ألقى حركتها على الساكن وأسقطها مثل: (قد افلح)، «٣» و(من اله)، «٤» ونحو ذلك، إلا أن يكون الساكن الأول واوا قبلها ضمة مثل: قالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف/ ٢٩]، أو ياء قبلها كسرة مثل: فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة/ ٢٣٥] فإنّه لم يكن يلقي حركة الهمزة عليها، فإذا انفتح ما قبل الواو والياء وهي ساكنة ولقيتها همزة ألقى عليها حركة الهمزة. وأسقط الهمزة مثل: خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة/ ١٤] ونَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ [المائدة/ ٢٧] وما كان مثله «٥».
قال أبو علي: أما إلقاء نافع حركة الهمزة المتحركة على لام المعرفة في نحو: الأرض، والآخرة، والأسماء، وحذف الهمزة، فذلك قياس مستمر في الهمزة المتحركة إذا خففت،
_________________
(١) في (ط): من نحو.
(٢) في (ط): وروى. وهي كذلك في السبعة.
(٣) المؤمنون آية ١، والأعلى آية ١٤، والشمس آية ٩.
(٤) سورة القصص آية ٧١، ٧٢.
(٥) السبعة ١٤٧ من قوله: روى ورش ..
[ ١ / ٣٩٢ ]
وقبلها ساكن غير الألف، وسواء كان ذلك في كلمة واحدة، كقوله: الخب في السموات [النمل/ ٢٥] أو في كلمتين منفصلتين مثل: (قد افلح)، و(من اله)، فإذا خفّفت الهمزة فحذفت وألقيت حركتها على لام المعرفة الساكنة كان فيها لغتان:
منهم من يحذف همزة الوصل فيقول: لحمر.
ومنهم من لا يحذفها وإن تحرك ما بعدها فيقول: الحمر.
فأما وجه حذف هذه الهمزة في التخفيف، فإنها إذا أريد تخفيفها لم تخل من أن تحذف، أو تجعل بين بين، فلو جعلتها بين بين وقبلها ساكن لم يستقم، كما لا يستقيم أن يجتمع ساكنان، ألا ترى أنهم لم يخففوا الهمزة مبتدأة، وأنهم رفضوا تخفيفها على هذه الحال، كما رفضوا الابتداء بالحرف الساكن؟
فكما كانت في حكم الساكن في الابتداء، كذلك إذا جعلتها بين بين بعد الساكن.
ومما يبين وجوب حذفها أن الحركة في التقدير كأنّها تلي الحرف المتحرك بها والحرف «١» قبلها. يدلّك على ذلك أنّها لا تخلو من أن تكون قبله أو بعده، فلا يجوز أن تكون قبله، لأنّها لو كانت كذلك لكانت الياء من اليسار لا تنقلب واوا، والواو من الوعد لا تنقلب ياء في ميعاد أو موسر، «٢» ألا ترى أنّ الميم لا تقلب هذين الحرفين؟ فلما انقلبا علمت أن الموجب لقلبهما ملازمتهما الياء أو الواو.
_________________
(١) في (ط): أو الحرف.
(٢) في (ط): وموسر.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فإذا خففت الهمزة قبل ساكن لم تحذف نحو: رأيته، لأنّ الحركة قد فصلت- وإن أضعف الصوت بها- بين الهمزة المخففة والساكن.
فأمّا ترك نافع أن يلقي «١» حركة الهمزة في التخفيف على الواو إذا انضمّ ما قبلها نحو: قالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف/ ٢٩] وعلى الياء إذا انكسر ما قبلها نحو: فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة/ ٢٣٥] فإنّ ذلك لا يمتنع في قياس العربية. وقد قال أهل التخفيف في: اتبعوا أمره: اتبعوا مره، وفي: اتبعي أمره:
اتبعي مره، فلم يفصلوا بين هذا الحرف اللين إذا كانت حركة ما قبله منه، وبينه إذا لم تكن حركة ما قبله منه.
وقد فصل نافع بينهما فخفّف بعد ما لم تكن حركتها منها، نحو: خلو الى [البقرة/ ١٤] نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ [المائدة/ ٢٧] فألقى حركة الهمزة من إلى على الواو من (خلوا)، وحركة الهمزة من (نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ) على ياء التثنية من ابني، وليست حركة ما قبل كل واحد منهما منه، فيجوز أن يكون أراد الأخذ بالأمرين: بالتخفيف، والتحقيق، إلّا أنّه حقق الهمزة بعد الواو والياء إذا كانت حركة ما قبلهما منهما، لأنّه لو خفف ولم يحقق في «٢» قوله: (قالوا أنصتوا) لاختل بالتخفيف زيادة المدّ التي «٣» في الواو إذا ألقي عليها حركة الهمزة، فأحب أن يسلم المدّ ولا يخلّ به.
_________________
(١) كذا في (ط): وفي (م): لأن تلقى.
(٢) في (ط): في نحو.
(٣) في (ط): الذي.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وخفّف في: (خلوا إلى) و(ابني آدم)، لأنّه لمّا لم تكن حركة ما قبلهما منهما أمن اختلال المدّ بالتخفيف.
فأمّا إلقاء حركة الهمزة على ياء (في) من قوله: فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة/ ٢٣٥] فلا يمتنع في القياس، وذلك أنّها ليست كالتي في خطيئة، لأنّها من نفس الكلمة، فهو مثل:
يرمي خاه.
فإن قلت: فهل يجوز أن تدغم في المنفصل كما جاز إدغامها في المتصل نحو: فيّ خير فتجيز: فيّدها سوار؟ فالقول أن إدغامها في المنفصل لا ينبغي أن يجوز من حيث جاز في المتصل، ألا ترى أنّك تقول: هذا قاضيّ، ووضعته «١» في فيّ، فتدغم فيما هو غير منفصل، ولا يجوز أن تدغم هذا قاضي ياسر، ولا يغزو واقد، لما يختل من المدّ؟
وعلى هذا لم يجيزوا الإدغام في ظلموا واقدا، واظلمي ياسرا، وكان الإدغام في هذا أبعد لمعاقبة الألف الواو إذا قلت ظلما، فصار بمنزلة ساير وسوير، ولا يكون تخفيف الهمزة بعد في، كما «٢» قال أبو عثمان في ميئل: «٣» إنه يلزم أن تكون الهمزة فيها بعد الياء على قياس قول الخليل بين بين، وذلك أن الخليل لم يدغم أووم فلما لم يدغمه صار عنده بمنزلة سوير وقوول، والياء في ميئل هي التي لم يدغمها في مثلها ولا في
_________________
(١) في (ط): وسمعته من في.
(٢) «كما» ساقطة من (ط).
(٣) ميئل: لم نعثر عليها فيما بين أيدينا من مراجع، ويبدو أنها مفعل من وأل بمعنى لجأ، كمسعر من سعر الحرب: أوقد نارها.
[ ١ / ٣٩٥ ]
مقاربها، فصار بمنزلة الألف التي لم تدغم في شيء، ولم ينبغ أن تلقى عليها حركة الهمزة كما لم تلق على الألف، فلزم أن تجعل الهمزة بعدها بين بين كما كانت بعد الألف كذلك.
وهذه الياء التي في (في) وإن لم تدغم في المنفصل، كما لم يدغموا: هو يرمي ياسرا، فقد أدغمت في المتصل كما أدغم قاضيّ، فلا يمتنع أن تخفّف الهمزة بعدها. وتلقى حركتها عليها، كما ألقيت على الياء من يقضي وما أشبهه.
وأما «١» تخفيف الهمزة في «٢» قوله: شيء، فإنّه يكون بحذفها وإلقاء حركتها على الياء، كما كان في ضوء وسوأة.
ضو وسوة فكذلك تقول: شي.
وقد قال قوم في تخفيف الهمزة في المنفصل نحو: أبو أيوب: أبويّوب فأبدلوا من الهمزة الواو لمّا كان قبلها، وفعلوا ذلك في المنفصل لأمنهم الالتباس بباب قوّة وجوّ. وشبه قوم به المتصل فقالوا: ضوّ وسوّة، وهو ذوّنسه في ذو أنسه.
وقد حكي أن قوما قالوا في الياء: أنا أرميّ باك، في أنا أرمى أباك، فقياس هؤلاء أن يقولوا في تخفيف شيء شيّ، كما قالوا في ضوء: ضوّ، وسوّة، وموّلة «٣».
وقد قال: إن من قال: سوّة قال: سيّ، يريد في «٤» نحو
_________________
(١) في (ط): فأما.
(٢) في (ط): من قوله.
(٣) قال الصغاني في التكملة (وءل): وموألة، مثال مسعدة: من الأعلام. وجوز ابن جني أن يكون من (وأل) وأن يكون من (مأل) فيكون مفعلة، وفوعلة.
(٤) في (ط): يريد من.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قوله: سِيءَ بِهِمْ [هود/ ٧٧].
فأمّا ما قاله من نحو: مسوّ «١» فينبغي أن يكون أبدل من الهمزة الواو، وأدغم الواو التي هي عين فيها، لأن المبقّى عنده عين الفعل، وواو مفعول محذوفة.
وقياس قول أبي الحسن في مسوء بالتخفيف «٢» القياسيّ:
مسوّ، كما يقول «٣» في مقروءة: مقروّة، وفي قول «٤» سيبويه مسو، ومقرو، «٥» لأنّ الواو العين وليست المدة التي في مثل الهدوء، فتقول في تخفيفه الهدوّ. وإنّما مسوّ الذي ذكره على قوله سوّة كما قالوا في المنفصل: أوّنت «٦» فهذا التخفيف على القولين جميعا.
فأمّا القياس فعلى ما أعلمتك في القولين.
فأمّا قولهم: الكمأة والمرأة، فقياسهما الكمة والمرة، وقد قالوا: الكماة والمراة. «٧» والقول في وجه ذلك أنّ الذي قال:
الكماة، قدر أن حركة الكاف على الميم، كما أنّ الذي قال:
مؤسى، قدرها على الواو، فلذلك استجاز همزها، فإذا قدرها عليها صارت الميم في تقدير الحركة، والهمزة بعدها مفتوحة، فكان ينبغي أن يجعلها بين بين ولا يقلبها ألفا، إلّا أنّه استجاز
_________________
(١) في (ط): وأما ما قاله في مسو.
(٢) كذا في (ط): وفي (م): في التخفيف.
(٣) في (ط): تقول.
(٤) في (ط): في قياس قول سيبويه.
(٥) «ومقرو» ساقطة من (ط).
(٦) انظر الكتاب: ٢/ ١٧٠، وأصل أونت: أو أنت.
(٧) انظر الكتاب: ٢/ ١٦٥.
[ ١ / ٣٩٧ ]
القلب لأنّهم قد قالوا في الكلام: منساة «١» فقلبوا.
وجاء في الشعر:
لا هناك المرتع «٢» ونحوه، وإن شئت قلت: إنّه قدر الحركة التي على الهمزة على العين، فلمّا انفتحت العين صارت الهمزة في تقدير السكون، فلمّا خففتها قلبتها ألفا كالتي في راس وفاس. والوجه الأول أقيس، لأنّ الحركة التي بعد الكاف في الكمأة أقرب إلى الميم من التي على الهمزة، ألا ترى أن الهمزة تحجز بينها وبين الميم، فحركة الكاف أقرب إليها.
وهذا الوجه أيضا لا يمتنع، لأنّ الحركة والحرف كأنّهما معا لقرب ما بينهما، وإن كان في الحقيقة أحدهما يلي الآخر بلا كبير فصل.