فأمّا قول أبي عمرو: عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة/ ٦١] وإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس/ ١٤]، فتحريكه بالكسر ليس على حدّ قوله: قُمِ اللَّيْلَ [المزمل/ ٢] وأحدن الله [الإخلاص/ ١ - ٢]، ولكن كأن الأصل عنده في الوصل عليهمي، فحذف الياء استخفافا، كما حذف عاصم وابن عامر ونافع في إحدى الروايتين لذلك، فلمّا حرّك لالتقاء الساكنين، أتى بحركة الأصل التي هي الكسر «٣»، كما أتى أولئك بالضمّ،
_________________
(١) في البحر المحيط (٥/ ٤٦) أنها قراءة الأعمش، وزيد بن علي.
(٢) ضمت الواو اتباعا لضمة الراء، ولأن الواو من جنس الضمة، قال في البحر ٣/ ٢٨٤ وكسر النون وضم الواو من: «أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا»، أبو عمرو، وكسرهما حمزة وعاصم، وضمهما باقي السبعة.
(٣) في (ط): الكسرة.
[ ١ / ١١٠ ]
لأنّ الكسر في قوله: (عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) و(إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) على قوله في أنه أصل، نظير الضمّ في قول ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر، فكانت «١» حركة الأصل أولى من أن تجتلب حركة، كما أنّ «٢» تحريك مذ بالضمّ أولى. وعلى هذا قال سيبويه «٣»: في ترخيم رادّ اسم رجل على قول من قال: يا حار، يا راد أقبل، فحرّك لالتقاء الساكنين بالحركة التي كانت للحرف في الأصل، ولم يجعله بمنزلة ترخيم إسحارّ «٤»، لأنّ الراء الأولى فيه لا حركة لها في الأصل كحركة عين رادّ فأتبع الحركة ما قبلها، لأنّ حركة التقاء الساكنين تتبع كثيرا ما قبلها، كقولهم: ردّ وعضّ وفرّ، وكقولهم: انطلق.
فإن قلت: فقد قدّمت أن حركة الإتباع لا تطرّد، ولا يقاس عليها، قيل له: ليس هذا بقياس، ولكنه مسموع، كما أن مغيرة مسموع، وكما أن حليّ وعصيّ ومردّفين كذلك، ومع ذلك فقد اطّردت هذه الحركة في قول «٥» من قال: ردّ وعضّ وفرّ «٦» والأظهر في مردّفين أنه مطّرد في بابه.
وممّا يقوّي تحريك هذه الميم بالكسر من جهة القياس، أنّهم قد أتبعوا حركة الميم الدالة على اسم الفاعل الكسر، مع أنّ ذلك يزيل صورة دلالتها على ما أريد فيها. فإذا جاز في
_________________
(١) في (ط): فكان حركة الأصل.
(٢) في (ط): كما كان.
(٣) انظر الكتاب: ١/ ٣٤٠.
(٤) الإسحارّ بفتح الهمزة وكسرها: بقل يسمن عليه المال، واحدته إسحارة وأسحارة. اللسان/ سحر/. والمال هنا: الإبل.
(٥) في (ط): على قول من قال.
(٦) في (ط): رد، وفر، وعض.
[ ١ / ١١١ ]
ذلك كان في حركة علامة الضمير التي لا تتعلق بها دلالة على معنى أجوز. وممّا يقوّي إتباع الميم في الكسر الهاء، أنّ حركة الإتباع قد جاءت «١» عنهم مع حجز حرف بين الحركتين، وذلك قولهم: أجوءك في أجيئك ومنتن.
وأما قولهم: أنبؤك ومنحدر من الجبل، فإن قولهم:
منحدر تبعت الضمة فيه ضمة الإعراب، كقولهم: ابنم وامرو، وأخوك، وفوك، وذو مال. فأمّا قولهم: أنبؤك، فإن شئت أتبعت ضمّة العين ضمّة الإعراب مثل منحدر، وإن شئت أتبعتها ضمة همزة المضارعة، وإن كان الحرف قد حجز مثل منتن.
ومما يقوّي ذلك، أن أبا عثمان قال حدثني محبوب «٢» بن الحسن القرشي عن عيسى «٣»، قال: كان عبد الله بن أبي إسحاق يقرأ: بين المرء وقلبه «٤» [الأنفال/ ٢٤] ويقول: رأيت مرءا وهذا مرء.
_________________
(١) في (ط): قد جاء عنهم.
(٢) هو محمد بن الحسن بن هلال، ومحبوب لقبه، البصري مولى قريش مشهور كبير. روى القراءة عن أبي عمرو وغيره. طبقات القراء: ٢/ ١٢٣.
(٣) هو عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، مؤلف الجامع والإكمال، عرض القرآن على ابن أبي إسحاق وغيره. مات سنة ١٤٩. طبقات القراء: ١/ ٦١٣.
(٤) قال في البحر المحيط (٤/ ٤٨٢): وقرأ ابن أبي إسحاق بين المرء بكسر الميم، اتباعا لحركة الإعراب، إذ في المرء لغتان: فتح الميم مطلقا، واتباعها حركة الإعراب.
[ ١ / ١١٢ ]
ومن ذلك أنّهم قد احتملوا من أجل إتباع الحركات ما رفضوه في غيره وذلك قولهم: يخطّف، ويكتّب، فكسروا الياء في المضارعة اتباعا لما بعدها، ولولا ذلك لم تكسر الياء، لأن من يقول: أنت تعلم لا يقول: هو يعلم.
فأمّا ما حكاه من قولهم: هو يئبى، فليس مما يعترض به لشذوذه، فإنّما الكسرة في يخطّف لاستحباب قائله للإتباع «١»، كما أنّ من قال: ييجل، استجاز الكسر في الياء مع امتناعه في يعلم ليتوصل بذلك إلى قلب الواو ياء، فكذلك «٢» كسر فيما ذكرنا ليصل «٣» به إلى الإتباع.
قال أبو الحسن: من قال يخطّف كسر الخاء لاجتماع الساكنين ثم كسر الياء، أتبع الكسرة الكسرة وهي قبلها، كما أتبعها إيّاها وهي بعدها. وإتباع الآخر الأوّل في كلام العرب كثير، ويتبعون الكسرة الكسرة في هذا الباب. يقولون: قتّلوا وفتّحوا يريدون افتتحوا.
ومما يؤكد ذلك أن أبا الحسن قال: روى عيسى بن عمر أن بعض العرب يثقّل كل اسم أوّله مضموم إذا كان على ثلاثة أحرف، نحو: العسر، واليسر، والحكم، والرّحم. ومن الإتباع قولهم: هذا فوك ورأيت فاك، ومررت بفيك. ومثله قولهم: ذو مال، إلا أن ذو لا يضاف إلى المضمر، لمّا حذفت اللام من فم تبعت الفاء العين التي هي حرف الإعراب عندنا. فإن
_________________
(١) في (ط): الإتباع انظر الكتاب: ٢/ ٢٥٦.
(٢) في (ط): قال فكذلك.
(٣) في (ط): ليتوصل.
[ ١ / ١١٣ ]
أضفته إلى المتكلم، قلت: هذا فيّ ورأيت فيّ، وفي فيّ. ولا يجوز في موضع النصب فاي.
وإنما اتّفقت الألفاظ الثلاثة على لفظ واحد إذا أضاف المتكلم إلى نفسه، لأنّ حرف الإعراب ينقلب إلى الحرف المجانس للحركة التي تجب له، ألا ترى أنّه يكون في موضع الرفع واوا، وفي الجرّ ياء، وفي النصب «١» ألفا، ثم تتبعه الفاء؟
فكذلك إذا أضافه إلى نفسه انقلبت ياء؛ لأنّ حركة الحرف الذي يلي «٢» الياء في جميع أحواله الكسر «٣»، فإذا كان كذلك وجب أن يكون ياء في الأحوال الثلاث إذا أضفته إلى نفسك كما يكون في الجرّ، لاجتماع الحركتين على لفظ واحد، وليس هذا في موضع النصب إذا أضفته إلى نفسك بمنزلة عصاي، لأنّ حرف اللين في عصاي لا ينقلب بحسب الحركة التي تجب له كما ينقلب في فيك.
فأمّا «٤» افتراق الحركتين بأن إحداهما حركة إعراب، والأخرى حركة بناء، فليس ممّا يوجب اختلافا فيما ذكرنا، كما لم يوجب في قولهم: ابنم، ألا ترى أنهم أتبعوا النون فتحة التثنية في قولهم:
_________________
(١) في (ط): وفي موضع الجرّ ياء، وفي موضع النصب.
(٢) أي يدنو منها، ويتصل بها، من الولي، وهو القرب والاتصال من قبل ومن بعده. وهو هنا قبل الياء. انظر معاني القرآن: (١/ ٥، الحاشية: ٦).
(٣) في (ط): في جميع أحوال الاسم، وسقط لفظ الكسر.
(٤) في (ط): فإنما.
[ ١ / ١١٤ ]
ومنا لقيط وابنماه وحاجب مؤرّث نيران المكارم لا المخبي
«١» كما أتبعوها فتحة النصب فيما أنشده أبو زيد:
تبزّ عضاريط الخميس ثيابها فأبأست ربّا يوم ذلك وابنما
«٢» وقد قال قائل في قولهم ابنم: إن النون إنما جعلت حركته «٣» تابعة لحركة الميم، لأنّها قد كانت تتحرك بهذه الحركات، فزيدت الميم فتبعته لذلك. وليس هذا بمستقيم، لأنّهم قد فعلوا ذلك بامرئ، ولم يحذف منه شيء، ألا ترى أنّ الهمزة في تخفيف امرئ المسكّن الفاء تكون «٤» بين بين،
_________________
(١) البيت للكميت، ورواية اللسان ضرار بدل لقيط، ومؤجج بدل مؤرث. المخبي: وصف من أخبى النار: سكنها وأطفأها، وأخمد لهبها، انظر اللسان: (خبا).
(٢) من خمسة أبيات لضمرة بن ضمرة النهشلي، وفي رواية أبي حاتم: يوم ذاك أو. تبز: تسلب، وتأخذ، العضاريط: الأجراء الذين يخدمون، جمع عضروط كعصفور. الخميس: الجيش، أبأست: أظهرت البأس يوم ذاك والنجدة وقال أبو حاتم: فأظنه يهزأ به، وأراد أنك بئس الرب، وبئس الولد كنت للنساء المذكورات في قوله قبل الشاهد: جعلت النساء المرضعاتك جبوة لركبان شنّ والعمور وأضجما الرب: الملك هاهنا، وابنما: أراد وابنا، والميم زائدة مثلها في الرفع والجر، جبوة: مجبوات، أي يجبوها العدو ويجمعها، وأصل الجبو جمع الماء في الحوض، أو جعل العدو يجبيها كما يجبي الخراج. وشن والعمور: حيان من عبد القيس، وأضجم: حي من ضيعة بن ربيعة (انظر النوادر: ٥٣ - ٥٥).
(٣) في (ط): حركتها.
(٤) كذا في (ط) وفي (م): يكون.
[ ١ / ١١٥ ]
ولا تحذف لتحرّك ما قبلها، فيقول «١»: إنّ العين قد تحركت لحذف «٢» الهمزة، وجرى الإعراب عليها كما جرى على الباء من الخب «٣». ويدلّ على بعد اعتبار ذلك، أنّهم أتبعوها الفاء فيما حكيناه عن ابن أبي إسحاق، مع أنّها لا يجوز أن تتحرك بحركة إعراب، فتحريك النون من ابنم على حدّ تحريك الفاء من المرء. على أنّهم قد قالوا: غد فحذفوا، وغدو، فأتمّوا، ولم يفعلوا به ما فعلوا بفم، وهو مثله في الزنة، وفي أن نقص مرّة وأتمّ أخرى.
وما ثبت «٤» مما ذكرناه من قولهم في فيّ «٥» يدلّ على فساد قول من قال: إن هذه الكلم «٦» معربة من مكانين. ألا ترى أنهم أتبعوا حركة البناء، كما أتبعوا حركة الإعراب في هذا وفي تثنية ابنم في قوله: وابنماه. والحركة التي تتبع الحركة على ضربين: أحدهما: إتباع حركة ليست للإعراب حركة ليست للإعراب نحو: مغيرة، ومنتن، ويعفر، وظلمات، والآخر: إتباع حركة ليست للإعراب حركة إعراب، وذلك مثل: امرؤ، وابنم، وفوك، وأجوءك، وأنبؤك، والحرف «٧» المذكور في الكتاب
_________________
(١) في (ط): فتقول، وهو متصل بقوله: لم يحذف منه شيء.
(٢) في (ط): بحذف.
(٣) في (ط): من الخبء.
(٤) في (ط): ومما ثبت، وهو تحريف.
(٥) في (ط): في قولهم فيّ.
(٦) في (ط): إن هذه الكلمة.
(٧) في هامش (ط): «الحرف الذي حكاه سيبويه: «اضرب الساقين إمّك هابل». أتبع فيه حركة الإعراب حركة البناء، وذلك أن الميم مرفوعة فكسرها اتباعا لكسرة الهمزة، التي أتبعت كسرة النون في الساقين، لأن
[ ١ / ١١٦ ]
بعكس هذه القسمة، من النادر الذي لا حكم له. وهو مثل تشبيههم حركة الإعراب بحركة البناء في نحو:
أشرب «١» غير مستحقب «٢» شبهه بعضد.
فأمّا ما قيل من قولهم: فَلِأُمِّهِ «٣» [النساء/ ١١]، فإنّه يذكر في هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله.