من حجّته أن الهاء وإن كانت خفيّة فليس يخرجها ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها- نحو الراء والضاد- وأنّ الهاء والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والضاد- وإن كان في الراء تكرير وفي الضاد استطالة- وإذا «١» كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها.
وأمّا اجتماع الحروف المتشابهة فلم يكرهها في هذا الموضع، كما لم يكره اجتماعها في غيره، ألا ترى أن كثيرا «٢» قد قالوا: استطاع. فأتمّوا ولم يحذفوا منه شيئا، وفي التنزيل:
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران/ ٩٧]، وقالوا جميعا:
استدار واستثار فلم يحذفوا، وقالوا: سدس وعتد «٣» وعتدان، ووطد يطد. والهاء وإن كانت جرت متحرّكة في القوافي مجرى غيرها ساكنا «٤» في نحو: خليلها، فقد جرت في القوافي أيضا مجرى غيرها من الحروف متحرّكة وساكنة. فالمتحركة نحو قوله:
.. سود قوادمها صهب خوافيها
«٥»
_________________
(١) في (ط): فإذا.
(٢) في (ط): أن كثيرا منهم.
(٣) عتد على وزن رسل جمع رسول، وعتدان جمع عتود على وزن: قعود وهو الحولي من أولاد المعز.
(٤) في (ط): ساكنة.
(٥) عجز بيت من قصيدة، ذكر القالي في الذيل أن أبا عبيدة صحح روايتها
[ ١ / ٢١١ ]
فهي حرف الرويّ، كالكاف في: جواريكا.
والساكنة نحو قوله:
وبكّي النساء على حمزة «١»
.. وتقول سعدى وا رزيّتيه
«٢» فهي هاهنا كالياء والواو والألف.
وأما الإدغام في (فيه هدى) فلم يذكره أبو بكر أحمد بن موسى عن أحد منهم في هذا الموضع من كتابه فنقول فيه. وما ذكره محمد بن السريّ في رواية من روى عن أبي عمرو وغيره أنّه كان يشمّ ويدغم- من «٣» أنّ ذلك محال لا يمكن- فإنّ الإشمام لا يمتنع مع الإدغام، وذلك أنّ الإشمام عند النحويين ليس بصوت فيفصل بين المدغم والمدغم فيه، وإنّما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت الذي هو الضم ليدلّ عليه، وليس بخارج إلى اللفظ، كما أن تبقية الإطباق مع الإدغام كما ذكرنا
_________________
(١) لعليل بن الحجاج الهجيمي، أولها: أمّا القطاة فإنّي سوف أنعتها نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها سكّاء مخطومة في ريشها طرق سود قوادمها صفر خوافيها سكاء: لا أذن لها، ومخطومة: بيضاء الأنف، في ريشها طرق بفتحتين، أي: بعضها على بعض في لين. وانظر القصيدة في نوادر القالي ١/ ٢٠٩.
(٢) تقدم هذا الشاهد ص/ ٧٣.
(٣) عجز بيت لعبيد الله بن قيس الرقيات من قصيدة يرثي بها قوما من قريش قتلوا بالمدينة يوم الحرة، وتمامه: تبكيهم أسماء معولة وتقول سلمى وا رزيّتيه وانظر الكتاب: ١/ ٣٢١، وفيه: دهماء مكان أسماء.
(٤) في (ط): في أن.
[ ١ / ٢١٢ ]
في الضمّ، وإذا كان كذلك لم يمتنع مع الإدغام كما لم يمتنع تبقية الإطباق معه، ألا ترى أنّه لا يمتنع أن يدغم ويهيّئ العضو «١» لإخراج الضمة إلى اللفظ فلا يخرجها كما لم يمتنع ذلك في الوقف إذا قلت: هذا معن «٢» وعلى هذا قرءوا:
ما لَكَ لا تَأْمَنَّا «٣» [يوسف/ ١١] فأشمّوا النون المدغمة، لأنّها كانت مرفوعة ليدلّوا بالإشمام على الرّفعة التي كانت في الحرف، كما دلّوا بإبقاء الإطباق على أنّ الحرف المدغم كان مطبقا. ولو كان مكان الإشمام روم الحركة لامتنع الرّوم «٤» مع الإدغام، لأنّه صوت يحجز، ألا ترى أنّهم يزعمون أنّه يفصل بروم الحركة بين خطاب المذكر والمؤنث، نحو: ضربتك وضربتك فهذا لا يمكن الإدغام معه، لأنّ هذا الصوت يفصل وإن كان مخفى غير مشبع، كما تفصل الحركة المشبعة الممطّطة.
ولعلّ أبا بكر ظنّ أنّ القرّاء ليس يعنون بالإشمام ما يعني به النحويون في أنّه تهيئة العضو للصوت وهمّ به، وليس بخروج إلى اللفظ. والذي أحسب أنّه من أجله ظنّ ذلك حكايته عن أبي حاتم أنّه أراد أبو عمرو ونافع الإخفاء، فلذلك أشمّا الضمّ والكسر، والإشمام إنّما يكون عند النحويين في الضمّ، فأمّا الكسر فلا إشمام فيه. وذلك أنّ الإشمام إنّما هو
_________________
(١) في: (ط) أن يدغم ويهيأ بالبناء للمجهول.
(٢) كتب في (م) فوق (معن) ضمة إشارة إلى الإشمام.
(٣) كتب في (م) فوق (تأمنا) فتحة وضمة على الميم إشارة إلى إشمام الضم.
(٤) انظر سيبويه ٢/ ٢٨١، ٢٨٢ والنشر ١/ ٢٩٦ للوقوف على معنى الروم.
[ ١ / ٢١٣ ]
تحريك الشفتين يراه البصير دون الأعمى، فيستدلّ بذلك على إرادة الفاعل لذلك الضمّ، «١» وليس هذا في الكسر، لأنّه لا فائدة فيه لبصير ولا لأعمى من حيث لا يظهر للرائي، فلمّا رأى أبا حاتم حكى ذلك في الجرّ كما حكاه في الضمّ، قدّر أنّهم يعنون به الحركة دون ما يعني به «٢» النحويّون ممّا ذكرنا.