فأمّا قول حمزة والكسائي: (عليهم الذلة)، و(من دونهم امرأتين)، فإنّ تحريك حمزة الميم، في: عليهم ولديهم، وإليهم، خاصّة بالضم مستقيم حسن، وذلك أنه يضم الهاء في
_________________
(١) هذه الهمزة إنما تكسر إذا كان قبلها كسرة أو ياء. انظر الكتاب ٢/ ٢٧٢.
(٢) في حاشية (ط): «سكن الباء من أشرب، ويروى: فاليوم فاشرب، فعلى هذه الرواية لا حجة فيه وقد قرأ النحويون بتسكين الباء فقالوا فاليوم » وهذه الرواية هي رواية الديوان من زيادة الطوسي. انظر ص ٢٥٨ منه.
(٣) هو من قول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل المستحقب: المتكسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة. الواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع. يقول هذا حين قتل أبوه، ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به، فلما أدرك ثأره حلت له بزعمه، فلا يأثم في شربها. إذ قد وفى بنذره. (انظر الكتاب: ٢/ ٢٩٧، والديوان: ١٢٢ وفيه: أسقى مكان أشرب. ولا شاهد فيها، والخزانة: ٣/ ٥٣٠ وشرح أبيات المغني ٦/ ٦٢).
(٤) وهي قراءة حمزة الكسائي (انظر النشر: ٢/ ٢٤٨).
[ ١ / ١١٧ ]
هذه الأحرف ولا يكسرها، فإذا ضمّها لم يكن في تحريك الميم إلا الضمّ، ولم يجز الكسر، ألا ترى أنّه لم يكسر الميم أحد ممّن ضمّ الهاء، نحو: عليهم الذلة، وإنما يكسر هذه الميم لالتقاء الساكنين من يكسر الهاء فيتبعها حركة الميم؟ واجتماعهم على ذلك يدلّ على أنّ المحرّك لالتقاء الساكنين إذا كانت له حركة أسكن عنها، كان تحريكه بتلك الحركة التي كانت له «١» أولى من اجتلاب حركة لالتقاء الساكنين لم يتحرك الحرف بها في غير التقائهما. وعلى هذا قالوا: مذ اليوم، فحركوا الذال بالضمّ، فكذلك تحريك حمزة هذه الميم في (عليهم) والحرفين الآخرين «٢» بالضم.
وأمّا موافقة الكسائيّ له في عليهم ولديهم، واتفاقهما على تحريك الهاء من ضمير المجرور أو المنصوب «٣» المجموع بالضم إذا لقيت الميم ساكنا مع كسرهما هذه الهاء في غير هذه المواضع إلّا ما انفرد به حمزة في عليهم وإليهم ولديهم فوجهه أن ذلك لغة، كما أن الكسر لغة، فكأنّهما أحبّا أن يأخذا باللغتين جميعا، كما قرأ «٤» غيرهما: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً «٥» [الأنعام/ ٣٧] وكما قرئ: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة/ ١٨٥] ولتكملوا «٦»
_________________
(١) كذا في (ط)، وفي (م) لها، وهو تحريف.
(٢) يريد لديهم وإليهم.
(٣) في (ط): والمنصوب.
(٤) كذا في (ط)، وفي (م) كما قال.
(٥) وفي النشر (٢/ ٢٥٨): أن ابن كثير يقرأ «ينزل آية» مخففا، وفي (ط): «وقالوا لولا أنزل» ولم نعثر على قراءة بالهمز.
(٦) قرأ: أبو عمرو وأبو بكر بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف انظر البحر
[ ١ / ١١٨ ]
العدة وكما قال: لا يألتكم من أعمالكم شيئا، ولا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ «١» [الحجرات/ ١٤] ونحو ذلك، ممّا قد أخذ فيه بلغتين وأكثر، نحو قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ «٢» [الإسراء/ ٢٣]. وفي ذلك توسعة وتسهيل وأخذ بظاهر الخبر المأثور: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف» «٣».
ومثل قولهما في هذا من الأخذ باللغتين، ما روي عن نافع من قراءته مرة: (عليهمو) وأخرى (عَلَيْهِمْ).
فإن قلت: فإن «٤» حركة التقاء الساكنين حركة غير معتدّ بها لأدلة قامت على ذلك، وإذا لم يعتدّ بها وجب ألّا تتبع غيرها، فيلزم ألّا تضمّ الهاء معها كما لا يضمها «٥» إذا لم تكن الميم متحركة، فإذا ضمّ الهاء في هذا الموضع دون غيره فكأنّه أتبع حركة الهاء التحريك لالتقاء الساكنين قيل: إنّ هذا الكلام مما يجوز أن يرجّح به قول من خالفهما في ذلك فإذا «٦» تؤول قولهما على ما قدمناه لم يدخل هذا السؤال عليه «٧».
_________________
(١) المحيط ٢/ ٤٢ والنشر ٢/ ٢٢٦.
(٢) قرأ البصريان يألتكم بهمزة ساكنة بين الياء واللام، وقرأها الباقون بكسر اللام من غير همز (انظر النشر: ٢/ ٣٧٦).
(٣) قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب (أف) بفتح الفاء من غير تنوين، وقرأ المدنيان وحفص بكسر الفاء مع التنوين، وقرأ الباقون بكسر الفاء من غير تنوين (انظر النشر: ٢: ٣٠٦ و٣٠٧).
(٤) ورد الحديث بروايات مختلفة. انظر مسند أحمد ٥/ ٤١، ٥١، ١١٤، ١٢٢.
(٥) في (ط): إن.
(٦) في (ط): كما لا تضمها.
(٧) في (ط): وإذا.
(٨) عليه سقطت من (ط).
[ ١ / ١١٩ ]
فأما الأدلة على أنّ التحريك لالتقاء الساكنين غير معتدّ به، فمنها أنّهم قالوا «١»: رمت المرأة وبغت الأمة. فحذفوا الألف المنقلبة عن اللام لسكونها وسكون تاء التأنيث، ولمّا حركت التاء لالتقاء الساكنين لم يردّ الألف ولم يثبت كما لا يثبت «٢» في حال سكون التاء. وكذلك: لم يخف الرجل، ولم يقل القوم، ولم يبع الناس وقُمِ اللَّيْلَ [المزمل/ ٢].
ولو كانت الحركة معتدا بها لثبتت العين كما ثبتت في: لم يقولا، ولم يخافا. ومن ثم ثبتت العين مع الخفيفة والشديدة «٣»، إذا قال: قولن ذاك، وبيعنّ هذا.
فدلّ أن التحريك ليس لالتقاء الساكنين.
فإن قلت: فقد جاء:
أجرّه الرّمح ولا تهاله «٤» فردّ الألف التي كانت حذفت للجزم، واللام التي بعدها متحركة لالتقاء الساكنين، فهلّا دلّ ذلك على الاعتداد بحركة التقاء الساكنين وقوّى ذلك قول من قال: (عليهم الذلة)، و(من دونهم امرأتين)، فضمّ الهاء لمّا انضمت الميم. فالقول: إنّ ذلك من القلّة «٥» بحيث إن لم يعتبر به المعتبر كان المذهب على أنّ الألف يجوز أن تكون على حدها في «منتزاح» «٦».
_________________
(١) في (ط): أنهم قد قالوا.
(٢) في (ط): لم ترد ولم تثبت كما لا تثبت.
(٣) كذا في (ط)، وفي (م) والثقيلة.
(٤) عجز بيت سبق في ص ٦٦.
(٥) في (ط): في القلة.
(٦) انظر ص/ ٨١ من هذا الكتاب فهو إشارة إلى البيت: وأنت من الغوائل حين ترمى ومن ذم الرجال بمنتزاح
[ ١ / ١٢٠ ]
فإن قلت: فقد اعتد بحركة «١» التقاء الساكنين في موضع آخر، وذلك قوله «٢»: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة/ ١]، ألا ترى أنّ من يقول: لم يك زيد منطلقا، إذا تحرك لالتقاء الساكنين لم يحذف. كما أنّه إذا تحرك بحركة الإعراب لم يحذف؟ فالقول: إنّ ذلك أوجه من الأول، من حيث كثر في الاستعمال. وجاء به التنزيل. فالاحتجاج به أقوى.
فأمّا حذف الشاعر له مع تحركها بهذه الحركة كما يحذفها إذا كانت ساكنة فإن هذه الضرورة من ردّ الشيء إلى أصله نحو: «ضننوا» «٣» لأنّ الاستعمال فيه الإثبات كما أعلمتك «٤».
فهذا يجري مجرى (اسْتَحْوَذَ) في أن القياس كان على نظائره أن يعلّ، كما كان القياس في النون أن يستعمل حذفها في حال السعة إذا كانت الحركة غير لازمة ولكن الاستعمال جاء بغيره.
ومن ذلك قولهم: اضرب الاثنين. واكتب الاسم.
فحركت اللام من افعل بالكسر لالتقاء الساكنين. ثم لمّا حركت لام المعرفة من الاثنين والاسم «٥» لم تسكن اللام من افعل كما لم تسكنها في نحو: اضرب القوم، لأن تحريك اللام لالتقاء
_________________
(١) في (ط): بتحريك.
(٢) في (ط): قولهم.
(٣) من قول قعنب بن أم صاحب: مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا انظر الكتاب ١/ ١١، ٢/ ١٦١ والنوادر/ ٤٤ وشرح شواهد الشافية ٤٩٠.
(٤) كما أعلمتك ساقطة من (ط).
(٥) في (ط) من الاسم والاثنين.
[ ١ / ١٢١ ]
الساكنين، فهي في تقدير السكون، فكما أنّ لام افعل إذا وقع بعدها ساكن يحرك ولا يسكن «١»، فكذلك إذا وقعت بعدها حركة لالتقاء الساكنين، تحرك من حيث كانت الحركة غير معتد بها، فصارت من أجل ذلك في حكم السكون.
فإن قلت: فكيف «٢» حرّكت لام المعرفة في اضرب الاثنين لالتقاء الساكنين، وهلّا حرّكت الثاء «٣» لأنهما في كلمة واحدة، والساكنان إذا التقيا في كلمة واحدة حرّك الثاني منهما، نحو أين وكيف؟. فالقول في ذلك أنّ لام المعرفة، وإن كانت بمنزلة ما هو من نفس الحرف لدخول العامل عليها، وأنّها أشدّ اتصالا بالكلمة التي هي فيها من حرف التنبيه في قولهم: هذا، ونحوه لاكتساب «٤» الكلمة بها معنى لم يكن لها إذا لم يدخلها «٥». فالقول: إنها قد جرت مجرى المنفصل منها لمّا لم تكن أصلا فيها كما كان في التذكّر كذلك، وذلك قولهم: ألي، إذا تذكروا، نحو: الخليل، والقوم، ولذلك كرّرت في قوله:
بالشحم إنّا قد مللناه بجل «٦»
_________________
(١) في (ط): تحرك ولا تسكن.
(٢) في (ط): كيف.
(٣) كذا في (ط)، وفي (م) التاء، وهو تحريف.
(٤) في (ط): لاكتساء.
(٥) في (ط): لم تدخلها.
(٦) قائله غيلان بن حريث الربعي، وقبله: دع ذا وعجل ذا وألحقنا بذل قال سيبويه: قال الخليل: «ومما يدل على أن أل مفصولة من الرجل ولم يبن عليها، وأن الألف واللام فيها بمنزلة قد، قول الشاعر: «دع ذا» إلخ. وقال الأعلم: «الشاهد في قوله بذل، وأراد بذا الشحم، ففصل لام التعريف من الشحم، لما احتاج إليه من إقامة القافية، ثم أعادها في الشحم، لما استأنف ذكره بإعادة حرف الجر. ومعنى بجل: حسب،
[ ١ / ١٢٢ ]
ويدل على أن التحريك للساكنين «١» غير معتدّ به، أنهم قالوا في الجزم: لم يضربا، ولم يضربوا، فحذفوا النون في هذه المواضع، كما حذفوا الألف والياء والواو «٢» السواكن إذا كنّ لامات، من حيث عودلن بالحركة، ولو كانت حركة النون معتدّا بها لحذفت هي من دون الحرف، كما فعل ذلك بسائر الحروف المتحرّكة إذا لحقها «٣» الجزم. ويدلّ على ذلك أيضا اتفاقهم على أن المثلين إذا تحرّكا ولم يكونا للإلحاق أو شاذا عن الجمهور، أدغموا الأوّل في الآخر، وقالوا: اردد ابنك واشمم الريحان، فلم يدغموا في الثاني إذا تحرك لالتقاء الساكنين، كما لم يدغموه قبل هذا التحريك، فدلّ ذلك على أنّ التحريك لالتقاء الساكنين لا اعتداد به عندهم. ويدلّ على ذلك أيضا أنّ الواوات إذا تحرّكت بالضمّ، جاز أن تبدل منها الهمزة. نحو: أقّتت «٤» وأدؤر «٥» والنئوور «٦»، و:
كأن عينيه من الغئور «٧»
_________________
(١) يقال: بجلي كذا، أي: حسبي وكفاني» (انظر الكتاب: ٢/ ٦٤، ٢٧٣) وفي (ط) والخصائص (١/ ٢٩١): الشحم، بدون الباء.
(٢) في (ط): للساكن.
(٣) في (ط): والواو والياء.
(٤) في (ط): إذا لحقه.
(٥) التوقيت: تحديد الوقت، وقرئ: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ «المرسلات/ ١١» بالواو والهمز (انظر الكشاف/ ٤: ٥٤٢).
(٦) أدؤر: ديار، جمع دار، كأدور.
(٧) النئوور، كصبور: النيلج، ودخان الشحم، وحصاة كالإثمد تدق فتسفها اللثة، والمرأة النفور من الريبة.
(٨) قائله العجاج، ديوانه ١/ ٣٤٦ وبعده: بعد الإنى وعرق الغرور قلتان في صفح صفا منقور
[ ١ / ١٢٣ ]
ولم يبدلوا الهمزة منها إذا تحركت بالضم لالتقاء الساكنين، كما لم يبدلوها منها إذا كانت ساكنة لمّا لم يكن بتحريك الساكنين اعتداد. والذي حكي من همز بعضهم لذلك يجرى مجرى الغلط.
وقد جعلوا ما لم يلزم من الحركات كما لم يلزم من حركة التقاء الساكنين في أن لم يعتدّ به، كما لم يعتدّ بالتحريك لالتقائهما، وذلك لاجتماع الصنفين في أنّ الحركة فيهما غير لازمة. فمن ذلك قولهم: رمتا وغزتا، لما لم تلزم حركة التاء وإنّما هي لمجاورة الألف، لم يعتدّ بها، فلم تردّ الألف المنقلبة عن اللام في فعل كما لم تردّ في رمت المرأة لمّا كانت حركة التاء غير لازمة، كما كانت في رمت المرأة كذلك.
فإن قلت: فقد وقع الاعتداد بها في قوله:
لها متنتان خظاتا «١»
_________________
(١) أذاك أم حوجلتا قارور الغئور: مصدر غار بمعنى ذهب. القلت: نقرة في الحجر. الصفح: الجانب. الصفا: الحجر الصلد لا ينبت جمع صفاة. الحوجلة: قارورة صغيرة واسعة الرأس (وانظر الاشتقاق ١٨، والصحاح «حوجلة» وأراجيز العرب/ ٨٨)، مع خلاف في الروايات الثلاث.
(٢) من قول امرئ القيس: لها متنتان خظاتا كما أكبّ على ساعديه النّمر المتنتان من الظهر: مكتنفا الصلب. خظاتا من قولهم: خظا لحمه يخظو خظوّا: اكتنز وامتلأ. كما أكب ، يريد: كأن فوق متنيها نمرا باركا (انظر شرح ديوان امرئ القيس للسندوبي/ ٩٨، وشرح شواهد الشافية/ ١٥٦ وما بعدها والبيت من شواهد شرح أبيات المغني للبغدادي ٤/ ٢١٣ وفي اللسان/ خظا).
[ ١ / ١٢٤ ]
فالقول فيه أنّه بمنزلة ما تقدّم من قوله: ولا تهاله «١». وقد قيل: إنّه حذف منها نون التثنية، وليس ذلك عندنا بأوجه القولين، لأنّ حذف نون التثنية إنّما جاء في الموصولة نحو:
إن عمّيّ اللّذا قتلا
«٢»
ونحو:
الحافظو عورة العشيرة «٣» ..
والحذوف تخصّص ولا تقاس.
وكذلك قول من ذهب إلى الحذف في قوله:
قد سالم الحيّات منه القدما «٤»
_________________
(١) انظر ص ١٢٠.
(٢) من قول الأخطل: أبني كليب إن عمّيّ اللذا قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا بفخر على جرير، وهو من بني كليب بن يربوع، بمن اشتهر من قومه من بني تغلب وساد، كعمرو بن كلثوم قاتل عمرو بن هند الملك، وعصم بن أبي حنش قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر يوم الكلاب. (انظر الكتاب: ١/ ٩٥، الخزانة: ٢/ ٤٩٩، وشرح أبيات المغني ١/ ٢٣٧ و٤/ ١٨١، اللسان/ خظا).
(٣) بقيته: .. لا يأتيهم من ورائنا نطف في الكتاب (١/ ٩٥): أنّه لرجل من الأنصار. قال الأعلم: ويقال: هو قيس بن الخطيم، وفي الخزانة (٢/ ١٨٨) أنّه من قصيدة لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، وقد روى القصيدة، وهو فيها التاسع. النطف: الذنب. ويروى: وكف، وهو: العيب والإثم.
(٤) بعده: الأفعوان والشجاع الشّجعما وذات قرنين ضموزا ضرزما
[ ١ / ١٢٥ ]
ولا يقوى «١» ما ذهبوا إليه من قول «٢» أبي دواد:
ومتنان خظاتان كزحلوف من الهضب
«٣» لأنّ هذا يكون تثنية والأول مثال ماض كغزا أو رمى «٤» ومن ذلك قولهم: اضرب الاجل، لمّا كانت حركة اللام حركة الهمزة ولم تكن لازمة في قول من حقّق، كما لم تلزم حركة التقاء الساكنين، أقررت الكسرة على الباء، كما أقررتها في اضرب الاثنين، لاجتماع الحركتين في أنّهما لا تلزمان.
وعلى هذا تقول: ملآن.
وما أنس م الأشياء «٥»
_________________
(١) وفي الكتاب: (١/ ١٤٥) أنه لعبد بني عبس، ونسبه الأعلم للعجاج والبيت من شواهد شرح أبيات المغني ٨/ ١٢٦ وبين فيه البغدادي الاختلاف في قائله، فالبيت ينسب إلى أبي حيان الفقعسي أو لمساور العبسي أو للعجاج. الأفعوان الذكر من الأفاعي. الشجاع: ضرب من الحيات. الشجعم: الطويل. ذات قرنين: ضرب منها أيضا. الضموز، كصبور: الساكنة المطرقة، التي لا تصفر لخبثها. الضرزم كجعفر: المسنة، وذلك أخبث لها وأوحى لسمها، ويقال الضرزم: الشديد.
(٢) في (ط): ومما يقوي، وهو لا يتفق مع السياق.
(٣) في (ط): قول، بدون من.
(٤) البيت في شعر أبي دواد ص ٢٢٨ (جمع كرنباوم) واللسان (خظا)، وفي شرح شواهد الشافية/ ١٥٧ وشرح أبيات المغني ٤/ ٢١٤ وفي المعاني الكبير ١/ ١٤٥ منسوب لأبي دواد الإيادي كما هنا. وهو في الأصمعيات ص/ ٤١ من قصيدة لعقبة بن سابق الهزاني في وصف الخيل. خظاتان: مكتنزتان. الزحلوف: الحجر الأملس.
(٥) في (ط): كغزا ورمى.
(٦) من قول جميل: وما أنس م الأشياء لا أنس قولها وقد قرّبت نضوي أمصر تريد؟ الأغاني: ٢/ ٣٤٤. النضو: المهزول من الإبل وغيرها.
[ ١ / ١٢٦ ]
فلا ترد النون التي حذفتها لالتقاء الساكنين، لأنّ اللام في تقدير السكون من حيث كانت متحركة بحركة الهمزة. وعلى هذا تقول: (قال لان جئت بالحق) «١» [البقرة/ ٧١] فلا تردّ الواو، كما لم تسكّن الباء في قولهم: اضرب الاجل. ومن قال:
«قالوا لان جئت بالحق» فردّ الواو لحركة اللام فإنّ هذا على قياس قولهم: لحمر، لمّا جعلت الحركة بمنزلة اللازمة حذفت همزة الوصل التي إنّما تجتلب لسكون اللام. وقياس هذا أن يسكن الباء في اضرب لاجل ولا تكسرها كما كسرها من لم يعتدّ بالحركة «٢». وهذا مما يقوي قراءة حمزة والكسائي.
ألا ترى أن الحركة التي ليست بلازمة جعلت بمنزلة اللازمة في أن حذفت همزة الوصل قبلها؟ فكذلك يجعلان الحركة التي لالتقاء الساكنين وإن كانت غير لازمة بمنزلة اللازمة، فيختاران أن يتبعاها المضمومة في «عليهم الذلة» و«من دونهم امرأتين» وإن لم يختاراها في غير هذا الموضع ليكون الصوت من جنس واحد وضربا واحدا. وقد أخذ أبو عمرو مثل «٣» ذلك أيضا معهما. وذلك في قراءته: وأنه أهلك عادلولى «٤» [النجم/ ٥٠]، ألا ترى أن حكم المدغم فيه أن يكون متحركا ولا يكون ساكنا، فإنما تجعله على لغة من قال:
_________________
(١) وفي البحر المحيط (١/ ٢٥٧) أنها قراءة نافع في إحدى الروايتين عنه.
(٢) في (ط): ولا يكسرها كما يكسرها من لم يعتد بالحركة.
(٣) في (ط): بمثل.
(٤) وهي قراءة قالون من أحد الوجهين عنه. التقى تنوين عادا ساكنا باللام وهي ساكنة أيضا، فألقيت حركة الهمزة على اللام، لئلا يلتقي ساكنان (النشر: ١/ ٤١٥).
[ ١ / ١٢٧ ]
لحمر، كما تأوّله أبو عثمان.
فإن قلت: فلم لا تحمله على قول من قال: الحمر، فلم يسقط همزة الوصل لأن الحركة غير لازمة، فلما أدغمت النون في اللام الساكنة حرّكتها، كما حركت غض ونحوه، وإن كان المدغم «١» فيه ساكنا؟ فالقول: إن ذلك لا يمتنع أن تقدر القراءة عليه، وتتأوّل، إلّا أنّه مثل الأول في أن المدغم فيه ساكن، وأن الحركة التي هي بمنزلة المجتلبة لالتقاء الساكنين تنزّلت «٢» منزلة الثابتة غير المجتلبة.
ومما يقوي قولهما، أنّهم قالوا: سل ور رأيك، فأسقطوا همزة الوصل لما تحركت الفاء، فكما شبهوها هاهنا «٣» بالحركة اللازمة فحذفت همزة الوصل، كذلك تكون «٤» في قولهما الحركة غير اللازمة بمنزلة اللازمة، فيحسن أن يضم «٥» لذلك الهاء التي كانا يكسرانها لتتبع حركة الميم التي قد تنزّلت منزلة اللازمة في هذه المواضع.
وقد قال أبو الحسن: إنّ ناسا يقولون: اسل، فهؤلاء لم يسقطوا همزة الوصل لما كانت السين في تقدير السكون، إلا أن إسقاط الهمزة مع سل أكثر وإثباتها في قولهم: الحمر، وقولهم: الْآنَ «٦» جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة/ ٧١] أكثر، والقياس على ما ذكرت لك.
_________________
(١) في (ط): وإن كان الحرف المدغم فيه.
(٢) في (ط): نزلت.
(٣) في (ط): هنا.
(٤) في (ط): يكون.
(٥) في (ط): تضم.
(٦) وهذه قراءة ورش (النشر: ١/ ٣٣٨).
[ ١ / ١٢٨ ]
قال أبو عثمان: ولا يجوز عندي اسل، وإنّما جاز في الألف واللام الحمر لأنّ الألف واللام بمنزلة حرف واحد، ألا ترى أن ألف الاستفهام تلحق ألف اللام فتمدّ ولا تحذف في قولك: آلرجل قال ذاك؟ ويقولون: الحمر، وليس كذا جميع ألفات الوصل، لأنّ الألف واللام بمنزلة قد «١»، كما ذكر سيبويه. قال: ومن أثبت ألف الآن، وقبلها كلام، فقد أخطأ في كل مذهب.
وممّا لم يعتد فيه بالحركة لمّا لم تلزم قولهم: قعدتا وضربتا، لما كانت الحركة من أجل الألف، والألف غير لازمة استجازوا الجمع بين أربع متحركات، ولم يستجيزوا ذلك في ضربت ونحوه. وإنّما استجازوا الموالاة بين هذه الحركات في ضربتا كما قالوا: رمتا وقضتا، فلم يردوا الألف، فكما لم يردوا الألف، حيث كانت الحركة غير لازمة، كذلك لم يكرهوا الموالاة بين أربع متحركات من حيث لم تكن الحركة في التاء لازمة، فكانت من أجل ذلك في تقدير السكون كما كان في تقديره في رمتا.
ومن الحجّة لمن خالفهما ممّن تقدم ذكر قوله، أن يقال:
إنّ التحريك لالتقاء الساكنين لا ينبغي أن يتبع غيره، لأنّهم قد جعلوه تابعا لغيره متقدما ومتأخّرا، ولم يجعلوا غيره يتبعه من حيث كان في تقدير السكون بالأدلّة التي تقدمت. فممّا أتبع ما قبله: انطلق. ولم يلده. فاعلم «٢»، لما لزم تحريك اللامين
_________________
(١) انظر الكتاب: ٢/ ٢٧٣.
(٢) فاعلم: ساقطة من (ط).
[ ١ / ١٢٩ ]
لالتقاء الساكنين أتبعا الفتحة التي قبلهما، ومن ثم قال سيبويه في ترخيم اسم رجل «١» يسمى إسحارّ على من قال يا حار: يا إسحار أقبل. وكذلك قالوا لا تضارّ يا فتى. ومن ذلك مدّ، وفرّ، وعضّ، ومما أتبع ما بعده قول من قال: (وقالت اخرج) [يوسف/ ٣١] وعذابن. اركض «٢» [ص/ ٤١ - ٤٢]، (أو انقص) [المزمل/ ٣]، وعيونن ادخلوها [الحجر/ ٤٥ - ٤٦]. فإذا «٣» كان على ذلك بعد أن يتبع غيره لما تقدم من أنّه في تقدير السكون.
فأمّا ما ذكره أبو بكر عن بعض من احتجّ لكسر الهاء في عليهم أنّ الهاء من جنس الياء، لأنّ الهاء تنقطع إلى مخرج الياء- فليس بمستقيم وذلك أنّ قوله: لأن الهاء تنقطع إلى مخرج الياء لا يخلو من أن يريد به أنّه ينقطع إلى الجهة التي تخرج منها الياء، أو يريد بذلك أن الصوت بها يتّصل بمخرج الياء، كما أن صوت الشين استطال حتى خالط أعلى الثنيّتين، وكذلك «٤» صوت الهاء استطال حتى اتّصل بمخرج الياء، فصار من أجل ذلك بمنزلة الحروف الخارجة من مخرج الياء، كما صارت الشين بمنزلة الحروف التي تخرج من الموضع الذي بلغه استطالة صوته حتى أدغم فيها كثير من حروف ذلك الموضع، كالطاء وأختيها، والظاء وأختيها.
فإن كان أراد المعنى الأول فليس للهاء به اختصاص ليس
_________________
(١) في (ط): ترخيم رجل.
(٢) انظر الكتاب: ٢/ ٢٧٥ وفي (ط): وبعذاب اركض.
(٣) في (ط): وإذا.
(٤) في (ط): فكذلك.
[ ١ / ١٣٠ ]
لغيره، لمساواتها غيرها ممّا يخرج من مخرجها في ذلك. وإن كان أراد أن الصوت يستطيل «١» حتى يتصل بمخرج الياء كما استطال الصوت بالشين حتى خالط أعلى الثنيّتين، فأنت إذا اعتبرت الهاء في مخرجها لم تجد لها هذه الاستطالة، ولم تجدها تتّصل بمخرج الياء على حدّ ما اتصل صوت الشين بالموضع الذي اتصل به.
ولعلّ الذي حمل هذا القائل على ما قاله من ذلك، كون الهاء مهموسة رخوة. والحروف المهموسة إذا وقف عليها كان الوقف مع نفخ، لأنها لمّا لم تعترض على النّفس اعتراض المجهورة، فتمنعها من أن يجري معها كما منعت المجهورة حين خرجت مع التنفس «٢» وانسلّت معه، وهي أيضا حرف رخو، والحروف الرخوة يجوز أن يجري فيها الصوت، وليست الشديدة كذلك، لأنّك لو قلت: ألدّ، والحجّ، لم يجر الصوت فيها «٣» إذا مددته كما يجري الصوت في الرخوة، نحو أنقصّ «٤» وأيبسّ. فلعل هذا الذي يتبع الصوت في بعض الأحوال من النفخ في المهموسة وإمكان إجراء الصوت في الرخوة، جعله بمنزلة استطالة الشين، وليس هذا من ذلك في شيء، وإنما المشابهة المعتبرة بين الهاء والياء ما ذكرنا من مشابهتها الألف لخفائها، وأنّها قد جعلت متحركة بمنزلة هذه الحروف ساكنة.
والألف تقرّب من الياء بالإمالة، فكذلك قرّبت الهاء منها بأن أبدلت من حركتها الكسرة. وهذه المناسبات التي تكون بين
_________________
(١) في (ط): إن الصوت بالهاء يستطيل.
(٢) في (ط): مع النفس.
(٣) في (ط): لم يجر فيها الصوت.
(٤) في سيبويه (٢/ ٤٠٦): انقض.
[ ١ / ١٣١ ]
الحروف توفق بينها، كما يوفّق تقارب المخارج، أو هو آكد في ذلك من تقارب المخارج، ألا ترى أن الواو والياء قد جرتا مجرى المثلين في جواز إدغام كل واحدة «١» منهما في الأخرى، لما اجتمعا فيه من اللين، وأن النون أدغمت في الياء على بعد بين مخارجهما لما ذكرنا.
وأما ما ذكره عن بعض من احتجّ لحمزة من أنّهم قالوا:
ضمّ الهاء هو الأصل، وذلك أنّها إذا انفردت من حروف تتصل بها قيل: هم فعلوا، فليس بمستقيم أيضا، وليست الدلالة على أن ضمير الجميع المجرور أو المنصوب أصله الضمّ انضمام الهاء في هم «٢» فعلوا، وذلك أن العلامتين وإن اتفقتا «٣» في اللفظ في الجمع، فهما مختلفتان، وليس اتفاقهما في اللفظ بموجب اتفاقهما في التقدير والمعنى.
ألا ترى أن التاء في «أنت» وإن كانت على لفظ التاء في فعلت، فليست إياها ولا مثلها في المعنى، وكذلك الكاف في ذلك، وأرأيتك، والنّجاءك، ونحو ذلك ممّا لحقه الكاف للخطاب مجرّدة من معنى الاسم، ليست كالكاف في أكرمتك، وصادقتك، ولا هو التي للفصل كالتي في قولك للغائب: هو فعل، ولا الواو والألف والنون في قاما أخواك، وقاموا إخوتك، و:
.. يعصرن السّليط «٤» أقاربه
_________________
(١) في (ط): كل واحد.
(٢) في (ط): في قولهم: هم فعلوا.
(٣) في (ط): وإن اتفقا.
(٤) جزء من بيت للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء وتمامه: ولكن ديافيّ أبوه وأمّه بحوران يعصرن السليط أقاربه
[ ١ / ١٣٢ ]
بمنزلتها في قولك: أخواك قاما، وإخوتك قاموا، والهندات قمن، فليس الاتفاق في اللفظ بموجب الاتفاق في المعنى، ألا ترى أن الهمزة في الاستفهام على لفظ الهمزة في النداء، وأن هل التي للاستفهام على لفظ هل التي بمنزلة قد؟ وإنّما الدلالة على أنّ أصل الهاء في (عليهم) «١»، [وهذه دارهم] «٢» ونحو ذلك الضم، أنّها إذا لم تجاورها الكسرة ولا الياء لم تكن إلا مضمومة، وإذا جاورتها الكسرة أو الياء جاز الكسر فيها للإتباع والتقريب، وجاز الضمّ على الأصل، كقول أهل الحجاز في ذلك، فكلّ موضع جاز فيه الكسر فالضمّ فيه جائز. والمواضع التي تختصّ باستعمال الضم فيها لا يجوز الكسر معها، فبهذا يعلم أنّه الأصل، لا بما ذكره من اتفاق اللفظ.
فأمّا ضمّ الهاء من هم في قوله: هم فعلوا، فلا يدل على أنّ أصل الهاء في عليهم الضمّ، لأنّها ليس بها.
ومما يدلك «٣» على اختلافهما، أنّك تقول في واحد «هم» - من قولك هم «٤» فعلوا ذلك-: هو قال، كما تقول في واحدة «هنّ فعلن»: هي فعلت، فالواو والياء من نفس الكلمة. فأمّا الواو التي تلحق علامة المضمر المجرور أو المنصوب في نحو
_________________
(١) دياف: موضع بالجزيرة، وأهلها هم نبط الشام. حوران، بالفتح: كورة واسعة من أعمال دمشق، ذات قرى كثيرة ومزارع. السليط: الزيت، وقيل: هو كل دهن عصر من حب (انظر الديوان في ٥٠ وسيبويه ١/ ٢٣٦، واللسان: (ديف، سلط)، والخزانة ٢/ ٣٨٨، ومعجم البلدان (دياف ٢/ ٤٩٤).
(٢) في (ط): عليهم، وإليهم، ولديهم.
(٣) وهذه دراهم: ساقطة من (ط).
(٤) في (ط): يدل.
(٥) سقطت من (ط): «من قولك هم».
[ ١ / ١٣٣ ]
هذا له، وضربه، فزيادة لاحقة للكلمة بدلالة سقوطها في نحو:
عليه، ومنه، وإن لم نقف على شيء من ذلك، وأنّه في الغائب نظير الكاف للمخاطب والياء للمتكلم، وبدلالة ما جاء في الشعر عند سيبويه نحو:
له أرقان «١» وحكى أبو الحسن أنها لغة.
ومما يبيّن أنّ كل واحد من هذه الأسماء التي للضمير ليس الآخر في اللفظ وإن اتفقا في بعض الحروف تحريكك الواو والياء من هو وهي، وحرف المد اللاحق في عليه فيمن أثبت ولم يحذف، وفي داره، وبه، لم يحرّك في موضع.
فإن قلت: فقد أسكنت الياء من هي وهو في الشعر، كقوله:
_________________
(١) هو من قول رجل من أزد السراة، أو من قول يعلى الأحول: فظلت لدى البيت العتيق أخيله ومطواي مشتاقان له أرقان ويروى: ومطواي من شوق له أرقان ورواية الخزانة: فبت لدى البيت العتيق أريغه أخيله: أنظر إلى مخيلته. مطواي: صاحباي. وهاء أخيله عائدة على البرق في قوله قبل الشاهد: أرقت لبرق دونه شدوان يمان وأهوى البرق كلّ يمان شدوان، بلفظ التثنية: موضع، وقيل جبلان باليمن، وقيل بتهامة، أحمران. وفي اللسان بلفظ شروان بالراء، وضبط بالقلم في القاموس بسكون الدال. وفي اللسان: يعلى بن الأحول. وهو سهو. ولم نعثر على الشاهد بين شواهد سيبويه. (انظر الأغاني: ٢٢/ ١٤٣، واللسان (مطا)، والقاموس ومعجم البلدان). والخزانة ٢/ ٤٠١ والخصائص ١/ ١٢٨ والمحتسب ١/ ٢٤٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
فإذا هي بعظام ودما «١» فإنّ ذلك لا يؤخذ به في التنزيل وحال السعة والاختيار، وإنّما هذا تشبيه لفظي يستعمله الشاعر للضرورة من وجه بعيد، كأنّه يقول ضمير وضمير حرف لين وحرف لين، وعلى هذا استجاز:
إذ هـ من هواكا «٢» و: بيناه يشري «٣» كأنّه حذفه من هو وهي المسكنتين في الشعر للضرورة، ولا يكون محذوفا من المتحركة لأنّ التشبيه في ذلك لفظيّ،
_________________
(١) صدره: غفلت ثم أتت ترقبه وقبله: كأطوم فقدت برغزها أعقبتها الغبس منه عدما الأطوم: البقرة الوحشية، وبرغزها: ولدها. والغبس: الذئاب. ودما: أراد: ودم، ثم رد إليه لامه وهو الياء التي قلبت ألفا. انظر اللسان/ برغز/ والخزانة ٣/ ٣٥٢.
(٢) بقيته: هل تعرف الدار على تبراكا دار لسعدى .. وهو من الأبيات التي لم يعلم قائلها من شواهد الكتاب ولم يشرحه ابن السيرافي في أبيات سيبويه. تبراك، بكسر المثناة الفوقية، وسكون الموحدة: موضع في ديار بني فقعس. وصف دارا خلت من سعدى هذه المرأة، وبعد عهدها بها فتغيرت وذكر أنها كانت لها دارا ومستقرا فكان يهواها بإقامتها فيها. (انظر الكتاب: ١/ ٩، الخزانة: ٢/ ٣٩٩، وشرح شواهد الشافية/ ٢٩٠).
(٣) البيت بتما مه: فبيناه يشري رحله قال قائل لمن جمل رخو الملاط نجيب البيت للعجير السلولي، ويروى للمخلف الهلالي. ويروى ذلول، مكان نجيب. يشري: يبيع، الملاط: الجنب. رخو الملاط: سهله وأملسه. وقيل الملاط: مقدم السنام، وقيل: جانبة، وهما ملاطان. وقوله: رخو، إشارة إلى عظمه واتساعه. وصف بعيرا ضلّ صاحبه فيئس منه وجعل يبيع رحله، فبينا هو كذلك سمع مناديا يشيد به (خزانة الأدب ٢/ ٣٩٦، ٣٩٧).
[ ١ / ١٣٥ ]
والتحريك يرتفع معه التشبيه الذي يقصده، فلا يصحّ له معه حذف الحرف لتحرّكه، ألا ترى أن الياء إذا كانت لاما أو غيرها فتحرّكت صارت بمنزلة الحروف الصحيحة، ولم يجز فيها الحذف الذي كان يجوز حيث يسكن الحرف؟ وهذا الشّبه «١» اللفظي الذي أعمله الشاعر في اضطراره مرفوض في الكلام، غير مأخوذ به، ومن ثمّ قال سيبويه: ولم يفعلوا هذا بذاهي ومن هي ونحوهما، يريد لم يفعلوه في الكلام لأنّه قد جاء:
فبيناه يشري «٢» ..
كما قال: فَأَلْقى عَصاهُ [الأعراف/ ١٠٧]. وجاء:
إذ هـ من هواكا «٣» وجاء الاتفاق بين بعض حروف هذين الاسمين المضمرين، كما جاء ذلك في المظهرة كقولهم: الضّيّاط «٤» والضّيطار «٥»، والغوغاء فيمن لم يصرف وفيمن صرف «٦»، وقاع قرق «٧» وقرقوس «٨»، ودمث «٩» ودمثر «١٠» وما أشبه ذلك.
_________________
(١) في (ط): وهذا التشبيه.
(٢) تقدم قريبا.
(٣) تقدم قريبا.
(٤) الضياط: المتمايل في مشيته.
(٥) الضيطار: العظيم، وقيل: هو الضخم اللئيم.
(٦) نص عبارة الكتاب (٢/ ١٠): «وأما غوغاء فمن العرب من يجعلها بمنزلة عوراء، فيؤنث، ولا يصرف، ومنهم من يجعلها بمنزلة قضقاض، فيذكر، ويصرف، ويجعل الغين والواو مضاعفتين بمنزلة القاف والضاد». فعلى الوجه الأول يكون الغوغاء من غاغ وعلى الثاني من غوغو، وهما مادتان مختلفتان.
(٧) قرق: مستو.
(٨) قرقوس، مثال قربوس: مكان واسع أملس مستو لا نبت فيه (اللسان).
(٩) مكان دمث: لين الموطئ، ومثله دمث بسكون الميم.
(١٠) في اللسان والتاج: أرض دمثر: سهلة. وفي (ط): دمثرة.
[ ١ / ١٣٦ ]
فإن قلت فلم لا تستدلّ بثبات الألف في المؤنث في نحو عليها وضربها أن الواو أو الياء «١» في لهو وبهي ليسا بزائدين «٢» وإن سقطا في بعض المواضع، لأنّ الأصول قد تسقط أيضا فيه، نحو «٣»:
كنواح ريش حمامة نجديّة «٤» ..
و: دوامي الأيد يخبطن السّريحا
«٥»
_________________
(١) في (ط): والياء.
(٢) في (ط): ليسا زائدين.
(٣) في (ط): في نحو.
(٤) صدر بيت من شواهد الكتاب ١/ ٩ ومن شواهد شرح أبيات المغني ٢/ ٣٢٣، وعجزه: ومسحت باللّثتين عصف الإثمد والبيت لخفاف بن ندبة السلمي شاعر فارس صحابي، وكنيته: أبو خراشة، وإياه عنى أبو العباس بن مرداس بقوله: أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر وهو ابن عم الخنساء وقوله كنواح، يريد: كنواحي، فحذف الياء في الإضافة للضرورة، تشبيها لها في حالة الإفراد والتنوين وحال الوقف. وإنّما خص الحمامة النجدية لأنّ الحمام عند العرب كل مطوق، كالقطا وغيره، وإنّما قصد منها إلى الحمام الورق المعروفة، وهي تألف الجبال، والنجد، وهو ما ارتفع من الأرض، ولا تألف الفيافي والسهول، كالقطا وغيره. عصف الإثمد: ما سحق من حجر الكحل. يصف شفتي صاحبته، فشبههما في الرقة واللطافة والحوة بنواحي ريش الحمامة، يريد أن لثاتها تضرب إلى السمرة فكأنّها مسحتهما بالإثمد. والرواية الصحيحة مسحت بكسر التاء، ويروى مسحت بضمها ومعناها: قبلتها فمسحت عصف الإثمد في لثتها.
(٥) عجز بيت من شواهد الكتاب ١/ ٩، وشرح أبيات المغني ٤/ ٣٣٦ ضمن أبيات، صدره: فطرت بمنصلي في يعملات
[ ١ / ١٣٧ ]
وإذا كان كذلك لم يكن فيما ذكرت من سقوط حرف اللين دلالة على زيادته، وثبات الألف في علامة المؤنث وأنّها لا تحذف دلالة على أنّ الواو والياء في ضمير المذكر في حكم الألف. قيل: لم يستدلّ على زيادتها بالسقوط فقط فيتجه هذا الكلام، فأمّا ثبات الألف في ضمير المؤنث المفرد فليس بدالّ على أنّه من نفس الكلم، وإنّما ألحقت للفصل بين التأنيث والتذكير كما ألحقت السين أو الشين في الوقف في «١» قولهم:
أكرمكس، وأكرمكش في بعض اللغات «٢» لذلك، فكما «٣» أنّهما ليسا مع الكاف كلمة واحدة، وإنّما الأصل الكاف، ولحق هذان الحرفان للفصل بين التأنيث والتذكير، كذلك الألف اللاحقة لهاء الضمير في التأنيث. وقد يكون من الزوائد ما يلزم فلا يحذف نحو نون منطلق، ونحو «ما» في: آثرا ما «٤»، ونحو الألف المبدلة من التنوين في النصب في أكثر اللغات.
_________________
(١) لمضرس بن ربعي الفقعسي الأسدي. المنصل: السيف. السريح: جلود أو خرق تشد على أخفاف الإبل، جمع سريحة. يطأن السريح: يطأن بأخفافهن الأرض، وفي الأخفاف السريح. يقول: إنه أسرع بسيفه فعقر نوقا وأشار بدوامي الأيد إلى أنه كان في سفر، فقد حفين لإدمان السير، ودميت أخفافهن، فأنعلن السريح.
(٢) في (ط): في نحو.
(٣) الأولى لهوازن، وتسمى كسكسة، والأخرى لربيعة وتسمى كشكشة انظر الكتاب: ٢/ ٢٩٥، ٢٩٦ ومجالس ثعلب ٨٠ و١١٦ وحواشيه.
(٤) في (ط): وكما أنهما.
(٥) قال في سر صناعة الإعراب، (١/ ٢٦٣): «افعله آثرا ما، أي: أول شيء، فما زيادة لا يجوز حذفها، لأن معناه: افعله آثرا مختارا له، معنيا به، من قولهم: أثرت أن أفعل كذا وكذا».
[ ١ / ١٣٨ ]
على أنّ ناسا أجازوا حذف هذه الألف في الوقف. قال أبو عثمان: أخبرني أبو محمد التّوّزي قال: أخبرني الفراء قال:
قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله «١» أراد: بعد ما كدت أفعلها، يعني: الخصلة، فحذف الألف وطرح حركة الهاء على اللام. قال: ومن كلام أهل بغداد الكسائي والفرّاء: نحن جئناك به، طرح حركة الهاء على الباء، وهو يريد: نحن جئناك بها.
[قال أبو علي] «٢»: وهذا الذي حكاه أبو عثمان عن الكسائي والفراء ليس بالمتسع «٣» في الاستعمال، ولا المتّجه في القياس، وذلك أن حركة الحرف التي هي له أولى من المجتلبة، يدلّ على ذلك أنّ من ألقى حركة الحرف المدغم على الساكن الذي قبله في نحو: استعدّ، إذا أمر فقال: امتدّ واعتدّ وانقدّ، أقر الحركة التي للحرف فيه «٤»، ولم يحذفها، ويلقي على الحرف حركة الحرف المدغم، فكذلك الحركة التي هي الكسر في به أولى به من نقل حركة الموقوف عليه «٥»
_________________
(١) عجز بيت من شواهد سيبويه وشرح أبيات المغني ٧/ ٣٤٧ لعامر بن جؤية الطائي من أبيات قالها في هند أخت امرئ القيس، وصدره: فلم أر مثلها خباسة واحد الخباسة: الظلامة. نهنهت: كففت، والأبيات يصف فيها ما كان أراده من غدر بامرئ القيس عند ما نزل عليه، فتحول عن غدره به.
(٢) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط).
(٣) في (ط): ليس بالشائع في الاستعمال.
(٤) في (ط): التي هي للحرف فيه.
(٥) في (ط): الموقوف عليه إليه.
[ ١ / ١٣٩ ]
ولا يشبه هذا قول الشاعر: إذ جدّ النقر «١» ولا قولهم: هذا عدل، لأنّ هذا التحريك إنّما هو لكراهة التقاء الساكنين. يدل على ذلك أنّ الساكن قبل الحرف الموقوف عليه إذا كان ياء أو واوا نحو: عون وزيد، لم يحرك لكون ما فيه من المدّ بدلا من الحركة، فاحتمل ذلك كما احتمل الإدغام في نحو: عونّهشل وزيد دّاود «٢» وما أشبه ذلك.
فإن قلت: فقد قال بعضهم: ردّ، فألقى حركة الحرف المدغم على الفاء وحذف حركتها التي هي الضمة. فالقول:
أن الذي فعل ذلك إنّما شبهه بباب: قيل، وبيع، حيث وافقه في اعتلال العين بالسكون، فجعله «٣» مثلها في نقل الحركة إلى الفاء، كما جعلوها مثلها في الحذف في قولهم: ظلت، ومست.
فكما استجازوا فيه الحذف في العين كما حذف من «٤» بنات الياء والواو، كذلك استجازوا نقل حركة العين إلى الفاء.
والأكثر الأشيع في ردّ غير ذلك.
وممّا يدل على أنّ حركة الحرف التي له في الأصل أولى به من الحركة المجتلبة، أنّ «مذ» لمّا حركت لالتقاء الساكنين حركت بالضمّة التي هي حركته في الأصل ولم تكسر، وكذلك: «عليهم الذلة».
ومما يبعد ما حكاه أبو عثمان عنهم، من القول في أن
_________________
(١) انظر الصفحة/ ٩٨.
(٢) يريد: عون نهشل وزيد داود. انظر الكتاب: ٢/ ٤٠٧، وفيه يد مكان زيد.
(٣) في (ط): فجعلوه.
(٤) في (ط): حذف في.
[ ١ / ١٤٠ ]
الألف لا تحذف في الوقف كأختيها، حذفهم الألف من علامة الضمير، والألف لا تحذف في الوقف كما تحذف الياء والواو.
فإن قلت: فقد قال بعضهم في الوقف: رأيت زيد، فلم تبدل «١» من التنوين الألف. وقال الأعشى:
وآخذ من كلّ حيّ عصم «٢» وقد قال «٣» لبيد:
ورهط ابن المعلّ «٤» وقالوا: ولو تر ما أهل مكة «٥»، وقرئ: (حاشَ لِلَّهِ) [يوسف/ ٣١ - ٥١] وهو فاعل، فإذا «٦» حذفت الألف في هذه
_________________
(١) في (ط): يبدل.
(٢) على أن أصله عصما، ووقف عليه في لغة ربيعة بالسكون وصدره: إلى المرء قيس أطيل السّرى والبيت من قصيدة للأعشى ميمون، مدح بها قيس بن معديكرب العصم: قال ابن جني: هو بضمتين جمع عصام، وعصام القربة: وكاؤها، وعروتها أيضا، يعني عهدا يبلغ به. وقال ابن هشام، صاحب السيرة النبوية: هو بكسر ففتح، جمع عصمة، وهي الحبل والسبب، وإنما كان يأخذ من كل قبيلة إلى أخرى عهدا، لأن له في كل قبيلة أعداء ممن هجاهم، أو ممن يكره ممدوحه، فيخشى القتل أو غيره، فيأخذ عهدا ليصل بالسلامة إلى ممدوحه (شرح شواهد الشافية/ ١٩١. الديوان/ ٣٧).
(٣) في (ط): وقال.
(٤) سبق في ص ٧٩.
(٥) في اللسان: قال أبو علي: أرادوا: ولو ترى ما، فحذفوا لكثرة الاستعمال. اللحياني يقال: إنه لخبيث. ولو تر ما فلان، ولو ترى ما فلان، رفعا وجزما. وكذلك ولا تر ما فلان، ولا ترى ما فلان فيهما جميعا وجهان: الجزم والرفع ولم تر ما فلان قالوه بالجزم. وفلان في كله رفع، وتأويلها ولا سيما فلان. حكي ذلك عن الكسائي كله. (اللسان/ رأى).
(٦) في (ط): وإذا.
[ ١ / ١٤١ ]
الأشياء، فلم لا يجوز أن يحذف في قوله: «أن أفعله» و«نحن جئناك به» قيل: لا يشبه هذا قولهم لو «١» تر ما، وحاش لله، لأنّ ذلك «٢» إنّما حذف كما حذف لا أبال، ولا أدر، بدلالة أنّهما قد حذفا في الوصل أيضا.
وأما المعل فحذفه لإقامة القافية، وترك إبدال الألف من النون في عصم ليس بالمتسع. ألا ترى أن سيبويه لم يحكه؟
وحذف الأعشى له لإقامة القافية أيضا كحذف «٣» ألف معلّى، فحذف الألف من هاء الضمير ليس بالمتجه.
قوله ﷿: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ «٤» قرأ: غير المغضوب عليهم- بخفض الراء- نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. واختلف عن ابن كثير فروي عنه النصب والجر.
قال أبو بكر في الحجّة في الجر: إنّهم قالوا ينخفض على ضربين: على البدل من الذين، ويستقيم أن يكون صفة للنكرة. تقول: مررت برجل غيرك، وإنما وقع (غَيْرِ) هاهنا صفة للذين، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم، فهو بمنزلة قولك: إنّي لأمر بالرجل مثلك فأكرمه. قال: وقالوا يجوز النصب على ضربين. على الحال، والاستثناء.
فأمّا الاستثناء فكأنّك قلت: إلّا المغضوب عليهم.
_________________
(١) في (ط): ولو.
(٢) في (ط): ذاك.
(٣) في (ط): كحذفه.
(٤) السبعة ١١١.
[ ١ / ١٤٢ ]
وأما الحال فكأنك قلت: صراط الّذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم.
قال: ويجوز عندي النصب أيضا على أعني. وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنّه أجازه على وجه الصفة والقطع من الأول كما يجيء المدح. ومما يحتجّ به لمن يفتح أن يقال:
غير نكرة، فكره أن يوصف به المعرفة «١».
قال: والاختيار الذي لا خفاء به الكسر، ألا ترى أن ابن كثير قد اختلف عنه. وإذا كان كذلك فأولى القولين «٢» به ما لم يخرج به عن إجماع قراء الأمصار؟
ولعل الذي تنكّب الجر، إنما تنكبه فرارا من أن ينعت الذين أنعمت عليهم بغير، وغير إذا أضيفت إلى المعرفة قد توصف بها النكرة.
[قال أبو بكر] «٣»: والذي عندي أن (غَيْرِ) في هذا الموضع مع ما أضيفت إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس.
فليفهم عني ما أقول:
«أعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير، ومثل، مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء ترى «٤» سوى المخاطب فهو غيره «٥»، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وفي خلقه،
_________________
(١) في (ط): أن يقول غير نكرة، فكرهت أن أصف بها المعرفة.
(٢) في (ط): فأولى القراءتين به.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقطة من (ط).
(٤) في (ط): تراه.
(٥) في (ط): هو غيره.
[ ١ / ١٤٣ ]
وفي جاهه، وفي علمه، وفي نسبه. فإنّما صارا «١» نكرتين من أجل المعنى. فأمّا إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير، وأضفت غيرا إلى ضده فهو معرفة، وذلك نحو «٢» قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهي الحركة، فكأنك كرّرت الحركة تأكيدا، فكذلك قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. فالذين أنعم عليهم لا عقيب لهم إلا المغضوب عليهم، فكل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه، وكل من لم يغضب
عليه فقد أنعم عليه. فغير المغضوب عليهم هم الذين أنعم عليهم، فهو مساو له في معرفته. هذا الذي يسبق إلى أفئدة الناس وعليه كلامهم. فمتى كانت (غَيْرِ) بهذه الصفة وقصد بها هذا القصد، فهي معرفة.
وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب، فقيل فيه: قد جاء مثلك لكان معرفة إذا أردت المعروف بشبهك، والمعرفة والنكرة بمعانيهما، فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمّته فهو معرفة.
ومن جعل (غَيْرِ) بدلا فقد استغنى عن هذا الاحتجاج، لأنّ النكرة قد تبدل من المعرفة. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قيل: إن المعنيّ بقوله: المغضوب عليهم اليهود، ويدلّ على
_________________
(١) في (ط): صار، وهو تحريف.
(٢) في (ط): سقطت كلمة نحو.
[ ١ / ١٤٤ ]
ذلك قوله تعالى: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ «١» [المائدة/ ٦٠] فهؤلاء اليهود، بدلالة قوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة/ ٦٥] والضالّون: النصارى، لقوله: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة/ ٧٧].
فأمّا الخفض في (غَيْرِ)، فعلى ما تقدم ذكره: من البدل أو الصفة. والفصل بين البدل والصفة أنّ البدل في تقدير تكرير العامل. وليس كالصفة، ولكن كأنّه في التقدير من جملتين بدلالة تكرير حرف الجر في قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف/ ٧٥] وبدلالة بدل النكرة من المعرفة، والمظهر من المضمر. وهذا مما لا يجوز في الصفة، فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم، فكذلك يكون العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرير. وهو وإن كان كذلك فليس يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول، كما أنّ الصفة كذلك، ولهذا لم يجز سيبويه: بي المسكين كان الأمر، ولا بك المسكين. كما أجاز ذلك في الغائب نحو:
مررت به المسكين. فأما ما ذهب إليه بعض البغداديين في قول الشاعر:
فلأحشأنّك مشقصا أوسا أويس من الهبالة
«٢»
_________________
(١) قوله: والخنازير غير مذكور في (ط).
(٢) أورده اللسان في (أوس)، مع آخر قبله وهو: في كلّ يوم من ذؤاله ضغث يزيد على إباله ونسبها إلى أسماء بن خارجة. حشأ بطنه بسهم: أصاب به جوفه. المشقص، كمنبر: النصل العريض، أو السهم فيه ذلك. أويس: تصغير
[ ١ / ١٤٥ ]
من أنّ أوسا بدل من كاف الخطاب، فليس الأمر فيه كما ذهب إليه، لأنّ أوسا مصدر، من قولك: أسته إذا أعطيته، وانتصب «١» أوس لأن ما ذكر من قوله: فلأحشأنك يدل على لأؤوسنّك فانتصب المصدر عنه، فإن جعلت الجار متعلقا بالمصدر كان بمنزلة قوله:
فندلا- زريق- المال ندل الثعالب «٢»
_________________
(١) أوس وهو الذئب. الهبالة: اسم ناقته. وقيل: افترس له الذئب شاة، فقال يخاطبه: لأضعن في حشاك مشقصا عوضا يا أويس من غنيمتك التي غنمتها من غنمي. قال ابن سيده: أوسا، أي: عوضا، قال: ولا يجوز أن يعني الذئب، وهو يخاطبه، لأن المضمر المخاطب لا يجوز أن يبدل منه شيء، لأنه لا يلبس، مع أنه لو كان بدلا لم يكن من متعلق. وإنما ينتصب أوسا على المصدر بفعل دل عليه، أو بلأحشأنك وأما قوله: أويس، فنداء، أراد: يا أويس، يخاطب الذئب، وهو اسم له مصغرا، كما أنه اسم له مكبرا. فأما ما يتعلق به (من الهبالة) فإن شئت علقته بنفس أوسا، ولم تعتد بالنداء فاصلا لكثرته في الكلام، وكونه معترضا به للتوكيد .. وإن شئت علقته بمحذوف يدل عليه أوسا، فكأنه قال: أؤوسك من الهبالة، أي: أعطيك من الهبالة، وإن شئت جعلت حرف الجر وصفا لأوسا. فعلقته بمحذوف وضمنته ضمير الموصوف. (اهـ عن اللسان).
(٢) في (ط): فانتصب.
(٣) صدره: على حين ألهى الناس جلّ أمورهم أورده الكتاب (١/ ٥٩)، واللسان (ندل)، وهو في كليهما غير منسوب، ونسبه العيني ٣/ ٤٦ إلى الأخوص وقال: ذكر في الحماسة البصرية أن القائل أعشى همدان، وهو كذلك فيها انظر ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣. وقبله: يمرون بالدّهنا خفافا عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب الدهنا: رملة من بلاد تميم، يمد ويقصر. يرجعن، أخبر عن رواحلهم فأنث. ويروى: يخرجن. دارين: فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك. البجر:
[ ١ / ١٤٦ ]
وإنما لم يجز البدل من ضمير المتكلم والمخاطب، لأن ذلك من المواضع التي يستغنى فيها عن التبيين «١»، لوضوحه.
وأنّه لا يعرض التباس «٢» كما يعرض في علامة الغيبة.
ولما كان البدل قد حصل فيه شبه من الأجنبي من حيث كان في التقدير من كلامين، وحصل فيه شبه من الصفة من حيث بيّن به كما بيّن بالصفة، ولم يستعمل ما يكون به من كلامين، أجراهما أبو الحسن مجرى واحدا، فقال- فيما روى عنه أبو إسحاق الزيادي «٣» - في قولهم: زيد ذهب عمرو أخوه، وقد سأله: أبدل هو أم صفة؟ فقال: ما أبالي أيّهما قلت.
قال أبو إسحاق قلت: أو كذا تقول في المعطوف؟ قال:
نعم. أقول: زيد ذهب عمرو وأخوه. وقال أبو الحسن في هذه المسألة في بعض كتبه: إن جعلت قولك أخوه بدلا لم يجز، وإن جعلته صفة جاز، وإنما لم يجزه في البدل لمّا كان على ما ذكرنا من أنّه في تقدير جملتين، فكأنّه قد انقضى الكلام ولم
_________________
(١) الممتلئة، جمع أبجر، وهو العظيم البطن. وعياب: جمع عيبة وهي ما يجعل فيه الثياب، الندل هنا: الأخذ باليدين، والندل أيضا: السرعة في السير. زريق: اسم قبيلة. ويقال في المثل: هو أكسب من ثعلب، لأنه يدخر لنفسه، ويأتي على ما يعدو عليه من الحيوان إذا أمكنه. يصف تجارا، وقيل: لصوصا.
(٢) في (ط): من المواضع التي لا يحتاج فيها إلى التبيين.
(٣) في (ط): لا يعرض فيه التباس.
(٤) أبو إسحاق الزيادي: هو إبراهيم بن سفيان، ينتهي نسبه إلى زياد ابن أبيه. قرأ على الأصمعي وغيره. ومات سنة ٢٤٩ (بغية الوعاة ١/ ٤١٤، معجم الأدباء: ١/ ١٥٨).
[ ١ / ١٤٧ ]
يعد إلى الأول ذكر. وإذا كان صفة جاز ذلك، لأن الصفة بمنزلة الجزء من الاسم الموصوف. ألا ترى أنهم قالوا «١»: لا رجل ظريف، وهذا زيد بن عمرو. فتنزّلت الصفة مع الموصوف بمنزلة اسم مضاف نحو امرئ القيس «٢» وقد جعل يونس صفة المندوب بمنزلة المندوب في استجازته إلحاق علامة الندبة بها، وقد تنزلت «٣» الصفة عندهم جميعا منزلة الجزء من الاسم، وذلك إذا كان الموصوف لا يعرف إلا بالصفة، فإذا كان كذلك لم يستغن بالاسم «٤» الموصوف دون صفته. ومن ثم جعله سيبويه بمنزلة بعض الاسم في قوله:
إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا «٥» فجعل (أشنعا) حالا، ولم يجعله خبرا، لأن فيما تقدم من صفة الاسم ما يدل على الخبر، فيصير الخبر لا يفيد زيادة معنى. فهذا مما تنزّلت «٦» فيه الصفة منزلة جزء من الاسم عنده، كما ذكرنا.
_________________
(١) في (ط): قد قالوا.
(٢) سقطت «القيس» من (م).
(٣) في (ط): نزلت.
(٤) في (ط): لم يستغن الاسم الموصوف.
(٥) عجز بيت قاله عمرو بن شأس وصدره كما في الكتاب (١/ ٢٢): بني أسد هل تعلمون بلاءنا ورواية سيبويه والأعلم: إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا أراد إذا كان اليوم يوما، وأضمر لعلم المخاطب، ومعناه إذا كان اليوم الذي يقع فيه القتال. قال سيبويه: «وسمعت بعض العرب يقول أشنعا، ويرفع ما قبله، كأنه قال: إذا وقع يوم ذو كواكب أشنعا.
(٦) في (ط): مما تنزل فيه.
[ ١ / ١٤٨ ]
ومما يدل على مفارقة الصفة للبدل «١»، أنّك تصف بما لا يجوز فيه البدل، نحو الفعل والفاعل والابتداء والخبر، نحو:
مررت برجل قام أخوه، وبرجل أبوه منطلق. ولو جعلت شيئا من ذلك بدلا لم يجز، من حيث لا يستقيم تكرير العامل، وجاز الوصف به، من حيث كان مشابها للوصل، فلم يكن في تقدير تكرير العامل.
فمن جعل (غَيْرِ) في الآية بدلا كان تأويله بيّنا، وذلك أنّه لا يخلو من أن يجعل غيرا معرفة أو نكرة، فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ مستقيم، كقوله: اهْدِنَا
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[الفاتحة/ ٦] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران/ ٩٧]، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة في الجواز كذلك، كقوله: بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [العلق/ ١٥ - ١٦].
فإن قلت: إن النكرة التي هي بدل في الآية على لفظ المعرفة الذي أبدل منه. وليس (غَيْرِ) على لفظ الموصول المبدل منه، فهلا امتنع البدل لذلك، كما امتنع عند قوم له؟
قيل: إذا جاز بدل النكرة من المعرفة فيما كان على لفظ الأول، فلا فصل بين ما وافق الأول في لفظه وبين ما خالفه، لاجتماع الضربين في التنكير. ويدل على جواز ذلك قوله:
إنّا وجدنا بني جلّان كلّهم كساعد الضّبّ لا طول ولا قصر
«٢»
_________________
(١) في (ط): مفارقة الصفة البدل.
(٢) قال في اللسان (جل): وجل، وجلّان: حيّان من العرب. وأنشد ابن
[ ١ / ١٤٩ ]
وأنشد أبو زيد:
فلا وأبيك خير منك إني ليؤذنني التّحمحم والصهيل
«١» [وليؤذنني. يقال: آذنته وأذنته إذا رددته] «٢».
فالبدل شائع كثير «٣»، وهو الذي يختاره أبو الحسن في الآية، وذلك لأنّ «٤» «الذي» إنّما صيغ لأن يتوصّل به إلى وصف المعارف بالجمل، فإذا كان كذلك لم يحسن أن يذهب بها مذهب الأسماء الشائعة التي ليست بمخصوصة.
فإن قلت: فقد جاء: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، ثم قال: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة/ ١٧] فدلّ أنّه يراد به الكثرة، وقال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، ثم قال أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر/ ٣٣]. وقد قيل في قوله:
_________________
(١) بري: إنا وجدنا، البيت، أي لا كذي طول ولا قصر، على البدل من ساعد. قال: كذا أنشده أبو علي بالخفض. اهـ. وضبط جلان بالقلم في جمهرة الأنساب ص ٢٩٤ واللسان بفتح الجيم، وضبط في الاشتقاق ص ٣٢٣ والتكملة/ جلل بكسرها. وبنو جلان بن عتيك بن أسلم.
(٢) البيت لشمير بن الحارث ويقال: سمير بالسين. وروي: يؤذيني مكان يؤذنني، وهو موافق لما في نسخة ط، والتجمجم مكان التحمحم. قال أبو زيد: قوله: ليؤذيني، أي يغمني .. وروي فلا وأبيك خير بكسر الكاف، ومن روى خير منك، فكأنه قال: هو خير منك، ومن خفض أبدله من الأول إذا كان نكرة، وكان الأول معرفة (النوادر/ ١٢٤، ١٢٥).
(٣) ما بين المعقوفتين سقطت من (ط).
(٤) في (ط): كثير شائع.
(٥) في (ط): وذلك أن.
[ ١ / ١٥٠ ]
إنّ الذي حانت بفلج دماؤهم «١» إنه أفرد، والمراد به الكثرة، ليس أن النون حذفت كما حذفت من قوله:
اللذا قتلا الملوك «٢» فجاءت في هذه المواضع شائعة دالّة على الكثرة، فهلّا جاز أن يكون كالرّجل ونحوه ممّا يجوز وصفه بما يوصف «٣» به الأسماء الشائعة نحو: مثلك وخير منك.
قيل: إن هذا قد جاء فيه كما جاء في اسم الفاعل نحو قوله:
إن تبخلي يا جمل أو تعتلّي أو تصبحي في الظاعن المولّي
«٤»
_________________
(١) عجزه: هم القوم كل القوم يا أم خالد والبيت لأشهب بن رميلة، ويروى زميلة بالزاي، رثى قوما بفلج، وهو موضع بعينه كانت فيه وقعة. (انظر الكتاب: ١/ ٩٦). وفي ياقوت: «قال أبو منصور: فلج اسم بلد، ومنه قيل لطريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة، طريق بطن فلج .. وقال غيره، فلج: واد بين البصرة وحمى ضرية من منازل عدي بن جندب، بن العنبر، بن عمرو، بن تميم من طريق مكة .. انظر الخزانة ٢/ ٥٠٧ الأمالي الشجرية ٢/ ٣٠٧ شرح المفصل لابن يعيش ٣/ ١٥٥ والبيت من شواهد شرح أبيات المغني ٦/ ١٨٠ وورد في ١٤١ منه وفي ٧/ ١٨٠.
(٢) انظر ص ١٢٥.
(٣) في (ط): توصف.
(٤) أنشده سيبويه ٢/ ٢٨٢ ونسبه إلى رجل من بني أسد، وورد في النوادر/ ٥٣ ضمن أبيات من مشطور الرجز منسوبا إلى منظور بن مرثد الأسدي واللسان (عهل) وبعده:
[ ١ / ١٥١ ]
ونحو ما أنشده أبو زيد:
باكرني بسحرة عواذلي ولومهنّ خبل من الخبل
«١» ونحو: نعم القائم أخوك، وبئس الذاهبان صاحباك، إلّا أنّ مجيئه للتخصيص أكثر. وإنّما جاءت في الآي شائعة لمشابهتها «من وما» واجتماعها معهما في الصلة، ألا ترى أنّ تعرف «الذي» بالصلة لا بالألف واللام؟ وإذا كان كذلك كان المعنى المتعرّف به لازما له لا يجوز إلقاؤه «٢»، كما جاز عند أبي الحسن إلقاء لام التعريف من قولهم «٣»: قد أمرّ بالرجل غيرك فيكرمني، والقوم فيها الجمّاء الغفير، والخمسة العشر درهما ونحو ذلك، وإذا لم يجز ذلك في الذي للزوم المعنى المعرّف للّذي، لم يحسن وصفه بما وصف به «٤» الرجل ونحوه، ممّا قد يتنكّر فيتنزّل «٥» لذلك منزلة الأسماء الشائعة،
_________________
(١) نسلّ وجد الهائم المغتلّ ببازل وجناء أو عيهلّ قال في النوادر: المغتل: الذي اغتل جوفه من الشوق والحب والحزن كغلة العطش، والوجناء: الغليظة. والعيهل: الطويلة. قال في اللسان: قال ابن سيده: شدد اللام لتمام البناء، إذ لو قال أمر عيهل بالتخفيف لكان من كامل السريع، والأول كما تراه من مشطور السريع. وإنما هذا الشد في الوقف، فأجراه الشاعر للضرورة حين وصل مجراه إذا وقف.
(٢) أورده أبو زيد في النوادر (٤٠) مع أربعة أبيات منسوبة إلى عبدة بن الطبيب.
(٣) في (ط): لا يجوز له إلقاؤه.
(٤) في (ط): في قولهم.
(٥) في (ط): بما يوصف.
(٦) في (ط): فينزل.
[ ١ / ١٥٢ ]
ويقدّر إلقاء الألف واللام منه ليحسن بذلك وصفه بما توصف به «١» النكرة، أو تقدّر «٢» في الصفة الألف واللام، كما يقدّره «٣» الخليل وسيبويه ليصح بذلك كونه وصفا لما فيه الألف واللام.
قال أبو عثمان: يجوز عندي: زيد هو يقول ذاك، وهو فصل، ولا أجيز: زيد هو قال ذاك، لأني أجيز «٤» الفصل بين الأسماء والأفعال، ولا يجوز في الماضية كما جاز في المضارعة، وذلك أن سيبويه قد قال: إني لأمر بالرجل خير منك فيكرمني، وبالرجل يكرمني، وهما صفة على توهّم الألف واللام، فكذلك في الفصل أتوهم الألف واللام في الفعل ويكون «٥» بمنزلة إلغائه بين المعرفتين، كما أقول: كان زيد هو خيرا منك، على توهّم الألف واللام في خير منك، ولا يجوز كان زيد هو منطلقا، لأني أقدر على الألف واللام، وإنما يجوز هذا فيما لا يقدر فيه على الألف واللام.
وأمّا من قدّر (غَيْرِ) صفة للّذين، وقدره معرفة لما «٦» ذكره أبو بكر، فإن وصفه للذين بغير كوصفه له بالصفات المخصوصة، وقد حمله سيبويه على أنه وصف.
ومن لم يذهب بغير هذا المذهب. ولم يجعله مخصوصا؛ استجاز أن يصف (الَّذِينَ) بغير من حيث لم يكن
_________________
(١) في (ط): بما وصف به.
(٢) في (ط): أو يقدر.
(٣) في (ط): كما يقدر.
(٤) في (ط): لا أجيز، والصحيح ما في (م)، بدليل السياق.
(٥) كذا في (ط): وفي (م): «تكون» يريد الفصل، أي ضمير الفصل.
(٦) في (ط): كما.
[ ١ / ١٥٣ ]
الذين مقصودا قصدهم، فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنّه لم يرد به شيء معيّن. ونظير ذلك ممّا دخله الألف واللام فلم يختصّ بدخولهما عليه لمّا لم يكن مقصودا قصده قولهم: قد أمرّ بالرجل مثلك فيكرمني، عند سيبويه، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معيّنا، وكذلك أجاز مررت بأبي العشرة «١» أبوه، فترفع أبوه بأبي العشرة، إذا لم تكن العشرة شيئا بعينه لأنّ هذا موضع يحتاج فيه إلى خلاف التخصيص، لعمل الاسم عمل الفعل، ألا ترى أن اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل، وكذلك قال في قوله: إمّا العبيد فذو عبيد: إذا لم يجعلهم عبيدا بأعيانهم جاز أن يقع موقع المصدر، وكذلك قولهم: سير عليه الأبد، والليل والنهار، والشهر والدهر، فلذلك وقعت في جواب كم دون متى في قولهم: سير عليه الليل والنهار، والدهر والأبد، فكما أن هذه الأشياء التي فيها الألف واللام لمّا لم يرد به شيء معيّن جرت «٢» مجرى النكرات،
كذلك (الَّذِينَ) إذا لم يرد به شيء معيّن جاز أن يوصف بما يوصف به ما كان غير معيّن.
ويقوّي هذا الوجه قول من رأى أنّه إذا نصب كان منتصبا على الحال، وهذا النحو إذا انتصب على الحال كان شائعا غير مخصوص، إذا «٣» لم يكن كالعراك وجهدك وطاقتك.
وحكم الحال وما انتصب عليها أن يكون نكرة، كما أن ما
_________________
(١) انظر الكتاب (١/ ٢٣٠)، ونص العبارة هناك: مررت برجل أبي عشرة أبوه.
(٢) في (ط): جرين.
(٣) كذا في (ط): وفي (م): «إذ».
[ ١ / ١٥٤ ]
انتصب على التمييز كذلك، ويكون العامل في الحال أنعمت، كأنّه قال: أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم!، أي في حال انتفاء الغضب عنهم، كما أنّ قولهم: جاءني زيد راكبا تقديره:
جاءني زيد في حال الركوب، وهكذا يمثّلونه.
فإن قلت: كيف جاز هذا التقدير وراكب عبارة عن زيد، وهو هو «١» في المعنى، وأنت لو قلت: جاءني زيد «٢» في حال نفسه لم يستقم؟ فالقول: إن ترجمة راكب- وإن كان زيدا في المعنى- لا يمتنع أن يكون ما «٣» ذكرنا، وإن لم يحسن جاءني زيد في حال نفسه، لأنّ راكبا يدلّ على الركوب، وزيد لا يدلّ عليه، ألا ترى أنهم قد قالوا:
إذا نهي السفيه جرى إليه «٤» أي: إلى السفه، فأضمره لمّا كان قد تقدّم ما يدل عليه؟
فإذا كان في ذكر راكب دلالة على الركوب، لم يمتنع أن تقول في ترجمة جاءني زيد راكبا: جاءني زيد في حال ركوبه،
_________________
(١) هو الثانية ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): زيد جاءني.
(٣) كذا في (ط). وفي (م) بما ذكرنا.
(٤) صدر بيت عجزه: وخالف والسفيه إلى خلاف ولم نجده منسوبا، وروي زجر مكان نهي. (انظر معاني القرآن: ١/ ١٠٤، وخزانة الأدب: ٢/ ٣٨٣، ٢٢٩). وقوله: «قالوا» يريد أن العرب يتمثلون به، وإن كان القائل في الأصل واحدا. وانظر الخصائص ٣/ ٤٩ والأمالي الشجرية ١/ ٦٨، ١١٣، ٣٠٥.
[ ١ / ١٥٥ ]
فيجعل «١» الركوب وقتا لفعله، لأنّ المصادر تكون نحو:
مقدم الحاج.
ومن هاهنا «٢» قال أبو الحسن وغيره فيها: إنّها وقت، ولمّا كان هذا معناها أجراها العرب «٣» مجرى الظرف، وإن كانت عبارة عن زيد ونحوه، فاستجازت أن تعمل فيها المعاني، كما أعملتها في الظروف، ولم تجعله «٤» بمنزلة الظروف من حيث كان مفعولا مختصا، فلم تعمل فيها المعاني متقدّمة.
ويؤكد أنّها عندهم بمنزلة الظروف إخلاؤهم إيّاها من الذكر العائد إلى ذي الحال كإخلائهم الظروف من ذلك، وذلك نحو قولهم: أتيتك وزيد قائم، ولقيتك والجيش قادم، فخلا من ذكر عائد، واستغنى بالواو عن ذلك لما فيها من دلالة الاجتماع. ومن ثمّ مثله سيبويه بإذ في قوله: إذ طائفة «٥» حيث لم يعد من الجملة التي بعد الواو ذكر إلى من هذه الجملة حال لهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا في أمر الحال من أنّه أشبه الظرف والمفعول به فلم يكن بمنزلة المفعول به على حدته، ولا الظرف على انفراده- وجب أن يكون انتصابها على ضرب آخر غيرهما، كما أن حكمها غير حكم كل واحد منهما «٦» على انفراده.
_________________
(١) في (ط): فتجعل.
(٢) في (ط): ومن هنا.
(٣) في (ط): أجرته العرب.
(٤) كذا في (ط): وفي (م): «يجعله».
(٥) في توجيه قوله تعالى من سورة [آل عمران/ ١٥٤]: «يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ» على أنه: يغشى طائفة منكم، وطائفة في هذه الحال، كأنه قال: إذ طائفة في هذه الحال. انظر سيبويه ١/ ٤٧.
(٦) منهما: ساقطة من (ط).
[ ١ / ١٥٦ ]
وكثيرا ما يجتمع في الشيء الواحد الشبه من وجهين وأصلين. فمن ذلك حروف الجر في: مررت بزيد ونحوه، وهو من جهة بمنزلة جزء من الفعل، ومن أخرى بمنزلة جزء من الاسم. أما الجهة التي كان منها بمنزلة جزء من الفعل، فلأنّه قد أنفذ الفعل إلى المفعول، وأوصله، كما أنّ الهمزة في نحو:
أذهبته، قد فعلت ذلك، وكما أنّ تضعيف العين في خرّجته وفرحته، قد فعل ذلك. وأمّا كونه بمنزلة جزء من الاسم فهو أنّك قد عطفت عليه بالنصب في نحو: مررت بزيد وعمرا، لمّا كان موضع الجارّ والمجرور نصبا، ومن ثم قدّمت على الاسم في نحو: بمن تمرر أمرر به، وبمن تمر. وكذلك قولهم: لا أبا لك، هو من وجه منفصل، ومن وجه متصل، فكذلك الحال:
من وجه بمنزلة المفعول به، ومن وجه بمنزلة الظرف الذي هو مفعول فيه.
وفيما ذكرناه- من جواز خلوّ الحال من ذكر يعود منها إلى ذي الحال- ما يدلّ على جواز وقوع الأسماء التي ليست بصفات أحوالا، نحو البسر والرطب والقفيز، وما أشبه ذلك من الأسماء التي لا تناسب الفعل. وفي التنزيل: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [هود/ ٦٤].
وأمّا من ذهب إلى أن غيرا منتصب بالاستثناء، فإن الاسم المنتصب في الاستثناء ينتصب بالفعل الذي قبله أو بمعناه بتوسّط إلّا. ومما يدل على انتصابه بذلك- بتوسط هذا الحرف- أنّ حروف الجر قد وقعت هذا الموقع في نحو: جاءني القوم حاشا زيد وخلا زيد، فكما أنّ حرف الجر قد أوصل
[ ١ / ١٥٧ ]
الفعل أو معناه إلى المستثنى، فكذلك إلّا قد أوصلت ذلك إلى ما بعدها.
ونظير إلا في الاستثناء- في إيصالها الفعل إلى ما بعدها، وانتصاب الاسم بذلك- الواو في قولهم: جاء البرد والطيالسة، واستوى الماء والخشبة، فانتصاب الاسم بعد إلا كانتصابه بعد الواو، ألا ترى أنه لولا الواو لم يصل الفعل إلى الاسم المنتصب على أنّه مفعول معه، كما أنّ إلّا في الاستثناء لولا هي لم يصل الفعل، ولا معناه إلى الاسم المستثنى.
وقد يعمل «١» بواسطة الحروف عوامل، لولا توسّطها لم تعمل فيما تعمل «٢» فيه مع دخول الحرف، ألا ترى أنّ اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل عند عامة النحويين، وقد أجازوا جميعا: هذا مارّ بزيد أمس، لمكان حرف الجر. وتقول: أنت أعلم بزيد منك بعمرو. وفي التنزيل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [النجم/ ٣٠] فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
أكرّ وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا
«٣» فعلى إضمار فعل يدلّ عليه أضرب، كما أن قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام/ ١١٧] على ذلك.
يدلّك على هذا أنّ (من) لا يخلو من أن تكون موصولة
_________________
(١) في (ط): وقد تعمل.
(٢) كذا في (ط): وفي (م): «يعمل».
(٣) تقدم هذا الشاهد في ص/ ٢٧.
[ ١ / ١٥٨ ]
أو استفهاما، فإن كان صلة كان مختصّا، والمفعول به إذا كان مختصا لم تعمل فيه المعاني، وإن كان استفهاما فالذي يعلّق قبل الاستفهام- من الأفعال- ما جاز فيه الإلغاء وما شبّه به، وليست المعاني بواقعة موقع الأفعال في هذا الموضع، فعلمت بهذا أنّه على إضمار فعل.
فإن قلت: فإنّ الاسم في هذا الباب قد انتصب من غير أن يتوسّط حرف «١»، وذلك نحو: غير. في قولهم: جاءني القوم غير زيد، فانتصب غير بالاستثناء من غير أن يتوسط الحرف، فهلّا دلّ ذلك على أن الفعل حيث ذكرت لم يصل بتوسط الحرف. قيل: لا يدل هذا على ما ذكرته، وإنّما وصل الفعل إلى «غير» بغير حرف توسّط، ولم يصل إلى زيد ونحوه إلّا بالحرف، لأنّ غيرا مبهم، والأسماء المبهمة تعمل فيها عوامل لا تعمل في المخصوصة، ألا ترى أن خلفك وعندك ونحو ذلك قد عمل فيهما من المعاني ما لا يعمل في المختصّ غير المبهم، وكذلك الحال والتمييز، قد عمل فيهما ما لا يعمل في غيرهما من الأسماء المختصة. فكما لم يحتج إلى توسط الحرف في عمل ما قبل «غير» في غير، كذلك لم يحتج إلى توسطه في عمل ما قبل سوى في الاستثناء في «سوى» لأنّها في الإبهام بمنزلة «غير» فانتصب بأنّه ظرف، والظروف تعمل فيها المعاني. فلمّا اجتمعت «غير» معها في ذلك كان مثلها في الاستغناء عن توسط الحرف معها.
ومما يدل على استغناء الفعل عن الحرف الذي يصل به
_________________
(١) في (ط): من غير توسط حرف.
[ ١ / ١٥٩ ]
مع غير أن غيرا في قولك: أتاني القوم غير زيد، هم الآتون.
فإذا كان إيّاهم في هذا «١» المعنى لم يكن بمنزلة المنصوب في باب المفعول معه، ولا بمنزلة الاسم المنتصب بعد إلا في الاستثناء، ولكنه مشابه للحال، من حيث كان المنصوب المرفوع في المعنى، ولم يكن مخصوصا، كما أن الحال غير مخصوص «٢»، فلم يحتج فيه إلى توسط الحرف لإيصال الفعل، كما لم يحتج إلى ذلك في الحال.
وممّا جاء (غَيْرِ) فيه صفة قوله تعالى «٣»: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء/ ٩٥]، فمن رفع غيرا كان وصفا للقاعدين. والقاعدون غير مقصود قصدهم، كما كان قوله: «٤» الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ كذلك.
والتقدير لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحّاء والمجاهدون. ومن نصبه كان استثناء من القاعدين، وإن شئت كان من المؤمنين، لأن غيرا واقع بعد الاسمين الموصولين، ولو وقع متقدما على المؤمنين لم يكن استثناؤه إلّا من القاعدين، لأنّ العامل في المستثنى ما في الصلة، فلا يجوز أن يتقدم على الموصول. ومن جر غيرا كان وصفا للمؤمنين، والتقدير لا يستوى القاعدون من المؤمنين الأصحّاء.
فأمّا قوله سبحانه «٥»: إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب/ ٥٣] «فغير» حال من قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ،
_________________
(١) في (ط): سقطت كلمة «هذا».
(٢) في (ط): غير مخصوصة.
(٣) في (ط): قوله ﷿.
(٤) في (ط): قوله ﷿.
(٥) سبحانه: غير مذكورة في (ط).
[ ١ / ١٦٠ ]
ولا يجوز أن يكون وصفا للطعام كما جاز أن يكون «غير» في الأخرى وصفا للقاعدين مرّة «١»، وللمؤمنين أخرى «٢»، لأنّ الناظرين هم المخاطبون، فهم غير الطعام. فكما أنّك لو قلت:
إلى طعام لا ناظرين إناه، لم يكن بد من أن تقول: أنتم، لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له فلا بد من إظهار الضمير فيه، فكذلك لو جعلت غيرا صفة غير حال للزم أن تظهر الضمير. وكذلك تقول: هذه شاة ذات حمل مثقلة به هي، فتظهر الضمير، لأنّ اسم الفاعل للشاة، وقد جرى على الحمل. ولو رفعت لم تحتج إلى الإظهار.
وأصل هذا أنّ الفعل، بما «٣» يتضمّنه من الضمير، أقوى من اسم الفاعل مع ما يتضمنه [مما يتضمّنه] «٤» اسم الفاعل، فإذا أظهر الضمير في الفعل حيث أدّى إلى الإلباس، فأن يظهر الضمير في اسم الفاعل أولى وأوجب. فمن ثم قال أبو الحسن: إن هذا الضمير إذا لم يظهر كان لحنا. وليس قول من قال: إن إظهاره لا يلزم استدلالا بقول الشاعر «٥»:
أمسلمتي للموت أنت فميّت وهل للنفوس المسلمات بقاء
بمستقيم، لأنّ قوله: فميت يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: فأنا ميت.
وقال قوم: تقول: أنت غير القائم ولا القاعد، تريد:
_________________
(١) سقطت كلمة «مرة» من (ط).
(٢) سقطت كلمة «أخرى» من (ط).
(٣) في (ط): لما.
(٤) ما بين معقوفين ساقط من (ط).
(٥) وهو مجنون ليلى، والبيت في الأغاني ٢/ ٤٤ برواية: «أتاركتي .. الخائفات بقاء». وانظر الديوان ص ٤١.
[ ١ / ١٦١ ]
وغير القاعد، كما قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
قالوا: ولم يجيء هذا في المعرفة العلم، فلا يجوز: أنت غير زيد ولا عمرو. وهذا إن لم يسمع كما قالوا، فإنّه لا يمتنع أن يقاس فيجوز على ما سمع. وذلك أنّ هذا إنّما جاء لما في «غير» من معنى النفي، فكما أجازوا أنا زيدا غير ضارب لمّا كان المعنى معنى النفي، فجعلوه بمنزلة حرفه، ولم يجعل بمنزلة «مثل» وما كان نحوه من الأسماء المضافة، فكذلك يجوز أن يجعل غير «١» بمنزلة حرف النفي في المعرفة المؤقتة، فيكرّر معه لا كما كرّر مع غير العلم.
فإن قلت: فإن من الناس من يحمل انتصاب زيد في: أنا زيدا غير ضارب على مضمر، ولا يحمله على «ضارب» هذا كما لا يحمله عليه إذا قال: أنا زيدا مثل ضارب. قيل: إن حمله على المعنى وعلى ما في اللفظ من هذا العامل الظاهر أبين، لأنّهم قد حملوا الكلام على المعنى في النفي في مواضع غير هذا. ألا ترى أنّهم قالوا: قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد؟ فجعلوا قلّ- وإن كان فعلا- بمنزلة الحرف النافي لمّا كان مثله، فكذلك «غير» إذا كان معناه النفي جعل بمنزلة حرف النفي، فلحقت «لا» معه كما تلحق مع حرف النفي.
وقالوا:
إنّما سرت حتى أدخلها، فلم يجز الرفع بعد حتى، كما لم يجز بعد «٢» حرف النفي، إذا قال: ما سرت حتى أدخلها، وذلك إذا احتقر السير إلى الدخول. ويدل على أن هذا يجري مجرى النفي قوله:
_________________
(١) غير: ساقطة من (ط).
(٢) في (ط): مع.
[ ١ / ١٦٢ ]
وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
«١» وقالوا نشدتك الله إلا فعلت، فإذا جازت في هذه الأشياء «٢» أن تجري مجرى النفي فكذلك ما ذكرناه.
ومن جعل (غَيْرِ) استثناء لم يمتنع على قوله دخول لا بعد الحرف العاطف، كما لم يمتنع في قولهم: أنت غير القاعد ولا القائم «٣». وذلك أن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك:
جاءني القوم إلا زيدا بمنزلة قولك. جاءني القوم لا زيد.
فيجوز أن تدخل لا حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة «٤» في هذا الوجه، كما تجعلها زيادة «٥» في قوله: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [فاطر/ ٢٢].
وإذا جاز دخول «لا» مع الاستثناء من هذين «٦» الوجهين، فلا وجه لقول من أنكره. وكذلك يجوز زيادة «لا» في قول من جعلها حالا أو صفة أو بدلا.
وقد دخلت «لا» زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره. فمن ذلك قوله تعالى «٧»: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد/ ٢٩].
_________________
(١) من بيت للفرزدق، تتمته كما في الديوان ٢/ ٧١٢: أنا الضامن الحامي الذمار والبيت من قصيدة طويلة يهجو بها جريرا. وهو من شواهد شرح أبيات المغني ٥/ ٢٤٨. قال البغدادي: قال أبو علي في الشيرازيات: إنهم عاملوا «إنما» معاملة النفي وإلا في فصل الضمير، وأنشد البيت.
(٢) في (ط): هذه الثلاثة الأشياء.
(٣) في (ط): غير القائم ولا القاعد.
(٤) في (ط): زائدة.
(٥) في (ط): كما جعلتها زائدة.
(٦) في (ط): في هذين.
(٧) تعالى: ساقطة من (ط).
[ ١ / ١٦٣ ]
وقد أجاز سيبويه قياسا على هذا «أمّا أن لا يكون يعلم فهو يعلم» «١» على زيادة لا. وقد جاء زيادتها في الإيجاب كما جاء في النفي، قال: «٢»
أفعنك لا برق كأن وميضه غاب تسنّمه ضرام مثقب
وأنشد أبو عبيدة:
ويلحينني في اللهو ألّا أحبّه «٣» وقال تعالى: «٤» ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف/ ١٢]، وفي الأخرى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص/ ٧٥]. ومن ذلك قول جرير:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين
«٥»
_________________
(١) انظر الكتاب: ١/ ١٩٥.
(٢) في (ط): قال الشاعر. والبيت ذكره في البحر المحيط ٤/ ٢٧٣ وفيه: غاب يقسمه، مكان: غاب تسنمه.
(٣) عجزه: وللهو داع دائب غير غافل وهو للأحوص. انظر شعره ١٧٣ ورغبة الآمل ٢/ ٨ والبحر المحيط ١/ ٢٩ وشرح أبيات المغني للبغدادي ٥/ ١٨.
(٤) في (ط): وقال، بدون تعالى.
(٥) البيت مطلع قصيدة لجرير، يهجو بها الفرزدق. قال الأعلم: والمعنى، قد علاك مشيب حين حين وجوبه. هذا تفسير سيبويه. ويجوز أن يكون المعنى: ما بال جهلك بعد الحلم والدين، حين لا حين جهل ولا صبا فتكون (لا) لغوا في اللفظ دون المعنى انظر الكتاب: ١/ ٣٥٨، والديوان/ ٥٥٧. وشرح أبيات المغني ٥/ ٨٤ و٦/ ١٢١ والبيت من شواهد
[ ١ / ١٦٤ ]
لا فيه زائدة، والتقدير: وقد علاك مشيب حين حين، وإنّما كانت زائدة لأنّك إذا قلت: علاك مشيب حينا فقد أثبت حينا علاه فيه المشيب.
فلو جعلت (لا) غير زائدة لوجب أن تكون نافية على حدّها في قولهم:
جئت بلا مال، وأبت بلا غنيمة، فنفيت ما أثبتّ، من حيث كان النفي ب (لا) عامّا منتظما لجميع الجنس، فلمّا لم يستقم حمله على النفي للتدافع العارض في ذلك حكمت بزيادتها، فصار التقدير: حين حين.
وهذه الإضافة من باب: حلقة فضة، وخاتم حديد، لأنّ الحين يقع على الزمان القليل كالساعة ونحوها، يدل على ذلك قوله:
تطلّقه حينا وحينا تراجع «١» ويقع على الزمان الطويل كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الدهر/ ١] وعلى ما هو أقصر من
_________________
(١) الخزانة ٢/ ٩٤ ونقل البغدادي هنا قول الفارسي في (لا) بعد أن ذكر كلام غيره قائلا: وقد طبق المفصل أبو علي الفارسي في الحجة في الكلام على آخر سورة الفاتحة قال: «لا فيه زائدة ».
(٢) عجز بيت من عينية النابغة الذبياني صدره في الديوان/ ٤٧: تناذرها الراقون من سوء سمّها وفيه رواية ابن السكيت «عصرا وعصرا» ورواية أبي عبيدة: «طورا وطورا» بدل: «حينا وحينا» والبيت في شرح أبيات المغني ٢/ ١٦٥ و٧/ ١٩٩ برواية المصنف.
[ ١ / ١٦٥ ]
ذلك، كقوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم/ ٢٥]، فصار حين حين كقول الآخر:
ولولا يوم يوم ما أردنا جزاءك والقروض لها جزاء
«١» وليس هذا كقوله:
حنّت قلوصي حين لا حين محنّ «٢» لأنّه في قوله: لا حين محنّ- ناف حينا مخصوصا لا ينتفي بنفيه جميع الأحيان، كما كان ينتفي بالنفي العامّ جميعها، فلم يلزم أن تكون (لا) زيادة «٣» في هذا البيت، كما لزم زيادتها في حين لا حين «٤».
فهذا الحرف يدخل في النكرة على وجهين: أحدهما: أن يكون زائدا كما مر في بيت جرير، والآخر: أن تكون غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كان على ضربين: أحدهما أن يكون لا مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو خمسة عشر، وذلك قولهم:
_________________
(١) البيت للفرزدق. يقول: لولا نصرنا لك في اليوم الذي تعلم ما طلبنا جزاءك. جعل نصرهم له قرضا، يطالبهم بالجزاء عليه (انظر الديوان: ١/ ٩، والكتاب: ٢/ ٥٣).
(٢) أورده سيبويه (١/ ٣٥٨) غير منسوب. قال الأعلم: الشاهد فيه نصب حين بالتبرئة، وإضافة حين الأولى إلى الجملة، وخبر لا محذوف. والتقدير: حين لا حين محن لها، أي: حنت في غير وقت الحنين، ولو جر الحين على الإلغاء لجاز. والقلوص: الناقة الفتية، وهي كالجارية من الأناسي، وحنينها: صوتها شوقا إلى أصحابها. والمعنى: أنها حنت إليها على بعد منها ولا سبيل لها إليها. انظر الخزانة ٢/ ٩٣.
(٣) في (ط): زائدة.
(٤) في (ط): لا حين محن.
[ ١ / ١٦٦ ]
غضبت من لا شيء، وجئت بلا مال. فلا مع الاسم المنكور في موضع جرّ بمنزلة خمسة عشر، ولا ينبغي أن يكون من هذا الباب قوله:
حنّت قلوصي حين لا حين محنّ لأن (حين) هاهنا منصوب نصبا صحيحا لإضافته، ولا يجوز بناء المضاف مع لا كما جاز بناء المفرد معها. وإنّما (حين) في هذا البيت مضافة إلى جملة، كما أنّها في قوله:
حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ [الأنبياء/ ٣٩] كذلك، إلا أن الخبر محذوف وخبر (لا) يحذف كثيرا. ونظير هذا في حذف الخبر من الجملة المضاف إليها ظرف الزمان- قولهم:
كان هذا إذ ذاك.
والآخر: ألّا تعمل (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي «١»، فتكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه «٢» مع هذا صحيح. وذلك كقول النابغة:
أمسى ببلدة لا عمّ ولا خال «٣»
_________________
(١) في (ط): معنى النفي فيه.
(٢) فيه: ساقطة من (ط).
(٣) عجز بيت له يرثي فيه أخاه، وصدره: بعد ابن عاتكة الثاوي لدى أبوي وقبله: لا يهنئ الناس ما يرعون من كلأ وما يسوقون من أهل ومن مال انظر الديوان/ ٢١١ والحماسة بشرح التبريزي ٢/ ٣٥٩ وفيه: على أمر مكان: لدى أبوي. وأمر بالتحريك. موضع بنجد من ديار غطفان. ورواية الديوان: الثاوي على أبوي. وهو اسم موضع أو جبل بالشام (معجم البلدان).
[ ١ / ١٦٧ ]
وقال الشمّاخ:
إذا ما أدلجت وصفت يداها لها إدلاج ليلة لا هجوع
«١» وقال رؤبة:
لقد عرفت حين لا اعتراف «٢» وبيت الكتاب:
تركتني حين لا مال أعيش به وحين جنّ زمان الناس أو كلبا
«٣» وهذا الوجه عكس ما جاء فيما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر: «٤»
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إليّ لامت ذوو أحسابها عمرا
«٥»
_________________
(١) ديوانه ص ٢٢٦. وأدلجت: سرت من أول الليل. ليلة لا هجوع: لا نوم فيها. وقد ذكر محقق الديوان رواية البيت في اللسان والتاج والصحاح والأساس في مادة (لا- وصف- دلج).
(٢) بعده: أنك تعنوني بالإلحاف ورواية الديوان ص ١٠٠ ضمن مجموع أشعار العرب: قد اعترفت.
(٣) قال الأعلم: «الشاهد في إضافة حين إلى المال، وإلغاء لا وزيادتها في اللفظ، على حد قولهم: جئت بلا زاد. ولو رفع المال على شبه (لا) بليس لجاز». يرثي ابنا له، فقده أحوج ما كان إليه لفقره. وكلب الزمان: شدته. وضرب الجنون والكلب مثلا لشدة الزمان، وأصل الكلب السعار. (انظر الكتاب: ١: ٣٥٧).
(٤) في (ط): وهذا الوجه عكس ما أنشده أبو الحسن.
(٥) البيت للفرزدق من قصيدة يهجو فيها عمر بن هبيرة ويروى: إذا للام.
[ ١ / ١٦٨ ]
ألا ترى أن (لا) في المعنى زيادة «١»، وقد عملت، وفي قوله: ليلة لا هجوع، وبابه معنى النفي فيه صحيح ولم تعمل «٢».
ومما جاءت فيه (لا) زائدة- إنشاد من أنشد:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
«٣» [قال أبو الحسن: فسرته العرب: أبى جوده البخل، وجعلوا (لا) زائدة حشوا وصلوا بها الكلام] «٤». واختلفوا في قول الشماخ:
أعائش ما لأهلك لا أراهم يضيعون الهجان مع المضيع
«٥»
_________________
(١) انظر الديوان/ ٢٨٣ وشرح أبيات المغني ٥/ ٢٢ والبيت من شواهد الرضي في الخزانة ٢/ ٨٧ والعيني ٢/ ٣٢٢، ورواية الديوان: إليّ لام ذوو أحلامهم عمرا.
(٢) في (ط): زائدة.
(٣) إلى هنا ينتهي نقل البغدادي عن الفارسي في الخزانة المشار إليه ص ١٦٥.
(٤) البيت ذكره ابن الشجري في أماليه ٢/ ٢٨٢ وهو من شواهد شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ٥/ ٢٠ ولم ينسب لقائل.
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة في (م). هذا وبهامش نسختي الأصل (م) و(ط) هذا التعليق: كذا روى أبو الحسن هذا البيت في كتاب القرآن: أنه لا يمنع الجود، وأنشد في موضع آخر: الجوع. وتأويله: على قاتل الجوع وهو الطعام وما يحضره. أراد أنه لا يبخل.
(٦) عائش: ترخيم عائشة، وهي امرأة الشماخ. يضيعون من الإضاعة، ضد
[ ١ / ١٦٩ ]
فروى التّوزيّ عن أبي عبيدة: أنّ (لا) زائدة، وذهب غيره إلى أنّها ليست زائدة.
ومما يجوز أن تكون (لا) فيه زيادة «١» قول الشاعر:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منّا ولا من سوائنا
«٢» فأمّا القول في (منّا)، فإنّه يجوز أن يتعلق بشيئين:
أحدهما أن يكون: إذا جلسوا منّا، أي: إذا جلسوا مخالطين لنا؛ لأنّ (منّا) قد استعمل في هذا المعنى، ألا ترى أنّه قد قال «٣»: وتقول: أنت منّي فرسخين، فالمعنى: أنت مخالطي في هذه المسافة، وملابسي، فيكون التقدير: إذا جلسوا مخالطين لنا ومخالطين سوانا، و(لا) زائدة كما زيدت في قوله: «أفعنك لا برق» «٤».
_________________
(١) الإصلاح. الهجان: لفظ يستوي فيه الواحد والجمع، ومعناه الجمل الأبيض، أو الإبل البيض. يعني أن عائشة قالت له: لم تشدد على نفسك في المعيشة فرد عليها: ما لأهلك أراهم يتعهدون الإبل ويصلحونها، وأنت تأمرينني بإضاعة مالي؟ وهذا على أن لا نافية. فأما على أنها زائدة فهو يعيرها بإضاعة أهلها المال وأنهم لا يحسنون القيام عليها. انظر الأمالي: ١/ ١٠٥ والسمط: ١/ ٣٢٣ والديوان/ ٢١٩.
(٢) في (ط): زائدة.
(٣) البيت للمرار بن سلامة العجلي. سوائنا: سوانا. قال الأعلم: وصف نادي قومه ومتحدثهم بالتوقير والتعظيم، فيقول: لا ينطق الفحشاء من كان في نادينا من قومنا أو من غيرنا، إذا جلسوا للحديث، إجلالا لنا وتعظيما. انظر الكتاب: ١/ ١٣ و٢٠٣.
(٤) انظر الكتاب: ١/ ٢٠٨.
(٥) تقدم البيت صفحة/ ١٦٤.
[ ١ / ١٧٠ ]
والوجه الآخر «١»: (منّا) متعلّقا بما قبل، كأنه، من كان منهم منّا.
فإن قلت: كيف يصحّ أن يكون من كان منهم منّا؟ قيل:
هذا يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون (منّا) في معنى المخالطة والملابسة كما تقدّم، فيكون (منهم) مستقرّا، و(منّا) في موضع حال، ولا يكون (منّا) مستقرّا و(منهم) في موضع حال «٢» من قوله (منّا) لأنّ الحال لا تتقدم «٣» على العامل إذا كان معنى، فإن جعلت العامل في الحال كان جاز ذلك.
ويجوز أيضا في قوله: (من كان منهم منّا) أن يكون بينهم محالفة، فيجوز للحلف أن يقول: من كان منهم منّا: لأنّه يجوز- وإن كان من معشر آخرين- أن تقول: منا للحلف، أو للولاء.
وقد جاء: «مولى القوم منهم» «٤».
وعلى هذا
قوله: «الأذنان من الرأس» «٥»
وقال تعالى:
_________________
(١) في (ط): والوجه الثاني.
(٢) في (ط): ومنهم حالا.
(٣) في (ط): لا يتقدم.
(٤) هذا الحديث في البخاري عن أنس ونصه: (مولى القوم من أنفسهم» انظر فتح الباري ١٢/ ٤١.
(٥) قطعة من حديث ونصه: «حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال: توضأ النبي ﷺ فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا: ومسح برأسه وقال: «الأذنان من الرأس». قال الترمذي: قال قتيبة قال حماد: لا أدري هذا من قول النبي ﷺ أو من قول أبي أمامة. الترمذي ١/ ٤٦، أبو داود ١/ ٩٣، ابن ماجة ١/ ١٥٢. وذكره النووي في شرح المهذب ١/ ٤١٣. وذكر مذاهب العلماء في ذلك. وذكره الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٣.
[ ١ / ١٧١ ]
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧]، أي بعضهم يلابس بعضا ويوالي بعضا. وليس المعنى على النسل والولادة، لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن، ومن نسل المؤمن منافق. فهذا كقوله: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧]. وكذلك قوله: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران/ ٣٤] أي بعضها يوالي بعضا، ولا يتبرأ بعضهم من بعض. ويجوز في قوله: بعضها من بعض- أن يكون المعنى:
أنّهم في الآخرة متوالون، لا يتبرّأ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون والفاسقون. ألا تراه قال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦] وفَما لَنا مِنْ شافِعِينَ
وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[الشعراء/ ١٠٠] ونحو ذلك من الآي التي تدلّ على هذا المعنى فقوله: ذرّية بعضها من بعض، أي: هم على خلاف صفة المنافقين والكافرين، لأنّهم إخوان متوالون.
فأمّا قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [النساء/ ٢٥] فقد يكون المعنى والله أعلم: بإيمانكم بعضكم من بعض، أي: بعضكم يوالي بعضا ويلابس بعضا في ظاهر الحكم من حيث شملكم الإسلام فاجتمعتم فيه وصرتم متكافئين متماثلين لجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه في الديات والقصاص والمناكح والتّوارث ونحو هذا، مما جمعهم الإيمان فيه. وقال:
إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني
«١»
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني يخاطب عيينة بن حصن الفزاري، وكان قد دعاه وقومه إلى مقاطعة بني أسد ونقض حلفهم، فأبى عليه وتوعده بهم. وأراد
[ ١ / ١٧٢ ]
وقال جرير:
عرين من عرينة ليس مني برئت إلى عرينة من عرين
«١» وقال آخر- أظنّه الراعي-:
فقلت ما أنا ممن لا يواصلني ولا ثوائي إلا ريث أحتمل
«٢» وأما قوله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد/ ٢٢]. فإن موضع قوله: في الأرض يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفا، والآخر: أن يكون وصفا. فإن جعلته ظرفا احتمل أن يكون ظرفا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة، ولا ذكر فيه على شيء من هذين التأويلين، كما أنّ قولك: بزيد، من: مررت بزيد، كذلك.
ويؤكد ذلك ويحسنه دخول لا في قوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)، فصار ذلك مثل: ما ضربت من رجل ولا امرأة.
والضرب الآخر: أن يكون صفة للنكرة، ويكون متعلقا بمحذوف وفيه ذكر يعود إلى الموصوف. وقوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) صفة «٣» معطوفة على صفة، فإذا كان كذلك احتمل موضعه ضربين: أحدهما أن يكون جرا على لفظ قوله: من مصيبة، والآخر: أن يكون رفعا على موضع من مصيبة.
_________________
(١) بالفجور نقض الحلف. انظر الكتاب: ٢/ ٢٩٠، وشرح شواهد الشافية/ ٢٠٩ وروايتهما: ولست من، بحذف الياء للوقف. وانظر الديوان/ ١٩٩.
(٢) البيت لجرير، من سبعة أبيات في الهجاء. انظر الديوان/ ٤٢٩، والاشتقاق/ ٥٣٨، وفيهما: ليس منا، مكان: ليس مني.
(٣) رواه في أساس البلاغة (ريث)، منسوبا إلى الراعي، وفيه: ريث أرتحل، مكان ريث أحتمل.
(٤) سقطت كلمة «صفة» من (ط).
[ ١ / ١٧٣ ]
فإن قلت: فإذا كان كذلك فما وجه دخول لا في قوله:
(وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟ فالقول في ذلك أنّه لما كان معطوفا على ما هو منفيّ في المعنى- وإن لم يكن «١» منفيا في اللفظ- جاز أن يحمل الكلام على المعنى، فتدخل «لا» كما حملته على ذلك في قوله:
يحكي علينا إلّا كواكبها «٢» ألا ترى أنّ الضمير في يحكي لمّا كان لأحد المنفي أجريته مجرى المنفي «٣» في استجازتك البدل منه، كاستجازتك البدل من نفس المنفيّ فكذلك قوله: في الأرض، لما كان صفة لمنفي أجريته مجرى النفي «٤» فاستجزت العطف عليه (بلا). وإن شئت قلت: إنّ (لا) زائدة، والأول أبين، لأنّ الحمل على المعنى في النفي قد جاء في غير شيء، ألا ترى أنّهم قد قالوا: إنّ أحدا لا يقول ذاك إلّا زيد، لمّا كان في المعنى منفيا؟ ومن الحمل على المعنى قولهم: قد علمت زيد أبو من هو، فكذلك يكون ما ذكرنا «٥».
_________________
(١) في (ط): ولم يكن.
(٢) صدره: في ليلة لا نرى بها أحدا والبيت في الكتاب منسوب إلى عدي بن زيد. قال البغدادي في الخزانة ٢/ ٢٠، ٢١ وشرح أبيات المغني ٣/ ٢٣٣: تصفحت ديوان عدي بن زيد مرتين فلم أجده فيه. وإنما هذا البيت لأحيحة بن الجلاح الأنصاري، أثبته له الأصبهاني في الأغاني، ثم أورد سبعة أبيات، هو فيها البيت الرابع، انظر الأغاني: ١٥/ ٣١ وخبر الأبيات في شرح أبيات المغني والخزانة.
(٣) في (ط): مجرى النفي.
(٤) في (ط): مجرى المنفي.
(٥) في (ط): ما ذكرناه.
[ ١ / ١٧٤ ]