. أمّا كسر الهاء مع أنّ أصلها الضم فمن أجل الياء أو الكسرة اللّتين تقعان قبلها، والهاء تشبه الألف لموافقتها لها في المخرج من الحلق، ولما فيها من الخفاء، فكما نحوا بالألف نحو الياء بالإمالة من أجل الكسرة أو الياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء، وذلك حسن ليتجانس الصوتان ويتشاكلا، ألا تراهم كيف اتفقوا في اصطبر وازدجر وازدان على الإبدال من تاء
_________________
(١) في (ط): ليست.
(٢) في (ط): ونحوه.
(٣) في (ط): فيه.
(٤) في (ط): في.
[ ١ / ٢٠٧ ]
الافتعال حرفا مجانسا لما قبله من الحروف في الإطباق والجهر، فبحسب اتفاقهم في هذا الموضع على ما ذكرت لك طلبا لتشاكل الحروف يحسن الكسر في الهاء في: (فيه هدى).
والهاء وإن كانت متحركة والألف ساكنة فقد رأيتهم أجروها متحركة مجرى الألف والياء والواو إذا كنّ سواكن في القوافي في نحو: خليلها، ومرامها. وقد تقدم ذكر كثير من ذلك في فاتحة الكتاب.
وأمّا ترك إتباع الهاء الياء في: (فيه هدى). وما أشبهه في الوصل فلكراهة اجتماع حروف فيه «١» متقاربة، وقد كرهوا من اجتماع المتقاربة ما كرهوا من اجتماع الأمثال، ألا ترى أنّهم يدغمون المتقاربة كما يدغمون الأمثال فالقبيلان من الأمثال والمتقاربة إذا اجتمعت خفّفت تارة بالإدغام، وتارة بالقلب، وتارة بالحذف.
فما خفّف بالإدغام فنحو ردّ وودّ في وتد.
وما خفّف بالقلب فنحو: تقضيت وتقصيت «٢» [ونحو:
ظلت ومست] «٣» ونحو:
لا أملاه حتى يفارقا «٤»
_________________
(١) كذا في (ط)، وفي (م): منه.
(٢) في (ط) تقصيت وتقضيت.
(٣) بفتح أول الفعلين تخفيف: ظللت ومسست.
(٤) إشارة إلى شطر بيت ذكره البغدادي في شرح شواهد الشافية وهو: فآليت لا أشريه حتى يملني بشيء ولا أملاه حتى يفارقا على أن أصله لا أمله بتشديد اللام، من مللت الشيء بالكسر ومللت منه مللا وملالة وملة بفتح الميم إذا سئمته، انظر شواهد الشافية ٤/ ٤٤١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٨٩ والمخصص/ ٢٠٩.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ونحو: طست وستّ «١» وما خفف بالحذف فنحو قوله: «٢» اسطاع، واستخذ فلان مالا- فيمن قدره استفعل من تخذت- واستحيت، وعل ماء بنو فلان، وتقيت تتقي، وما أشبه ذلك.
وجهة التشابه في هذه الحروف أن الهاء من الحلق، والألف منه أيضا، والياء قريبة من الألف وموافقة لها في اللين، فمن ثمّ أبدلت من الياء في هذي فقالوا: هذه، فلمّا اجتمعت هذه الحروف المتقاربة خففوا بالحذف كما خفّف غيرها فيما «٣» أريتك بالحذف.
وممّا يحسّن الحذف هاهنا- مع ما ذكرنا من اجتماع المتشابهة- أن الهاء حرف خفيّ، فإذا اكتنفها ساكنان من حروف اللين كان كأن الساكنين قد التقيا، لخفاء الهاء وأنّهم لم يعتدّوا بها للخفاء في مواضع، ألا ترى أنّ من قال: ردّ فأتبع الضمّة الضمّة إذا وصل الفعل بضمير المؤنّث قال: ردّها، فلم يتبع الضمّ الضمّ كما كان يتبع قبل، وجعله بمنزلة ردّا، فكما لم يعتدّ بها هاهنا وجعلت الدال في حكم الملازقة «٤» للألف كذلك إذا لم يعتدّ بها في نحو: فيهي، وعصاهو، وخذوهو، صار كأن الساكنين قد التقيا. ولهذا حذف حرف اللين بعد الهاء من حذف من العرب، وإن كان الساكن الذي قبلها ليس من حروف اللين نحو: منه.
_________________
(١) كذا في (ط). وفي (م): ومست. قال في اللسان (ستت): ستّ: والأصل سدسة، فأدغموا الدال في السين فصارت تاء مشددة.
(٢) سقطت «قوله» من (ط).
(٣) في (ط): مما.
(٤) لزق كلصق ولسق انظر اللسان (لزق).
[ ١ / ٢٠٩ ]
ويذهب سيبويه إلى أنّ الإتمام في نحو: منهو، أجود من الحذف، وأن الحذف إذا كان قبل الهاء حرف اللين أحسن.
ولمن لم يتبع الهاء الياء ولا الواو في نحو: منه وعنه- وهو قراءة نافع إلّا فيما روي عنه من قوله: وأشركهو في أمري [طه/ ٣٢]- أن يحتجّ في حذف حرف اللين بعد الهاء، وإن لم يكن قبلها حرف اللين، «١» بترك اعتدادهم بها في ردّها، وبقولهم: يريد أن تضربها «٢» فيقول: كما لم يعتدّوا بها في هذه المواضع كذلك لا أعتدّ بها في: منه، فإذا أتبعت الهاء حرف اللين في: منه، فكأني قد جمعت بين ساكنين، لأنّ الهاء غير معتدّ بها عندهم حيث أريتك.
ومثل الهاء، في أنّه لمّا كان حرفا خفيا لم يعتدّوا به حاجزا، النون وذلك في قولهم: هو ابن عمي دنيا «٣» وفي قنية «٤» لمّا كانت النون خفيّة صارت الواو كأنّها وليت الكسرة فقلبتها، كما قلبتها في غازية ومحنية، «٥» ولو كان مكان النون حرف غيره لم يكن فيما بعده القلب، نحو: جرو وعدوه، فهذا مثل الهاء في أنّه للخفاء لم يعتدّ به حاجزا، كما لم يعتدّ بالهاء.
_________________
(١) في (ط): حرف لين.
(٢) أي بالإمالة مع الفصل بين الكسرة والهاء الممدودة بالياء.
(٣) يقال هو ابن عمي أو خالي أو نحوه دنيا بالضم، ودنية ودنيا بالكسر وتنوين الألف ومنعها، أي ابن عمي لحّا، وأصل الكلمة الواو من الدنو.
(٤) القنية بالكسر ما اكتسبه المرء، جرى أبو علي على أنها واوية من قنوت الشيء: كسبته، وذهب غيره إلى أنّها من قني يقنى كرضي يرضى ورمى يرمي، فهي يائية وجرى على ذلك في القاموس.
(٥) محنية الوادي بكسر النون: منعرجه.
[ ١ / ٢١٠ ]