اختلفوا في قوله تعالى: الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «٤» [الفاتحة/ ٦] فروي عن ابن كثير: السين والصاد. وروي عن أبي عمرو: السين، والصاد، والمضارعة «٥» بين الزاي والصاد، رواه عنه العريان بن أبي سفيان، وروى عنه الأصمعي «الزراط» بالزاي، والباقون بالصاد، غير أن حمزة يلفظ بها بين الصاد والزاي.
قال أبو بكر «٦»: للقارئ بالسين أن يقول: هو أصل الكلمة، ولو لزم لغة من يجعلها صادا مع الطاء لم يعلم ما أصلها.
ويقول من يقرأ بالصاد: إنّها أخفّ على اللسان، لأنّ
_________________
(١) في (ط): وهذا قول.
(٢) هو أبو عثمان المازني وتقدمت ترجمته ص: ١٦.
(٣) تقدم ذكره ص: ٤٣.
(٤) انظر السبعة في القراءات ص ١٠٥ وما بعدها.
(٥) المضارعة: المشابهة والمقاربة، اللسان/ ضر/.
(٦) هو أبو بكر محمد بن السري النحوي المعروف بابن السراج، وتقدمت ترجمته، وانظر خطبة الكتاب ص ٦.
[ ١ / ٤٩ ]
الصاد حرف مطبق كالطاء فتتقاربان، وتحسنان «١» في السمع، والسين حرف مهموس، فهو أبعد من الطاء، وهي قراءة أبي جعفر «٢» والأعرج «٣» وشيبة «٤» وقتادة «٥».
ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفا مجهورا حتى يشبه الطاء في الجهر، ورمت الخفّة، ويحتجّ بقول العرب:
صقر، وسقر، وزقر.
ويقول من قرأ بالمضارعة التي بين الزاي والصاد «٦»:
رمت الخفة، ولم أجعلها زاء خالصة، ولا صادا خالصة فيلتبس «٧» بأحدهما.
قال أبو بكر: والاختيار عندي الصاد، للخفّة، والحسن في السمع، وهو غير ملبس «٨»، لأنّ من لغته هذا إذا كان يتجنّب السين مع الطاء لم يقع عليه لبس، لأنّ السين كأنّها مهملة في الاستعمال عنده مع الطاء، وإنّما يقع الإلباس «٩» لو التبست كلمة بالسين بكلمة بالصاد في معنيين مختلفين، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر، ألا ترى أنّ من رويت عنه القراءة بالسين منهم قد رويت عنه بالصاد؟
_________________
(١) في (ط): فيتقاربان ويحسنان.
(٢) هو أبو جعفر المخزومي يزيد بن القعقاع المدني، تقدمت ترجمته ص ١١.
(٣) هو عبد الرحمن بن هرمز المدني الأعرج، تقدمت ترجمته ص ١١.
(٤) هو شيبة بن نصاح المدني، تقدمت ترجمته ص ١١.
(٥) هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي، تقدمت ترجمته ص ١٢.
(٦) في (ط): بين الصاد والزاي.
(٧) في (ط): فتلتبس.
(٨) في (ط): غير ملتبس.
(٩) في (ط): الالتباس.
[ ١ / ٥٠ ]
وقال «١»: وأما الزاي فأحسب الأصمعيّ لم يضبط عن أبي عمرو، لأنّ الأصمعي كان غير نحويّ، ولست أحبّ أن تحمل القراءة على هذه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهّمها زاء.
وأمّا القراءة بالمضارعة التي بين الزاي والصاد «٢» فعدلت عن القراءة بها، لأنّه تكلّف حرف بين حرفين، وذاك أصعب على اللسان، لأنّه إنّما استعمل في هذه الحال فقط، وليس هو بحرف يبنى عليه الكلم، ولا هو من حروف المعجم، ولست أدفع أنّه من كلام الفصحاء من العرب، إلا أنّ الصاد أفصح وأوسع وأكثر على ألسنتهم. والسين والصاد والزاي أخوات، والصاد أشبههنّ بالطاء، لأنّها مطبقة مثلها، والزاي أقرب أيضا إلى الطاء من السين، لأن الزاي حرف مجهور. قال أبو حاتم «٣»: ليست الزاي الخالصة بمعروفة. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: الحجّة لمن قرأ بالصاد أن القراءة بالسين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنّهم تركوا إمالة «واقد» ونحوه كراهة أن يصعّدوا بالمستعلي
بعد التسفل بالإمالة؟ فكذلك يكره على هذا أن يتسفّل ثم يتصعّد بالطاء في سراط، وإذا كانوا قد أبدلوا من السين الصاد مع
_________________
(١) في (ط): قال.
(٢) في (ط): بين الصاد والزاي.
(٣) هو أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني اللغوي النحوي المقرئ، كان إماما في علوم الأدب، وأخذ عنه علماء عصره كالمبرد وابن دريد وغيرهما، وتوفي سنة ٢٤٨ هـ، انظر ابن خلكان ٢/ ٤٣٠.
[ ١ / ٥١ ]
القاف في صقت، وصويق، ليجعلوها في استعلاء القاف مع بعد القاف من السين وقرب الطاء منها، فأن يبدلوا منها الصاد مع الطاء أجدر من حيث كانت الصاد إلى الطاء أقرب. ألا ترى أنّهما جميعا من حروف طرف اللسان، وأصول الثنايا، وأن الطاء تدغم في الصاد؟
ويدلّك على أنّ حسن إبدال الصاد من السين «١» في «سراط» لما ذكرت لك «٢» من كراهة التصعّد بعد التسفّل، أنّ من يقول: صويق، وصقت إذا قال: قست وقسوت لم يبدل الصاد منها، لأنّه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخفّ ولا يستثقل كما استثقل عكسه، ألا ترى أنّهم لم يميلوا نائق، وأمالوا، نحو قادر، وقارب؟
فإن قلت: إنّ السين الأصل بدلالة قولهم: سرطم «٣» وسرطراط «٤» والأخذ سرّيط «٥». قيل: الألف أيضا أصلها ألّا تمال، ولكن لمّا وقعت مع الكسرة والياء فأريد مجانسة
_________________
(١) في (ط): السين من الصاد.
(٢) زيادة في (م).
(٣) سرطم على وزن زبزج وجعفر: الأكول، وهو أيضا المتكلم البليغ.
(٤) السرطراط بكسرتين وبفتحتين الفالوذج والخبيص وهو طعام يعمل من التمر والسمن.
(٥) الأخذ سرّيط بضم السين وتشديد الراء المفتوحة وهو مثل، يقال: الأخذ سريط والأداء ضريط، على وزنه أيضا، ويروى أيضا: الأخذ سرّيطى والأداء ضرّيطى، بالقصر فيهما، وسريط وضريط بالتصغير والتخفيف، وسريطى وضريطى بكسر الأول وتشديد الراء المكسورة، يضرب لمن يأخذ الدين ويبتلعه، فإذا طولب للقضاء عنى وأتعب، انظر جمهرة الأمثال ١/ ١٧٠ واللسان، والقاموس/ سرط/.
[ ١ / ٥٢ ]
الصوتين وملاءمتهما أميلت، وترك الأصل الذي هو التفخيم والتحقيق لها.
فكذلك في باب صراط وصويق وصالخ «١» وصالغ «٢» لمّا أريد فيه «٣» ذلك ترك الأصل إلى تشاكل الصوتين وتجانسهما، وقد تركوا في غير هذا- لما ذكرت لك- ما هو أصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل، طلبا لاتّفاق الصوتين، ألا تراهم قالوا: شمباء، ومم بك «٤»، فلم يبينوا النون التي هي الأصل في الشّنب، ومن عامر؟ لمّا أرادوا أن يوفّقوا بين الصوتين. ولم يستجيزوا إدغام النون في الباء من حيث كان متشابها «٥» ما لم يدغم في الباء وهو الميم، فكما تركوا الأصل هاهنا طلبا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في سراط، ويختار إبدال الصاد من السين.
فأمّا القراءة بالزاي فليس بالوجه. وذلك أن من قال في أصدرت: أزدرت، وفي القصد: القزد، فأبدل من الصاد الزاي، فإنه إذا تحركت الصاد في نحو: صدرت، وصدقت، لم يبدل. فإذا لم يبدلوا الصاد زاء إذا تحركت مع الدال، وكانت الطاء في الصراط، مثل الدال في القصد في حكم
_________________
(١) أصلها: سالخ. والسالخ: جرب يسلخ منها الجمل، واسم الأسود من الحيات، للأنثى: أسودة، ولا توصف بسالخة. كذا في القاموس/ سلخ/.
(٢) يقال: بقرة سالغ ونعجة سالغ: إذا خرج ناباهما، وولد البقرة يقال له: سالغ في السنة السابعة. اللسان/ سلغ/.
(٣) في (ط): منه.
(٤) في (ط): شنباء، ومن بك.
(٥) يريد النون التي تظهر إذا كان بعدها حرف حلقي. وانظر الكتاب ٢/ ٤١٤.
[ ١ / ٥٣ ]
الجهر، فكذلك ينبغي ألّا تبدل من السين الزاي في سراط من أجل الطاء، لأنها قد تحرّكت كما تحركت في صدقت، مع أنّ بينهما في «سراط» حاجزين، وقد قال سيبويه «١»: إذا قال:
مصادر فجعل بينهما حرفا ازداد التحقيق حسنا وكثرة. يريد يزداد التحقيق للصاد كثرة إذا وقع الفصل بالحرف على التحقيق إذا وقع الفصل بحركة نحو: صدق.
وإنما لم تبدل «٢» في الموضعين لمّا فصلت الحركة أو الحرف، لأنّ التبيين وتصحيح الصاد في قصد وأصدرت «٣» قد كان يجوز ولا حاجز بينهما، فلمّا وقع الفصل وحجزت الحركة أو الحرف امتنع ما كان يجوز من قبل.
ألا ترى أن المتقاربين إذا وقعا في كلمة واحدة ففصل بينهما الحركة بيّن، وذلك نحو وتد. ومن أدغم قدّر فيه الإسكان، مثل فخذ فأدغم على ذلك؟ فكما لم يقو الإدغام ولم يكثر مع حجز الحركة كذلك لا يقوى البدل مع حجز الحركة، لاجتماع الموضعين في أن القصد فيهما تقريب حرف من حرف. فأمّا القراءة بالمضارعة، فأحسن من القراءة
بإبدال الزاي من السين، لأنّ من لم يبدل من الصاد الزاي إذا تحركت قد يضارع بنحو صاد صدقت، ويضارع بها إذا بعدت نحو مصادر، والصراط كما قالوا: حلبلاب «٤» فوفّقوا بين الحرفين مع حجز ما حجز بينهما من الحروف، وكأنّه أحبّ أن يشاكل بهذه
_________________
(١) انظر الكتاب: ٢/ ٤٢٧.
(٢) في (ط): لم يبدل.
(٣) في (ط): والصراط.
(٤) الحلبلاب: بكسر الحاء واللام هو اللبلاب بفتح اللام.
[ ١ / ٥٤ ]
المضارعة ليكثر بذلك تناسب أحد الحرفين إلى الآخر. فأشرب الصاد صوت الزاي لذلك.
ومما يقوّي مضارعة الصاد في الصراط بالزاي أنّهم حيث وجدوا الشين مشبهة للصاد والسين في الهمس والرخاوة والاستطالة إلى أعلى الثّنيّتين ضارعوا بها الزاي، لمّا وقع بعده «١» الدال ليتفقا في الجهر، وذلك نحو قولهم: أزدق في الأشدق، وكذلك فعلوا بالجيم قبل الدال لقربها من الشين، وذلك قولهم: أزدر في الأجدر، فإذا ضارعوا بهذين الحرفين الزاي ليقرّبوها بذلك من الدال مع تباعد مخارجهما من الزاي فأن يضارعوا بها الصاد أجدر، لقربها منها واتفاقهما في المخرج. ويؤكّد هذه المضارعة أنّهم قالوا: اجدرءوا «٢» واجدمعوا، فأبدلوا من تاء الافتعال الدال لمّا أشرب صوت الزّاي، كما أبدل «٣» في مزدجر ونحوه، ولا يجوز أن تخلص الشين، والجيم «٤» زاء كما فعلت ذلك في الصاد والسين في:
القصد، ويسدل ثوبه، لأنهما لم تقربا «٥» من الزاي قرب الصاد والسين «٦» منها.
ويقوي اتساع ذلك في الاستعمال أن سيبويه قال: زعم هارون «٧» أنها قراءة الأعرج، قال: وقراءة أهل مكة اليوم:
_________________
(١) في (ط): بعدها.
(٢) كذا في (ط)، وفي (م): اجدوروا.
(٣) في (ط): كما أبدلوا.
(٤) في (ط): الجيم والشين.
(٥) في (ط): لم يقربا.
(٦) في (ط): السين والصاد.
(٧) هو أبو عبد الله هارون بن موسى القارئ الأعور النحوي سبقت ترجمته ص ١٠.
[ ١ / ٥٥ ]
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ [القصص/ ٢٣] بين الصاد والزاي «١» قال: والمضارعة في الصاد يعني إذا كانت مع الدال أكثر وأعرف منها في السين، يعني في نحو: يزدل ثوبه.
وممّا يحتجّ به من أخلص الصاد وحققها على من ضارع بها الزاي أن يقول: الحرف «٢» قد أعلّ مرة بالقلب فلا تستقيم المضارعة، لأنّها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين فألّا يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر.
ويقوّي ذلك أنهم حذفوا النون من نحو بلعنبر، وبلحرث، ولم يحذفوا من بني النجار مع توالي النونات حيث كانت اللام قد اعتلّت «٣» بالقلب لئلا يتوالى إعلالان: الحذف والقلب، وإن كانا من كلمتين مفترقتين فإذا كره في هذا النحو كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد.
وممّا يحتجّون به على من ضارع بها الزاي، أنّ هذه المضارعة تشبه الإدغام في أنّه تقريب الحرف الأول من الثاني، فكما أنّ الصاد لا تدغم في الطاء، لانتقاص صوتها بذلك، فكذلك «٤» لا ينبغي أن يضارع بها لأنّ هذه المضارعة في حكم الإبدال، بدلالة أنّهم حيث ضارعوا بالجيم الزاي في قولهم:
اجدرءوا واجدمعوا أبدلوا من تاء الافتعال الدال كما أبدلوا في
_________________
(١) إشمام الصاد الزاي هو قراءة حمزة الزيات والكسائي وخلف ووافقهم رويس، وكلهم كوفيون، والأعرج مدني، انظر النشر ٢/ ٢٥٠ و٣٤١ وسيبويه ٢/ ٢٩٤.
(٢) في (ط): أن الحرف.
(٣) ف (ط): قد أعلت.
(٤) في (ط): كذلك.
[ ١ / ٥٦ ]
مزدجر. وقال سيبويه: لم تكن المضارعة هنا «١» الوجه، يعني في الصراط «٢».