قال أحمد بن موسى: كان نافع لا يميل الألف التي تأتي
_________________
(١) المنسأة: العصا.
(٢) من قول الفرزدق: راحت بمسلمة البغال عشية فارعي فزارة، لا هناك المرتع من قطعة يقولها حين عزل مسلمة بن عبد الملك من العراق، ووليه عمر بن هبيرة الفزاري، يهجوه ويدعو ألا يهنأ قومه النعمة بولايته. وأراد بالبغال بغال البريد التي ذهبت بمسلمة عند عزله. انظر الكتاب: ٢/ ١٧٠، والخصائص: ٣/ ١٥٢، وشرح شواهد الشافية/ ٣٣٥. والبيت في ديوانه ٢/ ٥٠٨ برواية: ومضت لمسلمة الركاب مودّعا
[ ١ / ٣٩٨ ]
بعدها راء مكسورة، مثل «١»: مِنَ النَّارِ ومِنْ قَرارٍ والْأَبْرارِ والْأَشْرارِ ودارَ الْبَوارِ والْأَبْصارِ، وبِقِنْطارٍ وبِدِينارٍ ودِيارِهِمْ وعَلى آثارِهِمْ بل كان في ذلك كلّه بين الفتح والكسر وهو إلى الفتح أقرب.
وكان ابن كثير وابن عامر وعاصم يفتحون ذلك كلّه «٢».
قال أبو علي: قد تقدم ذكر وجه قولهم في ترك الإمالة.
وقول أحمد «٣» في حكايته عن نافع: لا يميل الألف التي تأتي بعدها راء مكسورة، يريد به «٤» - إن شاء الله- لا يميل الفتحة نحو الكسرة إمالة شديدة فتميل «٥» الألف نحو الياء كثيرا، ولكن لا يشبع إمالة الفتحة نحو الكسرة فيخف لذلك إجناح الألف وإضجاعها، لأنّ أحمد قد قال بعد: كان في ذلك كلّه بين الفتح والكسر، وهو إلى الفتح أقرب، وإذا زال عن الفتح الخالص فهو إمالة، وإن كان بعض الإمالة أزيد من بعض.
ووجه حسن إمالة الألف إذا كان بعدها راء مكسورة. أنّ الراء حرف فيه تكرير، وذلك يتبين فيها إذا وقف عليها، فكأنّ الكسر متكرر وإذا تكرر الكسر ازدادت الإمالة حسنا، ليتجانس «٦» الصوت، فكما أنّها إذا انضمت أو انفتحت منعت الإمالة، لأنّ كلّ واحد من الحرفين المضموم والمفتوح كأنّه «٧»
_________________
(١) الأمثلة التي ضربها هي على التوالي من: البقرة/ ١٦٧ وإبراهيم/ ٢٦ وآل عمران/ ١٩٣ وص/ ٦٢ وإبراهيم/ ٢٨ وآل عمران/ ١٣ و٧٥ و٧٥ والبقرة/ ٨٥ والمائدة/ ٣٦.
(٢) كتاب السبعة ١٤٧.
(٣) في (ط): أحمد بن موسى.
(٤) كذا في (ط): وفي (م) يريد إن.
(٥) في (ط): فيميل.
(٦) في (ط): لتجانس.
(٧) كذا في (ط): وحذفت كأنه في (م).
[ ١ / ٣٩٩ ]
متكرر، والفتح والضمّ يمنعان الإمالة، كذلك إذا تكرر الكسر جلبها، كما أنّه إذا انضمّ أو انفتح منعها كما يمنعها الحرف المستعلي في نحو: طالب، وظالم، وناقد، ونافق.
قال أحمد: وأمّا الكسائي فروى عنه أبو الحارث «١» أنّه لم يمل من ذلك شيئا، إلّا إذا تكررت الراء في موضع الخفض مثل: (الأشرار)، و(الأبرار)، و(من قرار).
وكان أبو عمر الدّوري يروي عنه أنّه كان يميل كل ألف بعدها راء مكسورة.
قال أبو علي: ما رواه عن الكسائي في إمالة مثل الأبرار والأشرار ونحو ذلك مما تكرر «٢» فيه الراء مستقيم «٣» في قياس العربية ظاهر الوجه، وذلك أنّ الراء المكسورة إذا غلبت المستعلي في نحو: قارب وطارد، فجازت الإمالة مع المستعلي لمكانها، فأن تغلب الراء المفتوحة في نحو: من الأشرار، أولى، لأنّ الرّاء لا استعلاء فيها.
ورواية أبي عمر الدّوري أنّه كان يميل كلّ ألف بعدها راء مكسورة أقيس، لأنّ الإمالة إنّما يجلبها ويحسنها التكرر الذي كأنّه في الراء، فإذا كان كذلك فسواء كانت قبل الألف التي تميلها الراء راء أو غيرها.
قال أحمد «٤»: وأمّا حمزة فكان لا يميل من ذلك شيئا إلّا قوله: (الأشرار) و(القرار) و(ذات قرار) و(القهار)
_________________
(١) هو الليث بن خالد، وقد سبقت ترجمته في ص/ ٣٦٦.
(٢) في (ط): تتكرر.
(٣) في (ط): فمستقيم.
(٤) السبعة ص ١٤٨.
[ ١ / ٤٠٠ ]
و(البوار). وكل ذلك بين الكسر والتفخيم. ذكر ذلك خلف وأبو هشام عن سليم عنه في هذين الحرفين.
قال أبو علي: ما «١» رواه من تخصيص حمزة بإمالة «٢» الأشرار والقرار والحروف الأخر دون ما عداها من الكلم مما كان في قياسها وعلى «٣» صورتها- فالقياس في ذلك وفي غيرها واحد، ولعله تبع في ذلك أثرا ترك القياس إليه، أو أحبّ أن يأخذ بالوجهين، وكره أن يرفض أحدهما، ويستعمل الآخر مع أن كل واحد مثل الآخر في الحسن والكثرة.
قال أحمد: وكان أبو عمرو يميل كل ألف بعدها راء في موضع اللام من الفعل وهي مكسورة والكلمة في موضع خفض إلا في أحرف يسيرة، مثل قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى [النساء/ ٣٦] و(جبارين)؛ «٤» فإنّه كان لا يميل في هذين الحرفين إلا ما رواه عنه عبيد الله بن معاذ بن معاذ «٥» عن أبيه عن أبي عمرو (والجار ذي القربى والجار) «٦» ممالة.
فإذا كانت الراء في موضع العين كعين فاعل لم يمل ألف
_________________
(١) في (ط): فما.
(٢) كذا في (ط): وفي (م) بالإمالة وهو تحريف.
(٣) كذا في (ط): وفي (م) على من غير واو.
(٤) سورة المائدة آية ٢٢، والشعراء آية ١٣٠.
(٥) عبيد الله بن معاذ بن معاذ أبو عمر العنبري حافظ مشهور. روى القراءة عن أبي عمرو وسمع من أبيه، روى القراءة عنه روح بن عبد المؤمن، وحدث عنه مسلم وأبو داود وكان يحفظ عشرة آلاف حديث، وكان فصيحا، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. (طبقات القراء: ١/ ٤٩٣).
(٦) كذا في (ط): وفي (م): «والجار ذي القربى» فقط. وهي في الآية: ٣٦ من سورة النساء.
[ ١ / ٤٠١ ]
فاعل كقوله: «١» بارِدٌ وَشَرابٌ [ص/ ٤٢] والْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر/ ٢٤] وبارِئِكُمْ [البقرة/ ٥٤] ومِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [الصافات/ ٧] وما كان مثل ذلك.
وروى عنه محبوب بن الحسن وعباس والأصمعي بِخارِجِينَ [البقرة/ ١٦٧] ممالة ولم يروها غيرهم، وهذا خلاف ما عليه العامة من أصحابه مع فتح الإمالة لاستعلاء الخاء.
على أنّه قد روى اليزيدي عنه: كَالْفَخَّارِ [الرحمن/ ١٤] ممالة، وقرأ بِقِنْطارٍ [آل عمران/ ٧٥].
قال أبو علي: أما ما روي عن أبي عمرو من إمالته كل ألف بعدها راء في موضع اللام فقد تقدم القول في حسن الإمالة في ذلك.
وأمّا ما روي عنه من أنّه إذا كانت الراء في موضع العين كعين فاعل لم يمل ألف فاعل كقوله: «٢» بارِدٌ وَشَرابٌ والْبارِئُ الْمُصَوِّرُ، وبارِئِكُمْ، ومِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ، ونحوه، فلعله تبع في ذلك أثرا، وذلك أن الإمالة في ألف فاعل إذا كانت الراء عينا أقوى من الإمالة في الألف إذا كانت الراء لاما، لأنّ الكسرة في العين لازمة غير مفارقة، وكسرة اللام قد تنتقل عنها للرفع والنصب، وبحسب لزوم ما يوجب الإمالة تحسن الإمالة، ولا يكون غير اللازم كاللازم، ألا ترى أنّه قد يكون من الأشياء أشياء لا تلزم فلا يعتد بها لانتفاء لزومها.
_________________
(١) في (ط): كقوله: ﷿.
(٢) في (ط): كقوله تعالى.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وأمّا ما رواه عنه محبوب وعباس والأصمعي في قوله: «١» (بخارجين من النّار) فإمالته حسنة لمكان كسرة الراء. فأمّا الحرف المستعلي في قوله: (بخارجين) فلا يمنع الإمالة، وإمالته أقوى في قياس العربية من إمالة (بقنطار) لما أعلمتك من لزوم الراء الكسرة، وليست في قوله بقنطار، ولا قوله (كالفخّار) كذلك.
قال سيبويه: «٢» مما تغلب فيه الراء قولك: قارب، وغارم، وطارد، «٣» وكذلك جميع المستعلية إذا كانت الراء مكسورة بعد الألف التي تليها وذلك أنّ الراء لما كانت تقوى على كسر الألف في فعال في الجر، وفعال لما ذكرنا من التضعيف قويت على هذه الإمالة.
وإنّما قويت عليها لأنّك تضع «٤» لسانك في موضع استعلاء ثم ينحدر فصارت المستعلية هاهنا وجواز الإمالة فيها بمنزلتها في صفاف وقفاف.
ولو قلت: ناقة فارق، وإبل مفاريق، «٥» لم تمل الألف هاهنا مع المستعلي لأنّه عكس ما تقدّم، ألا ترى أنّك لو أملت فارقا لانحدرت بالإمالة ثم أصعدت بالمستعلي؟ «٦» فالإصعاد بعد الانحدار يثقل ولا يثقل الانحدار بعد الاستعلاء، فلذلك
_________________
(١) في (ط): في قوله تعالى.
(٢) انظر الكتاب: ٢/ ٢٦٨.
(٣) في (ط): غارم وقارب وطارد.
(٤) في (ط): لتضع.
(٥) في (ط): وأينق. والناقة الفارق: التي أخذها المخاض فندت في الأرض، ونوق فوارق وفرق كركع ومفاريق (الأساس).
(٦) كذا في (ط)، وفي (م): المستعلى.
[ ١ / ٤٠٣ ]
أملت طاردا، وقاربا، وغارما، ولم تمل فارقا، والذين يميلون قاربا يفخمون الألف في قادر، لأن الراء بعدت.
وزعم أنّ قوما يقولون: مررت بقادر فيميلون للراء. قال:
وسمعنا من نثق به من العرب يقول:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر «١» قال «٢»: وكان عبد الله بن كثير وابن عامر وعاصم يفتحون الياء في هذا الباب كلّه: فَأَحْياكُمْ [البقرة/ ٢٨]، وَأَحْيا [النجم/ ٤٤] ونَمُوتُ وَنَحْيا، «٣» ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال/ ٤٢]، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [النحل/ ٦٥]، وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ [الحج/ ٦٦]، وما كان مثله.
قال أبو علي: قد مضى «٤» ذكر الحجة لمن لم يمل هذه الألفات.
قال: وكان نافع يقرأ ذلك كلّه بين الإمالة والتفخيم.
قال أبو علي: قد مضى ذكر الحجة في ذلك.
قال: وكان أبو عمرو لا يميل من ذلك إلا ما كان في رءوس الآي إذا كانت السورة أواخر آياتها الياء، مثل: أَماتَ وَأَحْيا فإنّه كان يلفظ بهذه الحروف في هذه المواضع بين
_________________
(١) عجزه: بمنهمر جون الرباب سكوب والبيت لهدبة بن خشرم، المنهمر: السائل. الجون: الأسود. الرباب: ما تدلّى من السحاب دون سحاب فوقه. سكوب: منصب. (انظر الكتاب: ١/ ٤٧٨، ٢/ ٢٦٩).
(٢) يريد ابن مجاهد. انظر السبعة ١٤٩.
(٣) سورة المؤمنون آية ٣٧، والجاثية آية ٢٤.
(٤) في (ط): وقد مضى.
[ ١ / ٤٠٤ ]
الإمالة والتفخيم، ويفتح سائر ذلك.
قال أبو علي: قد تقدّم ذكر الحجة لذلك، وهو أن أواخر الآي موضع وقوف، والوقف رأيناه قد أوجب إعلالا في الموقوف عليه، وتغييرا عمّا «١» عليه في الوصل. ألا ترى أنّهم قد أبدلوا من النون الساكنة الألف في الاسم والفعل، وأبدلوا من التاء الهاء في نحو: رحمة، ومن الألف الياء أو الواو في نحو: «٢» أفعى وأفعو، وزادوا فيه في نحو: هذا فرجّ وهو يجعلّ، ونقصوا منه في نحو:
وبع ض القوم يخلق ثمّ لا يفر
«٣» فكما غيّر موضع الوقف بهذا النحو من التغيير، كذلك غيرت الألف بأن نحي بها نحو الياء، وكان ذلك حسنا إذ أبدلوا «٤» من الألف الياء في الوقف في نحو قوله: «٥» أفعى، فكذلك «٦» قربوا الألف منها، فليست الإمالة هاهنا لتدل على انقلاب الألف عن الياء، ولكن لتقرب من الياء التي أبدلت من الألف للوقف، ولهذا أمال قوم من العرب نحو: لم يضربها، فإذا أدرج قال: لم يضربها زيد.
_________________
(١) في (ط): عما كان.
(٢) في (ط): الياء والواو نحو.
(٣) من قول زهير (شرح ديوان ٩٤) وهو بتمامه: وأراك تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفر ويروى: ولأنت، مكان: وأراك. تفري: تقطع. خلقت: قدرت. يقال: خلقت الأديم إذا قدرته لتقطعه. يمدح الشاعر هرم بن سنان المري بالحزم ومضاء العزم. انظر الكتاب ٢: ٢٨٩، ٣٠٠، وشرح شواهد الشافية/ ٢٢٩. وتفسير الأسماء الحسنى ص ٣٦.
(٤) في (ط): إذا.
(٥) سقط «قوله» من (ط).
(٦) في (ط): فلذلك.
[ ١ / ٤٠٥ ]
قال: وكان حمزة لا يميل من ذلك إلّا الفعل الذي في أوله الواو، مثل: نَمُوتُ وَنَحْيا وأَماتَ وَأَحْيا وَيَحْيى مَنْ حَيَّ «١» وَلا يَحْيى. كان يميل هذه الحروف أشد من إمالة أبي عمرو ونافع «٢».
قال أبو علي: يشبه أن يكون بالغ في إجناح الألف ليقربها من الياء، إذ كانوا قد أبدلوا من الألف الياء في نحو أفعى في الوقف، فبالغ في الإجناح، ليقربها من الياء التي أبدلوها من الألف في الوقف.
قال: وكان الكسائي يميل ذلك كلّه، كان قبل الفعل واو أو فاء، أو لم يكن قبله ذلك، مثل: أحياكم وما أشبهه «٢».
قال أبو علي: «٤» قد مضى ذكر الحجة لذلك، وما ذهب إليه الكسائي من ترك الفصل بين الفعل الذي قبله واو أو فاء، وبين ما ليس قبله من ذلك شيء- هو الوجه في قياس العربية.