وفي بغداد تلقى العلم على أئمتها الأعلام، قال عنه ياقوت في معجم الأدباء [٧/ ٢٣٢]: «أخذ النحو عن جماعة من أعيان أهل هذا الشأن، كأبي إسحاق الزجاج، وأبي بكر بن السرّاج، وأبي بكر مبرمان- وأخذ عنهم كتاب سيبويه- وأبي بكر بن الخياط» فكان أبو علي إمام وقته في علم النحو كما قال ابن خلكان.
وأخذ عن أبي بكر بن دريد، وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش،
[ المقدمة / ٢٧ ]
قال ابن العديم وابن تغري بردي [النجوم الزاهرة ٤/ ١٥١]، وقدم بغداد وسمع الحديث وبرع في علم النحو وانفرد به.
فرواية الحديث هذه أخذها عن علي بن الحسين بن معدان الفارسي عن إسحاق بن راهويه، وعنده جزء سمعه منه كما قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد [٧/ ٢٧٥] والذهبي في ميزان الاعتدال [١/ ٤٨٠].
وروى القراءة عرضا عن أبي بكر بن مجاهد، كما قال ابن الجزري في طبقات القرّاء [١/ ٢٠٧].
- أما أبو إسحاق الزجّاج إبراهيم بن سهل فهو إمام في النحو، إمام في التفسير ومن تلاميذ المبرد الأثيرين عنده روى عنه أبو علي الفارسي كتابه «تفسير أسماء الله الحسنى» وسيبويه كما في فهرس ابن عطية ص ٧٨، وهو أشهر من أن يعرّف [انظر مقدمة تفسير أسماء الله الحسنى].
- وأبو بكر بن السرّاج صاحب كتاب الأصول في النحو، إذ قيل عنه: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله.
قال المرزباني عنه: كان أحدث أصحاب المبرد سنا مع ذكاء وفطنة، وكان المبرد يقربه فقرأ عليه كتاب سيبويه ثم نظر في دقائق مسائله، وعوّل على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة.
وقال أبو علي جئت لأسمع منه الكتاب وحملت إليه ما حملت فلما انتصف عسر عليّ إتمامه، فانقطعت عنه لتمكّني من الكتاب، فقلت في نفسي بعد مدة: إذا عدت إلى فارس، وسئلت عن إتمامه، فإن قلت نعم كذبت وإن قلت لا، بطلت الرواية والرحلة، فدعتني الضرورة أن حملت إليه رزمة، فلما بصر بي من بعيد أنشد:
كم قد تجرعت من غيظ ومن حزن إذا تجدد حزني هون الماضي
وكم غضبت وما باليتم غضبي حتى رجعت بقلب ساخط راض
وحكى ابن الرماني قال: ذكر كتاب الأصول بحضرته، فقال قائل: هو أحسن من المقتضب، فقال ابن السرّاج: لا تقل هكذا، وأنشد:
[ المقدمة / ٢٨ ]
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم
[بغية الوعاة ١/ ١٠٩ - ١١٠] وقد أخذ عنه أبو علي ما شرع في شرحه من كتاب تفسير القراءات
وأبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر العسكري المعروف بمبرمان.
أخذ عن المبرد، وأكثر بعده عن الزجّاج، وكان قيّما بالنحو، أخذ عنه الفارسي والسيرافي، وكان ضنينا بالأخذ عنه، لا يقرئ كتاب سيبويه إلا بمائة دينار. كما في بغية الوعاة [١/ ١٧٦] وفي طبقات الزبيدي: «قال أبو علي:
قال ولد أبي العباس محمد بن يزيد: في تلاميذ أبي رجلان: أحدهما يسفل والآخر يعلو، فقيل: من هما؟ فقال: المبرمان، يقرأ على أبي ويأخذ عنه كتاب سيبويه، ثم يقول: قال الزجّاج، والكلابزي يقرأ عليه ثم يقول: قال المازني- وكان الكلابزي قد أدرك المازني» [الطبقات للزبيدي ص ١١٤].
- وأبو بكر بن الخياط، محمد بن أحمد بن منصور النحوي. «قرأ عليه أبو علي الفارسي، وكتب عنه شيئا من علم العربية، ورأيت ذلك بخط أبي علي. وأخذ عنه أبو القاسم الزجّاجي أيضا، وكان ابن الخياط جميل الأخلاق، طيب العشرة، محبوب الخلقة » قاله ياقوت في معجم الأدباء [١٧/ ١٤٢].
هؤلاء المتقدمون شيوخه في علوم العربية أما شيخه في القراءة فهو ابن مجاهد. قال عنه ابن الجزري في طبقات القرّاء [١/ ١٣٩]: «أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي الحافظ الأستاذ أبو بكر بن مجاهد البغدادي شيخ الصنعة وأول من سبّع السبعة، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش ببغداد».
ويقول أبو علي الفارسي في مقدمة كتابه الحجة: «فإن هذا كتاب نذكر فيه وجوه قراءات القرّاء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن العباس بن مجاهد المترجم بمعرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز، والعراق،
[ المقدمة / ٢٩ ]
والشام بعد أن نقدم ذكر كل حرف من ذلك على حسب ما رواه وأخذناه عنه».