الذين ترجموا للفارسي ذكروا في ثبت مؤلفاته كتاب الحجة هذا بعبارات ليست متساوية، وإن كانت تشترك جميعها في كلمة (الحجة) محور التسمية، وكل ذلك بداعية الاختصار والاجتزاء بالبعض المفهم عن الكل.
فالخطيب البغدادي في تاريخه ٧/ ٢٧٦ سمّاه: الحجة في علل القراءات، وابن خلكان في الوفيات (٢/ ٨١) وابن الأثير في الكامل (٩/ ٢١) وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (٦/ ٢٦٧) أطلقوا عليه الحجة في القراءات، وزاد ابن الأنباري في نزهة الألبّاء (ص ٣١٦) كلمة «السبع» على القراءات. في حين اكتفى ابن النديم في الفهرست (ص ٩٥) وياقوت في معجم الأدباء (٧/ ٢١٠) وابن عطية في فهرسه (ص ٨٦) والسيوطي في البغية (١/ ٤٩٦) وابن الجزري في طبقاته (١/ ٢٠٧) باللفظة المشتركة بين الجميع فأسموه (الحجة) فقط.
وقد آثرنا أن نعتمد على ما أثبت على غلاف الأجزاء الثلاثة الأخيرة من نسخة مراد ملا المنسوخة بخط طاهر بن غلبون ونصه: الحجة للقرّاء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد. وهو عنوان مناسب للكتاب، ولا مبرر للعدول عنه إلى غيره من الأسماء التي آثر أصحابها الاختصار فيها.
وهذا الكتاب واحد من عدة كتب صنّفها الفارسي وقدّمها لعضد الدولة الذي كان يعدّ نفسه غلاما في النحو لأبي علي، نستدلّ على ذلك من مقدمة كتابه التي صدّرها بالدعاء له، كما هو ثابت في نسختنا هذه حيث يقول:
[ المقدمة / ١٣ ]
أطال الله بقاء مولانا الملك السيد الأجل المنصور وليّ النعم عضد الدولة وتاج الملّة فإن هذا كتاب نذكر فيه وواضح أنه بالإضافة لما ذكرناه من تقديم هذه النسخة لعضد الدولة فإن في هذه المقدمة ما يدلّ على أن كتاب الحجة قد ألّفه أبو علي قبل سنة ٣٧٢ هـ وهي السنة التي توفي فيها عضد الدولة، وبتحديد أكثر فإنه ألّفه ما بين سنتي ٣٦٧ هـ، وهي السنة التي لقّب فيها عضد الدولة بتاج الملّة، وبين سنة وفاته وهي سنة ٣٧٢ هـ.
كما أن في مقدمته ما يدلّ على منهج أبي علي في كتابه بشكل موجز، وهو أن يذكر ما ثبت عن ابن مجاهد من وجوه قراءات القرّاء في كتابه السبعة، وهم الذين ذكرنا ترجمتهم في أول فاتحة الكتاب.
وقد كان شائعا في عصر أبي علي تأليف العلماء مؤلفاتهم للملوك والرؤساء وذلك لأنه كان لهؤلاء مشاركة في العلوم، ويضربون بسهم وافر فيها، وكانت بلاطاتهم موئلا للعلماء، وكانت أكرم هدية يقدمها هؤلاء العلماء لأولئك الرؤساء ما ينتجونه من عصارة عقولهم، وثمرة قرائحهم، وكان كتاب الحجة أيضا مما أهداه أبو علي للصاحب ابن عباد وأجاز له أن يرويه عنه.
قال ياقوت في معجم الأدباء (٧/ ٢٣٩، ٢٤٠): قرأت بخط سلامة بن عياض النحوي ما صورته: وقفت على نسخة من كتاب الحجة لأبي علي في صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة بالريّ في دار كتبها التي وقفها الصاحب بن عباد ﵀، وعلى ظهرها بخط أبي علي ما حكايته هذه: أطال الله بقاء سيدنا الصاحب الجليل، أدام الله عزّه ونصره وتأييده وتمكينه. كتابي في قرّاء الأمصار الذين بيّنت قراءتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى المعروف بكتاب السبعة، فما تضمن من أثر وقراءة ولغة، فهو عن المشايخ الذين أخذت ذلك عنهم، وأسندته إليهم، فمتى أثر سيدنا الصاحب الجليل- أدام الله عزّه ونصره وتأييده وتمكينه- حكاية شيء منه عنهم أو عني لهذه المكاتبة فعل. وكتب الحسن بن أحمد الفارسي بخطه.