أبو علي الفارسي شيخ العربية في عصره بلا منازع، وقد أجمعت المصادر التي ترجمت له، على أنّه لم يكن في زمانه مثله في النحو. يقول أبو طالب العبدي: لم يكن بين أبي علي وبين سيبويه أحد أبصر بالنحو من أبي علي. [معجم الأدباء ٧/ ٢٣٢].
ويقول ابن جني في الخصائص [١/ ٢٠٨]: وقلت مرة لأبي بكر أحمد بن علي الرازي [المشهور بالجصاص صاحب كتاب أحكام القرآن- وهو حنفي] ﵀، وقد أفضنا في ذكر أبي علي، ونبل قدره، ونباوة محلّه:
أحسب أن أبا علي قد خطر له، وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا! فأصغى أبو بكر إليه، ولم يتبشع هذا القول عليه.
وقال ابن العديم: قرأت بخط أبي منصور، موهوب بن أحمد بن محمد الجواليقي﵀- في تعليق له نقله من خط ابن برهان، وأنبأنا به شيخنا أبو اليمن الكندي عنه، قال فيما نقله من خط ابن برهان، قال أبو الفتح، بعد أن دعا لأبي علي: كان إذا قعد على سريره الذي كان يقعد عليه أوقات درسه
[ المقدمة / ٣١ ]
لا يرى العالم إلا دونه، وما كان يفكر في أحد، حتى إنه كان إذا جرى حديث عضد الدولة قال: صاحب السطح فعل كذا، وصاحب السطح قال كذا، وذلك أن الملك بشيراز كان يقعد في أكثر أوقاته على سطح له كان فيه مجلسه. ثم قال أبو الفتح: وما كان مع ذلك إلا بحيث يضع نفسه، فإنه كان فوق كلّ من نظر في هذا العلم، ولو عاش أبو العباس وأبو بكر وطبقتهما لأخذوا عنه بلا أنفة، ولو أدركه الخليل وسيبويه لكانا يقرّان له ويتجملان به.
وقال ابن العديم: وكان أهل بغداد يقولون في زمانه: لو عاش سيبويه لاحتاج إليه. [مجلة المجمع ٤/ ٧٥٢ المجلد ٥٨]. وكان عضد الدولة يتشاغل بالعلم فوجد له في تذكرة: «إذا فرغنا من حلّ أوقليدس كله تصدقت بعشرين ألف درهم، وإذا فرغنا من كتاب أبي علي النحوي تصدّقت بخمسين ألف درهم » قاله ابن الجوزي في المنتظم [٧/ ١١٥]. وقد حظي أبو علي الفارسي بمنزلة عالية عند عضد الدولة، فكان أكيله وجليسه، يدلّنا على ذلك ما نقله ابن العديم في ترجمته له [مجلة المجمع ] حيث قال: «أخبرنا أبو يعقوب، يوسف بن محمود بن الحسين السادي بالقاهرة، قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني إجازة إن لم يكن سماعا، قال: سمعت القاضي أبا منصور العمراني بآمد يقول: سمعت أبا الحسن علي بن فضال النحوي يقول: كان عضد الدولة يقرأ الأدب على أبي علي الفارسي، ويبالغ في إكرامه ويحضره معه المائدة، فلما كبر وأضرّ، كان يحضره أيضا على العادة المستمرة، وكان رسمه أنه إذا فرغ من الأكل يلتفت والفراش قائم، فيقلب الماء على يده، فاتفق يوما أن كان الفراش مشغولا، فلما التفت الشيخ ليغسل يده اختلسه عضد الدولة، وجاء مجيء الفراش، فأخذ الإبريق، وقلب على يده الماء. فجاء الفراش، فأومأ إليه أن أمسك إلى أن فرغ، وأعطاه المنديل، فمسح يده ورجع مكانه. فقال الفراش: يا سيدنا! تعلم من قلب على يدك الماء؟ فقال: أنت. فقال: إنّما كان مولانا عضد الدولة. فقام الشيخ أبو علي قائما وقال: لو لم أجد من حلاوة العلم إلّا هذا لكان فضلا كثيرا.
ثم رفع يديه نحو السماء وقال: أكرمك الله الذي أكرمتني لأجله، أكرمك الله الذي أكرمتني لأجله وجعل يكرره.
وقد بلغ من مكانة أبي علي عند عضد الدولة أن جعله وكيله في العقد
[ المقدمة / ٣٢ ]
على بنته الكبرى. قال ابن الجوزي في المنتظم [٧/ ١٠١]: وفي يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة ٣٦٩ هـ تزوج الطائع لله بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد بحضرة الطائع، وبمشهد من الأشراف والقضاة والشهود ووجوه الدولة على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وفي رواية مائتي ألف دينار، والوكيل عن عضد الدولة في العقد أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي، والخطيب القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي.
إن هذا النص يدلنا دلالة واضحة على منزلة أبي علي الفارسي، ومكانته الاجتماعية الرفيعة. وهو لا يحتاج إلى تدليل.