(ش) اعلم أن المد مخصوص بأحرف المد وهي ثلاثة: الألف والواو. الساكنة بعد الضمة والياء الساكنة بعد الكسرة نحو: (دار) و(نور) و(طيب) وقد اجتمعت في الكلمة الأولى من قوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ﴾ (٣) ومن قوله تعالى: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ (٤) ونحو ذلك.
واعلم أن الأصل في المد الألف إذ لا تتحرك أبدًا ولا تكون حركة ما قبلها إلا من جنسها بخلاف الواو والياء فإنهما قد يتحركان ويكونان بعد
_________________
(١) ما بين القوسين تكملة من باقي النسخ وكذا في التيسير ص ٣٠.
(٢) المد لغه. الزيادة ومنه ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ أي يزدكم واصطلاحًا إطالة الصوت بحرف من حروف المد واللين أو في حرفي اللين إذا لقي حرف المد أو حرف اللين همزًا أو ساكنًا. ورقم الآية ١٢٥ سورة آل عمران. والقصر لغة الحبس ومنه ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أي محبوسات فيها واصطلاحًا إثبات حرف المد واللين أو حرف اللين فقط من غير زيادة عليهما. والأصل هو القصر لعدم احتياجه إلى سبب، والمد والتوسط فرعان عنه لاحتياجهما إلى سبب. ورقم الآية ٧٢ سورة الرحمن.
(٣) جزء من الآية: ٩٦ الكهف.
(٤) جزء من الآية: ١٢٩ الأعراف.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
الفتحة، فإذا سكنا بعد حركة مجانسةٌ أشبهها الألف فحينئذ يكونان حرفي مد. والله أعلم.
فاما الواو والياء الساكنتان بعد الفتحة فهما حرفا اللين نحو (قوم) و(بيت) وقد اجتمعا في آخر كلمة من قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١) ويدخلهما من المد بحسب ما فيهما من اللين حملًا على أحرف المد.
واعلم أن أحرف المد في أنفسهن مدات تابعات للحركات المجانسة لهن فإذا قلت (قال) مكنت الصوت بين فتحة القاف واللام بقدر ما لو نطقت بينهما بحرف متحرك ممكن الحركة مثل (فعل) و(قتل) وهكذا الواو والياء.
ثم اعلم أنه قد يعرض لهذه الأحرف ما يوجب الزيادة في مدهن والتمكين لصوتهن أكثر مما كان يجب لهن عند انفرادهن عن ذلك العارض، والذي يوجب ذلك شيئان:
أحدهما: الهمزة.
والثاني: الحرف الساكن.
إذا وقع كل واحد منهما بعد حرف من أحرف المد.
وتكلم الحافظ في هذا. الباب على (٢) الهمزة دون الساكن، وذكر الساكن والهمزة في غير هذا الكتاب من سائر تواليفه كجامع البيان وغيره.
_________________
(١) جزء من الآية: ٩ فصلت.
(٢) في الأصل (أن) بعد (على) وقبل الهمزة وهو خطأ والصواب حذفها كما في باقي النسخ ولذا أثبته.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وأقدم الأن الكلام على الهمزة مرتبًا على كلام الحافظ، ثم أتبعه بالكلام على الساكن بحول من لا حول ولا قوة إلا به وهو العلي العظيم.
(م) قال الحافظ - ﵀ -: (واعلم أن الهمزة إذا كانت مع حرف المد واللين في كلمة الفصل) (١).
(ش) اعلم أن الهمزة إذا وقعت بعد حرف المد فإما أن تكون مع حرف المد في كلمة واحدة، ويسمى: المد المتصل، وإما أن تكون الهمزة أول كلمة وحرف المد آخر الكلمة التي قبلها ويسمى المد المنفصل.
وقدم الحافظ الكلام على المتصل لأنه ألزم لحرف المد من المنفصل، ثم اعلم أن الهمزة إذا اتصلت بحرف المد في كلمة فإنها تأتي على وجهين: - متطرفة ومتوسطة - وأعني بالمتطرفة ما لا يثبت في الوقت بعدها (٢) شيء من الحروف وأعني بالمتوسطة ما يثبت بعدها في الوقت ولو حرف واحد.
فمثال الهمزة المتطرفة بعد الألف: ﴿السَّمَاءِ﴾ (٣) و﴿الْمَاءِ﴾ (٤) و﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ (٥) و﴿جَاءَ﴾ (٦) و﴿وَشَاءَ﴾ (٧) وهو كثير في القرآن.
ومثالها بعد الواو: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٨) و﴿مَا عَمِلَتْ مِن
_________________
(١) انظر التيسير ص ٣٠.
(٢) في (ت) و(س) و(ز) (بعدها في الوقف).
(٣) من مواضعة الآية: ١٩ البقرة.
(٤) من مواضعة الآية: ٧٤ البقرة.
(٥) من مواضعة الآية: ١١٢ آل عمران.
(٦) من مواضعة الآية: ٤٣ النساء.
(٧) من مواضعة الآية: ٢٠ البقرة.
(٨) من مواضعة الآية: ٢٢٨ البقرة.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
سُوءٍ﴾ (١) و﴿لَتَنُوءُ﴾ (٢) و﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ (٣) و﴿لَيْسُوا﴾ (٤) على خلاف (٥) في هذا الأخير (٦) وهوفي الِإسراء وليس في القرآن غير هذه الألفاظ.
ومثالها بعد الياء: ﴿بَرِئٌ﴾ (٧) ٩) و﴿الْمُسِئِ﴾ (٨) و﴿النَّسِئُ﴾ (٩) على قراءة غير ورش (١٠) و﴿النَّبِيءُ﴾ (١١) على قراءة نافع (١٢) و﴿يُضِيءُ﴾ (١٣)
_________________
(١) جزء من الآية: ٣٠ آل عمران.
(٢) جزء من الآية: ٧٦ القصص.
(٣) جزء من الآية: ٢٩ المائدة.
(٤) جزء من الآية: ٧ الإسراء.
(٥) في الأصل (خلافا) وهو تحريف والصواب ما في باقي النسخ ولذا أثبته.
(٦) قرأ شعبة وابن عامر وحمزة (ليسؤ) بالياء ونصب الهمزة على الإفراد وقرأ الكسائي بالنون ونصب الهمزة على الجمع، والباقون بالياء وهمزة مضمومة بين واوين على الجمع. قال الشاطبي: (ليسؤ نون الهمزة والمد عدلا سما).
(٧) جزء من الآية: ١٩ الأنعام.
(٨) جزء من الآية: ٥٨ غافر.
(٩) جزء من الآية: ٣٧ التوبة.
(١٠) (قوله على قراءة غير ورش) أي في (النسيء) لأنه أبدل الهمزة ياء وأدغم الياء قبلها فيها فيصير اللفظ بياء مثددة وقرأ الباقون بالمد والهمز. قال الشاطبي: وورش لئلا والنسئ بيائه وأدغم في ياء النسئ فثقلا
(١١) جزء من الآية: ٢٤٦ البقرة.
(١٢) قوله (على قراءة نافع) أي بإثبات الهمزة بعد الياء، وقرأ غيره بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء التي قبلها وقد وافق قالون الجماعة فخالف مذهبه في موضعين: فقرأ فيهما بإبدال الهمزة ياء مع إدغام الياء التي قبلها وهما ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ و﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ كلاهما في الأحزاب الآية ٥٠ و٥٣. قال الشاطبي: وجمعا وفردا في النببيء والنبو ءة الهمز كل غير نافع ابدلا وقالون في الاحزاب في للنبى مع بيوت النبي الياء شدد مبدلا
(١٣) جزء من الآية: ٣٥ النور.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
و﴿جِيءَ﴾ (١) و﴿سِيءَ﴾ (٢) و﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ (٣) وليس في القرآن غيرها.
ومثال الهمزة متوسطة بعد الألف: ﴿أُولَئِكَ﴾ (٤) و﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ (٥) و﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ (٦) و﴿طَائِفٌ﴾ (٧) و﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ (٨) و﴿سَائِلٌ﴾ (٩) و﴿السَّائِلِينَ﴾ (١٠) و﴿قائِلٌ﴾ (١١) و﴿قَائِلُونَ﴾ (١٢) وهو كثير.
ومثالها بعد الواو ﴿السُّوأَى﴾ (١٣) في الروم و﴿لِيَسُوءُوا﴾ (١٤) في الإسراء على خلاف كما تقدم لا غير.
ومثالها بعد الياء: ﴿بَرِيئُونَ﴾ (١٥) و﴿النَّبِيُّونَ﴾ (١٦) على قراءة نافع
_________________
(١) جزء من الآية: ٦٩ الزمر.
(٢) جزء من الآية: ٧٧ هود.
(٣) جزء من الآية: ٩ الحجرات.
(٤) جزء من الآية: ٥ البقرة.
(٥) جزء من الآية: ٣٠ البقرة.
(٦) جزء من الآية: ٢٣ النساء.
(٧) جزء من الآية: ٢٠١ الأعراف.
(٨) جزء من الآية: ١٢٥ البقرة.
(٩) جزء من الآية: ١ المعارج.
(١٠) جزء من الآية: ١٧٧ البقرة.
(١١) جزء من الآية: ١٠ يوسف.
(١٢) جزء من الآية: ٤ الأعراف.
(١٣) . جزء من الآية: ١٠ الروم.
(١٤) جزء من الآية: ٧ الإسراء.
(١٥) جزء من الآية: ٤١ يونس.
(١٦) جزء من الآية: ١٣٦ البقرة.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
و﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١) في النساء و﴿سِيئَتْ﴾ (٢) في الملك لا غير.
وأما المنفصل فمثال الهمزة بعد الألف: ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ (٣) و﴿مَا أَعْجَلَكَ﴾ (٤) و﴿إِذَا أَظْلَمَ﴾ (٥) و﴿الْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ﴾ (٦).
ومثالها بعد الواو: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ (٧) و﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٨) و﴿جَاء واأَبَاهُمْ﴾ (٩) و﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾ (١٠) و﴿رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (١١).
ومثالها بعد الياء: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ (١٢) و﴿لَا تَفْتِنِّي أَلَا﴾ (١٣) و﴿آتُونِي أُفْرِغْ﴾ (١٤) و﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (١٥) وما أشبه ذلك (١٦).
وأرجع إلى لفظ الباب.
_________________
(١) جزء من الآية: ٤ النساء.
(٢) جزء من الآية: ٢٧ الملك.
(٣) جزء من الآية: ٤ البقرة.
(٤) جزء من الآية: ٨٣ طه.
(٥) جزء من الآية: ٢٠ البقرة.
(٦) جزء من الآيتين: ٣ و٤ الليل.
(٧) جزء من الآية: ١٤ البقرة.
(٨) جزء من الآية: ٦ التحريم.
(٩) جزء من الآية: ١٦ يوسف.
(١٠) جزء من الآية: ١٢٩ الأعراف.
(١١) جزء من الآية: ٣٠ يونس.
(١٢) جزء من الآية: ٦٨ الأنعام.
(١٣) جزء من الآية: ٤٩ التوبة.
(١٤) جزء من الآية: ٩٦ الكهف.
(١٥) جزء من الآية: ٤٠ البقرة.
(١٦) في (ت) و(ز) ما أشبهه.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
(م) قال الحافظ: (اعلم أن الهمزة إذا كانت مع حرف المد واللين في كلمة) (١).
(ش) قد بينت حروف المد، والقراء يسمونها حروف المد واللين.
وقوله: (سواء توسطت أو تطرفت) (٢) يعني الهمزة، وقد ذكرت أمثلتها متوسطة ومتطرفة.
وقوله: (فلا خلاف بينهما في تمكين حرف المد زيادة) (٣) إنما اتفق القراء على الزيادة في المد المتصل بالهمزة في كلمة للزوم الهمزة لحرف المد إلا أنهم اختلفوا في مقدار زيادة على خمس مراتب تذكر بعد بحلو الله - ﷿ -.
(م) قال: (فإذا كانت الهمزة أول كلمة وحرف المد آخر كلمة أخرى فإنهم يختلفون) (٤).
(ش) إنما اختلفوا هنا لكون اتصال الهمزة بحرف المد عارضًا:
إذ يجوز الفصل بينهما بالوقف، ولوقوع تلك الكلمة غير مجاورة للهمزة في غير ذلك الموضع. فمن راعى اتصالها باللفظ أجراها مجرى المتصلة في الكلمة فزاد في تمكين حرف المد كما يزيد في المتصل.
ومن راعى كونها عارضة ولم يعتدِ بالعارض ولم يزد في حرف (٥) المد على القدر الذي يستحقه بنفسه. والحافظ وغيره من القراء قد يعبرون عمن
_________________
(١) انظر التيسير ص ٣٠.
(٢) انظر التيسير ص ٣٠.
(٣) انظر التيسير ص ٣٠.
(٤) انظر التيسير ص ٣٠.
(٥) في (الأصل) و(س) (حروف) وهو تحريف والصواب ما أثبته كما في (ز).
[ ٢ / ٢١٠ ]
يمد المنفصل: بأنه يمد حرفًا لحرف. ومعناه: أنه يمد حرف المد في آخر الكلمة الأولى من أجل الهمزة في أول الكلمة الثانية فينسب المد إلى الكلمة وإن كان في حرف منها. وإنما أولت هذا التأويل ولم أحمله على أنه يريد بالحرف: حرف المد والهمزة: لأنهم يقولون عمن لا يمد المنفصل أنه لا يمد حرفًا لحرف مع أنه لا خلاف في مد المتصل، فكان يلزم أن يكون السوسي وابن كثير لا يمدان الألف في (١) (جاءت) من أجل الهمزة مثلًا فتامله. والله ﷻ أعلم.
(م) قال الحافظ - ﵀ -: (فابن كثير وقالون بخلاف عنه وأبو شعيب وغيره عن اليزيدي يقصرون حرف المد إلى آخره) (٢).
(ش) لا خلاف عن ابن كثير وأبي شعيب في ترك الزيادة في المد المنفصل، ولا خلاف عن ورش وابن عامر والكوفيين في إثبات الزيادة، واختلف عن قالون وعن الدوري عن الزيدي فذكر الحافظ في المفردات أنه قرأ لقالون من طريق أبي نشيط على أبي الفتح بترك الزيادة، وعلي أبي الحسن بالزيادة (٣) ولعله إلى هذا أشار بقوله في التيسير (وقالون بخلاف عنه). وذكر عن الدوري أنه قرأ على أبي القاسم وعلى أبي الحسن بالزيادة، وعلى أبي الفتح بتركها. ويظهر أن مذهبه في التيسير اختيار زيادة المد للدوري: إذ لو اختار القصر لذكر أبا عمرو مع ابن كثير بدل ذكره أبا شعيب، ولو أراد الوجهين عن الدوري لقال: وأبو عمرو بخلاف من طريق أهل العراق على عادته. وسترى بعد هذا في هذا الباب ما يدل
_________________
(١) في (ت) (من).
(٢) انظر التيسير ص ٣٠.
(٣) انظر: المفردات السبع ص ١٥.
[ ٢ / ٢١١ ]
على أن تعويله (١) إنما هو على الأخذ بالزيادة هذا مع أنه أسند قراءته في التيسير من طريق أبي القاسم المذكور والله جل وعلا أعلم.
وأما الإِمام فذكر الوجهين عن قالون والدوري (٢) وأما الشيخ فذكر ترك الزيادة عن قالون من طريق الحلواني وذكر عنه من طريق أبي نشيط وعن الدوري الزيادة لا غير (٣).
(م) وقوله: (فلا يزيدونه تمكينًا على ما فيه من المد الذي لا يوصل إليه إلا به) (٤).
(ش) يريد لا يزيدونه على القدر الذي يستحقه إذا انفرد بنفسه ولم يكن هناك سبب يوجب له الزيادة، واحتاج إلى هذا الكلام ليبين به أن قوله: (يقصرون حرف المد) إنما أراد به ترك الزيادة على ما يستحق بنفسه ولم يرد إذهاب المد رأسًا إذ كان قوله: (يقصرون حرف المد) قد يفهم منه ذلك فأزال هذا التوهم وإن كان ضعيفًا والله - ﷿ - أعلم.
(م) وقوله: (وهؤلاء أقصر مدًا في الضرب الأول المتفق عليه) (٥).
(ش) يعني أن ابن كثير ومن ذكر معه أقل زيادة في المد المتصل من غيرهم وقوله: (والباقون يطولون في ذلك زيادة) (٦) يريد بالباقين ورشًا والدوري عن اليزيدي وابن عامر والكوفيين كما تقدم.
_________________
(١) في (الأصل) و(س) (تعديله) وهو خطأ والصواب ما أثبته كما في (ت) و(ز).
(٢) انظر: الكافي على هامش المكرر ص ١٦، ١٧.
(٣) انظر: كتاب التبصرة ص ٢٦٤، ٢٦٥.
(٤) انظر التيسير ص ٣٠.
(٥) انظر التيسير ص ٣٠.
(٦) انظر التيسير ص ٣٠.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وأشار بذلك إلى المد المنفصل.
(م) وقوله: (وأطولهم مدًا في الضربين - إلى آخره) (١).
(ش) يريد بالضربين المتصل والمنفصل.
واعلم أنه يتعلق بهذا الكلام خمسة أمور:
أحدها: أن طبقات الزيادة في المد المتصل خمس وفي المنفصل أربع.
الثاني: أن كل من زاد في المنفصل فإنه يسري بينه وبين المتصل وكل من لم يزد فيه فإنه يفرق بينهما ويتبين ذلك بالمثال وهو: أن قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ﴾ (٢) ألف "كما" منفصلة من الهمزة التي بعدها وألف "أضاء" متصلة بالهمزة التي بعدها فيكون مد ورش وحمزة للألفين على حد (٣) واحد وكذلك مد عاصم فيهما سواء، إلا أنه دون مد ورش وحمزة وكذلك مد ابن عامر والكسائي في الألفين سواء، إلا أنه دون مد عاصم، وكذلك مد قالون والدوري إلا أنه دون مد من ذكر.
فأما ابن شعيب وابن كثير فيلفظون بألف (كما) دون زيادة كما يلفظون بها في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ (٤) وغيره من الألفات التي لا همزة بعدها، ويلفظون بألف (أضاء) بزيادة في المد على ألف (كما) إلا أنها دون زيادة قالون والدوري وكذلك ﴿هَؤُلَاءِ﴾ (٥) وكذلك ﴿يَابَنِي
_________________
(١) انظر التيسير ص ٣٠.
(٢) جزء من الآية: ٢٠ البقرة.
(٣) في (ت) "على حرف" وهو تحريف والصواب ما في باقي النسخ ولذا أثبته.
(٤) جزء من الآية: ١٠٠ البقرة.
(٥) من مواضعة الآية: ٣١ البقرة.
[ ٢ / ٢١٣ ]
إِسْرَائِيلَ﴾ (١) يلفظون بالياء من (بني) مثل الياء من (قيل) و(فيه) ومثل الألف من (كما) كما تقدم ويلفظون بالألف التي بعد الراء مثل ألف (أضاء) وكذلك سائر ما يأتي من هذا الباب.
الثالث: أن قوله (ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق) (٢) دليل على ما قدمته من أن اعتماده في هذا الكتاب على الأخذ للدوري عن اليزيدي بالزيادة في المنفصل وإلى هذا الموضع أشرت قبل.
الرابع: أنه لم (٣) يذكر هنا ابن كثير وأبا شعيب لأنهما أقل القراء مدًا حيث يمدان.
وهذا الفصل فيه من يزيد مده على مد غيره ولهذا قال:
(وأطولهم مدًا إلى آخره) (٤) وليس في القراء (٥) من يكون مده دون مد ابن كثير وأبي شعيب.
الخامس: أن قوله: (وأطولهم مدًا في الضربين) ظاهر في المفاضلة في نفس الزيادة على المقدار الذي يستحقه حرف المد بنفسه لا في أصل المد.
وإذا كان الأمر كذلك فكان ينبغي ألا يذكر أبا عمرو وقالون وأن يقطع التفضيل عند ذكر ابن عامر والكسائي إذ زيادة ابن عامر والكسائي تفضل
_________________
(١) من مواضعة الآية: ٤٠ البقرة.
(٢) انظر التيسير ص ٣٠.
(٣) في (الأصل) (لما).
(٤) في (س) و(ت) و(ز) (فلان) بعد (مدا).
(٥) في (الأصل) و(س) و(ت) القرآن وهو تحريف والصواب ما في (ز) ولذا أثبته.
[ ٢ / ٢١٤ ]
زيادة قالون وأبي عمرو من طريق أهل العراق في الضربين (١) وليس تفضل زيادة قالون وأبي عمرو في الضربين زيادة غيرهما، فأما ابن كثير وأبو شعيب فإنهما يزيدان في الضرب المتصل خاصة لا (٢) في الضربين.
ومبني كلامه في التفضيل إنما وقع على الزيادة في الضربين فلو قال: فأما أبو عمرو من طريق أهل العراق وقالون فأطول مدًا من ابن كثير وأبي شعيب في المتصل خاصة، إذ لا يزيدان في المد المنفصل، أو يكتفي عن ذلك بقوله قبل (هذا) وهؤلاء أقصر مدًا في الضرب الأول. لاندفع الإشكال، لكن يتوجه ذكر أبي عمرو وقالون هنا على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يزيد (أطولهم مدًا في الضربين) على الإطلاق كيفما وجد متفقًا فيهما أوفي أحدهما.
الثاني: أن يريد بأطول مجموع المد الذي يستوعبه القدر المشترك بينما يستحقه حرف المد بنفسه وبين الزيادة الحاصلة عن السبب وإن كان الطَّويل الذي ينبغي أن ينبه على التفاضل فيه خاصًا بزيادة دون القدر المستحق لحرف المد بانفراده.
الثالث: أن يريد بالطول مجرد الزيادة لكن لما اشترك المتصل والمنفصل في الزيادة في مذاهب أكثر مما تقدم أدرج موضع اختصاص أحدهما مع ذكر مواضع اتفاقهما على ما جاء في قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (٣) وإنما الناسي الفتى دون موسى - ﵇ - وكما قال تعالى:
_________________
(١) أي في المتصل والمنفصل.
(٢) في (الأصل) (لما) وهو تحريف والصواب ما أثبته كما في باقي النسخ.
(٣) جزء من الآية: ٦١ الكهف.
[ ٢ / ٢١٥ ]
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١) وإن كان الإخراج من أحد البحرين والله تعالى أعلم.
(م) قال الحافظ - ﵀ -: (وهذا كله على التقريب من غير إفراط) (٢).
(ش) يريد بهذا كله ما ذكر من كون بعضهم يزيد على بعض في تطويل المد يقول: ليس بين مد حمزة وورش ومد عاصم إلا مقدار يسير وكذلك زيادة مد عاصم على مد الكسائي وابن عامر بمقدار يسير، وهكذا سائرها.
والمعتبر في ذلك أن القرآن إنما نزل بلسان عربي مبين، فإذا كان كذلك فالمحصل يميز بعقله المقدار الذي يمكن استعماله في المخاطبات عند قصد البيان والتثبت (٣) في الخطاب من الصبر، والتبين لآحاد الكلمات بحيث لا يخرج الكلام معه عن المعتاد إلى ما تنفر عنه الطباع، وما يستعمل أيضًا من الهذ والِإسراع الذي لا يخل بالحروف ولا يميتها. فتعلَّم (٤) أن التلاوة ينبغي أن تكون دائرة بين هذين الطرفين وهذا معنى قوله:
(م) (وإنما هو (٥) على مقدار مذاهبهم في التحقيق والحذر).
(ش) يريد بالتَّحقيق: تمكين الحروف والصبر على حركاتها، والتثبت في بيانها ويريد بالحدر الإسراع والهذ. ومذاهب القراء في ذلك
_________________
(١) جزء من الآية: ٢٢ الرحمن.
(٢) انظر التيسير ص ٣١.
(٣) في (الأصل) (الثبت) وهو تحريف والصواب ما أثبته كما في باقي النسخ.
(٤) أي فاعلم.
(٥) في جميع النسخ (ذلك) وفي (أصل التيسير) ما أثبته.
[ ٢ / ٢١٦ ]
لابد أن تكون موافقة لما عليه كلام العرب الذي نزل القرآن به، فمن مذهبه من القراء الأخذ بالصبر، والتمكين فإنه يزيد في المد من تلك النسبة، ومن مذهبه الحدر والإِسراع فإنه يمد بتلك النسبة ومن توسط فعلى حسب ذلك، وحينئذ يتناسب المد والتحريك، ولو أن المسرع بالحركات أطال المد والسكن للحركات قصر المد لأدى ذلك إلى تشتت اللفظ وتنافر الحروف. والله أعلم.
السبب الثاني: الموجب للزيادة في حرف المد وهو الحرف الساكن إذا وقع بعد حرف المد، وكان ينبغي للحافظ أن يذكره في هذا الباب كما ذكره في غير هذا الكتاب (١)
وأعلم أن الأصل في كلام العرب أن لا يلتقي ساكنان إلا في الوقف.
فأما الوصل فلا يجوز فيه ذلك في فصيح الكلام إلا أن يكون الأول حرف مد والثاني مدغم فمثاله في الوقف قوله تعالى: ﴿مَنْ ألْفِ شِهْرٍ﴾ (٢) و﴿مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ (٣) و﴿لِلَّهِ الْأَمْر﴾ (٤) و﴿مِن قَبْلُ﴾ (٥) و﴿مِنْ بَعْدُ﴾ و﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ (٦) و﴿بِالْقِسْطِ﴾ (٧) لا خلاف في جواز إسكان هذه الكلمات وما أشبهها في الوقف.
ومثاله في الوصل بالشرطين المتقدمين ﴿دَآبًةٍ﴾ (٨) و﴿الصَّاخةُ﴾ (٩)
_________________
(١) انظر: جامع البيان الورقة ٨٣/ ب.
(٢) جزء من الآية: ٥ القدر.
(٣) جزء من الآية: ٤ الروم.
(٤) جزء من الآية: ٢٨ فصلت.
(٥) من مواضعة الآية: ١٨ آل عمران.
(٦) من مواضعة الآية: ١٦٤ البقرة.
(٧) جزء من الآية: ٣٣ عبس.
(٨) جزء من الآية: ٣ القدر.
(٩) جزء من الآية: ٤ الروم.
[ ٢ / ٢١٧ ]
و﴿الطَّآمَّةُ﴾ (١) و﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ﴾ (٢) و﴿لَا الضَّآلِّينَ﴾ (٣) و﴿اتحَآجونِي﴾ (٤) وما أشبهه، فإن تخلف أحد الشرطين قبح التقاء الساكنين إذ ذاك.
ولهذا استضعفوا (٥) قراءة ورشٌ ﴿ءَانذَرْتَهُم﴾ (٦) و﴿ءآسْجُدً﴾ (٧)
_________________
(١) جزء من الآية: ٣٤ النازعات.
(٢) جزء من الآية: ١٠٢ البقرة.
(٣) جزء من الآية: ٧ الفاتحة.
(٤) جزء من الآية: ٨٠ الأنعام.
(٥) قوله (ولهذا استضعفوا الخ) قد قدمت من باب الإِدغام الكبير عند قول الشارح (وأما قراءة أبي عمرو (فزَحزْحِ عنَ النْاَّر) ء بإدغام الحاء في العين من غير إبدال العين جاء فشذوذ) ذكرت بأن أئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة: لأن القراءة سنة متبعة يجب قبولها والمصير إليها. هذا وقد سمع التقاء الساكنين وصلا من أفصح العرب بل أفصح الخلق على الإطلاق - ﷺ - فيما يروي (نعما المال الصالح للرجل الصالح) قاله: أبو عبيدة أحد أئمة اللغة وناهيك به وتواتر ذلك من القراء وشاع وذاع ولم ينكر وهو إثبات مفيد للعلم وما ذكروه نفى مسنده الظن، فالإثبات العلمي أولى من النفي الظني، ولئن سلم أن ذلك غير متواتر فأقل الأمر أن يثبت لغة بدلالة نقل العدول له عمن هو أفصح ممن استدلوا بكلامه، فبقي الترجيح في ذلك بالإثبات وهو مقدم على النفي، وليس قول النحاة بحجة إلا عند إجماعهم، ومن القراء جماعة من أكابر النحويين، فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القراء لهم، ثم ولو قدر أن القراء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون للنحويين في نقل اللغة فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى: لأنهم ناقلوها عمن ثبتت. عصمته عن الغلط في مثله، ولأن القراءة ثبتت متواترة، وما نقله النحويون احاد، ثم لو سلم أنه ليس بمتواتر فالقراء أكثر وأعدل فكان الرجوع إليهم أولى. وإذا حمل كلام المانعين للجميع بين الساكنين على أنه غير مقيس أمكن الجمع بين قولهم والقراءة المتواترة والجمع ولو بوجه أولى. والله أعلم. انظر النشر جـ ٢ ص ٢٣٦ - وإتحاف فضلاء البشر ص ٢٧.
(٦) جزء من الآية: ٦ البقرة.
(٧) جزء من الآية: ٦١ الإسراء.
[ ٢ / ٢١٨ ]
و﴿ءَاشْفَقْتُمْ﴾ (١) ونحوه بإبدال الهمزة الثانية ألفًا، لأنه ليس فيه إذ ذاك إلا شرط واحد وهو كون الساكن الأول حرف مد.
وكذلك قراءة نافعٌ ﴿مَحْيَآىْ﴾ (٢) بسكون الياء في الوصل، وقراءة البزي وأبي عمرو ﴿آلَّئِيْ﴾ (٣) في الأحزاب والمجادلة والطلاق بسكون الياء وكذلك استقبحوا الإِدغام الصحيح في نحو ﴿الْخُلْدِ جَزَآءً﴾ (٤) و﴿مِن بَعُدِ ذَلِكَ﴾ (٥) و﴿مِنَ قَبُلُ لَفِي﴾ (٦) على ما تقدم في الإِدغام الكبير وجعلوه من باب الإخفاء وراموا الحركة لأنه إن أدغم لم يكن فيه إلا شرط واحد وهو كون الساكن الثاني مدغمًا خاصة فأما ما حكى من قول بعض العرب: "التقت حلقتا البطان" بالمد بعد التاء فشاذ، فإذا تقرر هذا فاعلم أنه إذا كان الساكن الأول حرف مد والثاني مدغمًا على ما تقدم أنه المختار من الكلام نحو ﴿دآبة﴾ أو غير مدغم على الوجه الضعيف كما تقدم فأنه لابد من الزيادة في تمكين حرف المد إذ ذاك، وسبب ذلك أن تمكين حرف المد عندهم يجري مجرى الحركة فيكون كأنه لم يلتق ساكنان وكأنك إنما أوقعت الساكن الثاني بعد حركة، فعلى هذا يكون تطويل المد من أجل لقي الساكنين أوكد وألزم من التطويل من أجل لقي الهمزة، وإنما يطول المد عند لقي الهمزة: لأن الهمزة حرف ثقيل بعيد المخرج فتحتاج في النطق بها إلى تكلف، فإذا وقع حرف المد قبلها مكنوا مده حتى ينتهي الصوت إلى موضع الهمزة فيكون الناطق بها إذ ذاك متمكنًا منها، ومعانًا
_________________
(١) جزء من الآية: ١٣ المجادلة.
(٢) جزء من الآية: ١٦٢ الأنعام.
(٣) جزء من الآية: ٤ الأحزاب والآية ٢ المجادلة والآية ٣ الطلاق.
(٤) جزء من الآية: ٢٨ فصلت.
(٥) جزء من الآية: ٩٤ آل عمران.
(٦) جزء من الآية: ١٢ لجمعة.
[ ٢ / ٢١٩ ]
على تحقيقها. والله سبحانه أعلم.
وأعلم أن القراء في تمكين المد عند لقيه الساكن على طبقاتهم الخمس (١) التي تقدمت في المد المتصل.
وأطولهم مدًا ورش وحمزة ثم عاصم ثم من ذكر بعده على ذلك الترتيب، وأقلهم زيادة ابن كثير وأبو شعيب مع أنهما يزيدان في تمكينه على ما يستحقه إذا لم يقع بعده ساكن، فعلى هذا من قرأ ﴿أَتُحَآجُّونِّي﴾
_________________
(١) قوله: (القراء في تمكين حرف المد إلخ) أعلم أن ما ذكره الشارح من تفاوت المد فيما سببه السكون اللازم مخالف لما عليه جمهور أهل الأداء سلفًا وخلفًا مِن مده مدًا مشبعًا على قدر واحد من غير إفراط، بل حكى بعضهم الإجماع عليه. قال ابن الجزري: لا أعلم في ذلك ينهم خلافًا سلفًا ولا خلفًا إلا ما ذكره في حلية القراء عن ابن مهران من اختلاف القراء في مقداره حيث قال: فالمحققون يمدون قدر أربع ألفات ومنهم من يمد ثلاثًا، والحادرون يمدون ألفين. ثم قال ابن الجزري: وظاهر عبارة التجريد أن المراتب تتفاوت كتفاوتها في المتصل. والآخذون من الأئمة بالأمصار على خلافه، ثم اختلفت آراء أهل الآداء في تعيين هذا القدر المجمع عليه: فالمحققون منهم على أنه الإشباع، والأكثرون على إطلاق تمكين المد فيه، وعن بعضهم أنه دون ما للهمز: يعني به كما "في النشر" أنه دون أعلى المراتب وفوق التوسط من غير تفاوت في ذلك. ثم إن الظاهر التسوية في مقدار المد في كل من المدغم وغيره من الكلمي والحرفي إذ الموجب واحد وهو التقاء الساكنين فلا معنى للتفضيل بين ذلك. انظر: النشر جـ ١ ص ٣١٧، ٣١٨. والحاصل: أن المد اللازم بأقسامه كلها يمد مدًا مشبعًا وهو أن تمد صوتك بمقدار ست حركات لا فرق بين قارئ وقارئ ولا بين المظهر والمدغم على الأصح المعمول به وهو الذي عليه أكثر أهل الأداء وهو مقتضى كلام الشاطبي حيث لم يفرق بين القسمين في الكلمى وفي الحرفي ولا بين قارئ وقارئ قال - ﵀ -: وعن كلهم بالمد ما قبل ساكن وعند سكون الوقف وجهان أصلا ومد له عند الفواتح مشبعا وفي عين الوجهان والطول فضلا
[ ٢ / ٢٢٠ ]
بتشديد النون (١) فإنه يزيد في مد الواو ومثل ما يزيد في مد الألف، ومن قرأ بتخفيفها فإنه يزيد في مد الألف ولا يزيد في مد الواو، وعلى هذا فقس؛ ومما أجرت به عادة القراء في هذا الباب أن يذكروا حروف التهجي التي في أوائل السور ومجموعها أربعة عشر شكلًا وهي: ﴿الم﴾ (٢) و﴿المص﴾ (٣) و﴿الر﴾ (٤) و﴿المر﴾ (٥) و﴿كهيعص﴾ (٦) و﴿طه﴾ (٧) و﴿طسم﴾ (٨) و﴿طيسَ﴾ (٩) و﴿يس﴾ (١٠) و﴿حم﴾ (١١) و﴿عسق﴾ (١٢) و﴿ص﴾ (١٣) و﴿ق﴾ (١٤) و﴿ن﴾ (١٥) وأصولها من غير تكرار أربعة عشر حرفًا وهي التي انتظم منها النصف الثاني من هذا البيت:
يا أيُّها المثيب ما سطره أن عليك مقسطا حصره
وهذه الحروف تنقسم إلى قسمين:
_________________
(١) قرأ ابن ذكوان، وهشام بخلف عنه بتخفيف النون، والباقون بتشديدها وهو الوجه الثاني لهشام قال الشاطبي: وخفف نونًا قبل في الله من له بخلف أتى والحذف لم يك أولا
(٢) الآية: ١ من سورة البقرة.
(٣) الآية: ١ من سورة الأعراف.
(٤) الآية: ١ من سورة يوسف.
(٥) الآية: ١ من سورة الرعد.
(٦) الآية: ١ من سورة مريم.
(٧) الآية: ١ من سورة طه.
(٨) الآية: ١ من سورة الشعراء و١ القصص.
(٩) الآية: ١ من سورة النمل.
(١٠) الآية: ١ من سورة يس.
(١١) من مواضعه الآية: ١ غافر.
(١٢) الآية: ١ من سورة الشورى.
(١٣) الآية: ١ من سورة ص.
(١٤) الآية: ١ من سورة ق.
(١٥) الآية: ١ من سورة ن.
[ ٢ / ٢٢١ ]
القسم الأول: مركب من حرفين وهو خمسة يجمعها قولك "يطرحه" فإذا قلت: (طه) فإِنما نطقت بطاء وألف وهاء وألف، وكذلك الهاء والياء من (كهيعص) والراء والحاء من (الر) و(حم) فالثاني أبدًا من جميع هذه الأحرف الخمسة حرف مد وهو الألف وليس بعده ساكن فيعطى من النطق قدر ما يستحق الحرف وحده من غير زيادة.
والقسم الثاني: التسعة الباقية. وكل واحد منها مركب من ثلاثة أحرف، وتنقسم إلى متحرك الوسط وهو (ألف) فلا يدخله المد وإلى ساكن الوسط وهي البواقي، وتنقسم إلى ما وسطه حرف لين وهو (عين) في السورتين (١) وإلى ما وسطه حرف مد وهي السبعة البواقي.
وتنقسم إلى ما وسطه واو وهو (نون) وإلى ما وسطه ياء وهو (ميم) وإلى ما وسطه ألف وهو (لام) و(كاف) و(صاد) و(قاف) ولا خلاف بين القراء في زيادة المد في كل حرف من هذه التسعة التي وسطها حرف مد لأنه قد وقع بعده ساكن وهم في مده على الطبقات الخمس (٢) وإنما جاز في هذه الحروف التقاء الساكنين والثاني غير مدغم لأنها في حكم الموقوف عليه، وقد تقدم أنه يجوز اجتماع الساكنين في الوقت (١) ويترتب على هذه الأحرف السبعة فرعان:
أحدهما: أنما أدغم آخره منها هل يكون تمكين المد فيه مثل ما لم يدغم آخر أو يزاد في تمكين مده؟ وقد ذكروا فيه الوجهين ورجح الشيخ
_________________
(١) أي في مريم والشورى.
(٢) قد قدمنا أن الصحيح في المد اللازم عدم التفاوت فيه وأن القراء على مرتبة واحدة في مده حيث يمدونه مدًا مشبعًا بقدر ست حركات انظر: ص ٢٨٨.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
والإمام الزيادة (١) وسوى الحافظ بينهما، ومثاله ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٢) فمن قال بالتسوية بين المدغم وغيره يمد ألف (لام) بمقدار مد يا (ميم).
ومن رجح الزيادة في المدغم يمد ألف (لام) أزيد من يا (ميم) وكذلك (طسم) في قراءة غير حمزة (٣) (و) (٤) من سوى بين المدغم وغيره يمد يا (ميم) (٥) مثل مد يا (ميم) ومن رجح الزيادة في المدغم يمد يا (سين) أكثر مر يا (سين) وكذلك ما جرى مجراه.
الفرع الثاني: إنما تحرك من أواخر هذه الحروف في الوصل بحركة عارضة هل يبقى عليه من المد مثل ما يستحقه إذا لم يتحرك آخره لأن حركته عارضة فلا يعتد بها أو ينقص من مده: لأنه قد زال بتلك الحركة وقوع الساكن بعد حرف المد؟ وفيه أيضًا الوجهان والأرجح عندهم الزيادة في المد بناء على ترك الإعتداد بالعارض وذلك في ﴿الم اللهُ﴾ (٦) في قراءة الجميع ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ (٧) في قراءة ورشٌ وحده فأما (عين) في السورتين فقال الإِمام ما يمكنه أحد ورشٌ باختلاف عنه والباقون يلفظون به (كبين) في الوقف (٨).
وقال الشيخ: من القراء من يمدها أقل من غيرها لأن الأوسط حرف
_________________
(١) انظر: كتاب التبصرة ص ٢٧٣ والكافي ص (٢٠، ٢١).
(٢) الآية: (١، ٢) من سورة البقرة.
(٣) لأنه يقرأ بإظهار النون عند الميم.
(٤) من (س) سقط ما بين القوسين.
(٥) ما بين القوسين تكملة من (ز) و(س).
(٦) الآية: ١ وجزء من الآية: ٢ من سورة آل عمران.
(٧) الآية: ١ وجزء من الآية ٢ من سورة العنكبوت.
(٨) انظر الكافي ص ٢١.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
لين، ومنهم من يمده كغيره، ومنهم من يمده لورش وحده، ومده عندي لجميعهم أشبه وأقيس: لأن المد إنما وجب لإلتقاء الساكنين فحرف اللين فيه كحرف المد وإنما يتمكن المد في حروف المد واللين أكثر من حروف اللين مع الهمزات، فأما في التقاء الساكنين فالحكم سواء.
ثم ذكر أنه يأخذ بترك إشباع المد من أجل الرواية ويختار التمكين لقوته في القياس (١) وذكر الحافظ المذهبين وصححهما.
وأعلم أن الحافظ قد نبه على الزيادة في حرف المد لأجل الساكن في ثلاثة مواضع من فرش الحروف في التيسير.
منها قوله في البقرة لما ذكر تاءات البزي ثم قال: (وإن كان قبلهن حرف مد تزيد في تمكينه) (٢) وقوله: في النساء حين ذكر مذهب ابن كثير في ﴿آلَّذَانِ﴾ (٣) ونحوه فقال: (بتشديد النون، وتمكين الألف) (٤).
ومنها قوله في الأحزاب حين ذكر الإختلاف في ﴿آلَّئِي﴾ (٥) فمّال: (ومن همز "منهم" (٦) ومن لم يهمز يشبع التمكين للألف في الحالين إلى آخر كلامه (٧).
وهذا الإطلاق يشمل (٨) قراءة أبي عمرو والبزي وهما يسكنان الياء بعد
_________________
(١) انظر كتاب التبصرة ص ٢٧٢، ٢٧٣.
(٢) انظر التيسير ص ٨٤.
(٣) جزء من الآية: ١٦ النساء.
(٤) انظر التيسير ص ٩٥.
(٥) من مواضعة الآية: ٤ الأحزاب.
(٦) ما بين القوسين تكملة من التيسير.
(٧) انظر التيسير ص ١٧٨.
(٨) في الأصل (يشتمل) وهو تحريف والصواب ما في باقي النسخ ولذا أثبته.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الألف. والله أعلم.
وجميع ما ذكرته من أحكام المد عند الساكن قد ذكره الحافظ في جامع البيان وغيره (١)
_________________
(١) انظر جامع البيان الورقة ٧٤/ أإلى ٨٦/ أ.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وأما الشيخ فقال في التبصرة: (قرأ ورش بتمكين المد فيما روى المصريون عنه، وقرأ الباقون بمد وسط كما يخرج من اللفظ) (١) انتهى.
فسمى المد الذي يستحقه بنفسه مدًا وسطًا، وقال في مد ورش بالتمكين وليس فيه بيان عن مقدار الزيادة، وقال في كتاب التنبيه لما ذكر: ﴿لِيَسُؤُوا﴾ (٢) و﴿جَآءُوا﴾ (٣) و﴿بَآءُوا﴾ (٤) و﴿إِسْرَاءِيل﴾ (٥) - وشبهه ما نصه:
(والمدة الأولى في هذا هي أشبع مدًا من الثانية) وقال في كتابه الكشف: (والمد في حرف المد واللين إذا كانت الهمزة بعده أمكن من مده إذا كانت قبله لتمكن خفاء حرف المد واللين إذا كانت الهمزة بعده) (٦) فظهر من هذا موافقته للحافظ. والله عز وجهه الكريم أعلم.
(م) وقوله: (على مقدار التحقيق) (٧).
(ش) يريد على نسبة تحقيقه للحروف والصبر على الحركات وإن لم يبلغ أن يكون بمنزلة المد الذي قبل الهمزة.
فإن قيل: ولعلّه لا يريد هنا الزيادة في المد وإنما يريد أن يصبر على حروف المد بقدر ما يناسب الصبر على الحركات ليحصل التناسب ويزول التشتت والتنافر فيكون موافقًا لمذهب شيخه أبي الحسن على ما تقم.
_________________
(١) انظر التبصرة ص ٢٥٨.
(٢) جزء من الآية: ٧ الإسراء.
(٣) من مواضعة الآية: ١٨٤ آل عمران.
(٤) من مواضعة الآية: ٦١ البقرة.
(٥) من مواضعة الآية: ٤٠ البقرة.
(٦) انظر الكشف جـ ١ ص ٤٨.
(٧) انظر التيسير ص ٣١.
[ ٢ / ٢٢٦ ]