(ش) وذكر الحافظ - ﵀ - بإثر لام (٥ ل) و(بل) الفصل المشتمل على ما يدغم مما سكونه عارض، وأخر الكلام في النون الساكنة والتنوين، ولو عكس فأخر هذا الفصل لكان ظاهر التناسب من جهة أصالة السكون في النون الساكنة والتنوين كما هو كذلك فيما تقدم، لكن الترتيب الذي فعل الحافظ أكمل وأنبل.
وبيانه: أن الحكم الذي ثبت لذال (إذ) ودال (قد) و(تاء التأنيث) ولام (هل) و(بل) منحصر في الإِظهار والإِدغام على ما تقدم من التفصيل، وهذا الفصل الذي ذكر الحافظ هنا حكمه أيضًا، منحصر في الإِظهار والإِدغام، فكان ذكره بإثر هذه الحروف المتقدمة متناسبًا من هذه الجهة، فأما النون الساكنة والتنوين فلها أربعة أحكام:
الإِظهار والإِدغام، والقلب، والإخفاء، وليس في شيء منها خلاف، بل أجمع القراء على كل واحد من هذه الأحكام الأربعة في موضعه حسب ما ذكره الحافظ (٢) - فخرجت النون الساكنة والتنوين عن حكم الخلاف. والله أعلم (٣).
وأرجع إلى هذا الفصل فأقول بحول الله تعالى وقوته:
_________________
(١) انظر التيسير ص ٤٣.
(٢) انظر التيسير ص ٤٥.
(٣) في (ت) و(ز): (والله عز جلاله أعلم).
[ ٣ / ١٢١ ]
جملة الحروف التي تدغم في هذا الفصل سبعة يجمعها قولك: (ثرد فبذل) وتكرر بعضها بتكرر كلماتها، لكنها تنحصر في ضربين:
الضرب الأول: أن يكون الحرف المدغم والحرف المدغم فيه في كلمة واحدة.
والضرب الثاني: أن يكونا (١) من كلمتين، وأعني بقولي (فى كلمة واحدة) مثل ما مر في باب الإِدغام الكبير حيث بينت معنى المثلين والمتقاربين في كلمة.
أما الضرب الأول فنوعان:
الأول: الثاء قبل التاء وذلك في قوله تعالى: ﴿أورِثتُمُوهَا﴾ (٢) في الأعراف والزخرف و﴿لَبِثْتَ﴾ (٣) و﴿لَبِثْتُمْ﴾ (٤) حيث وقع.
أظهر ذلك كله الحرميان وعاصم، وافقهم ابن ذكوان على الإِظهار في ﴿أورِثْتُمُوهَا﴾ (٥) خاصة وأدغم الباقون.
الثاني: الذال قبل التاء، وهو أصل مطرد وكلمتان:.
فالأصل ما جاء من لفظ ﴿أخذْتُمْ﴾ (٦) و﴿اتَخَذْتُمْ﴾ (٧) و﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ (٨) حيث وقع، أظهره كله ابن كثير وحفص.
_________________
(١) في الأصل: (أن يكون) وهو تحريف والصواب ما في باقي النسخ ولذا أثبته.
(٢) جزء من الآية: ٤٣ الأعراف و٧٢ الزخرف.
(٣) جزء من الآية: ٢٥٩ البقرة.
(٤) جزء من الآية: ٢٥٩ البقرة.
(٥) جزء من الآية: ٤٣ الأعراف.
(٦) جزء من الآية: ٨١ آل عمران.
(٧) جزء من الآية: ٥١ البقرة.
(٨) جزء من الآية: ٧٧ الكهف.
[ ٣ / ١٢٢ ]
والكلمتان: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ (١) في طه و﴿عُذْتُ﴾ (٢) في المؤمن والدخان، أدغمها أبو عمرو وحمزة والكسائي، وأظهر الباقون.
وأما الضرب الثاني فسبعة (٣) أنواع:
الأول: الباء قبل الفاء (و) (٤) جملته في القرآن خمسة مواضع: منها في النساء: ﴿أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ (٥) وفي الرعد: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُم﴾ (٦) وفي الإسراء: ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُم﴾ (٧) وفي طه: ﴿فَاذْهَبْ فَإِن لَك فِي الْحَيَوةِ﴾ (٨) وفي الحجرات: ﴿وَمَن لّمْ يَتُبْ فَأولئِكَ﴾ (٩).
أدغم الجميع أبو عمرو والكسائي وخلاد بخلاف عن خلاد في: ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ﴾.
وذكر الشيخ والإمام عن خلاد الإِدغام (١٠) خاصة وأظهر الباقون. الثاني: الباء قبل الميم وهو موضعان:
الأول: ﴿وَيُعَذِبُ مَن يشَآءُ﴾ (١١) فى البقرة، قرأه عاصم وابن عامر
_________________
(١) جزء من الآية: ٩٦ طه.
(٢) جزء من الآية: ٢٧ غافر و٢٠ الدخان.
(٣) في الأصل: (سبعة) وفي باقي النسخ ما أثبته لصوابه.
(٤) ما بين القوسين تكملة من باقي النسخ.
(٥) جزء من الآية: ٧٤ النساء.
(٦) جزء من الآية: ٥ الرعد.
(٧) جزء من الآية: ٦٣ الإسراء.
(٨) جزء من الآية: ٩٧ طه.
(٩) جزء من الآية: ١١ الحجرات.
(١٠) انظر التبصرة ص ٣٦٢ والكافي ص ٣٩.
(١١) جزء من. الآية: ٢٨٤ البقرة.
[ ٣ / ١٢٣ ]
برفع الباء، فلزم الإِظهار على قراءتهما، وجزم الباقون، فأظهره (١) ورش، وأدغم الباقون، وزاد الحافظ عن ابن كثير الإِظهار (٢).
الثاني: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (٣) في سورة هود - ﵇ -: أظهره ورش، وابن عامر وخلف، وأدغمه الباقون. قال الحافظ: (بخلاف عن قالون والبزي وخلاد) (٤) وذكر الشيخ والإمام عن قالون والبزي الإِدغام خاصة، وعن خلاد الإِظهار خاصة (٥).
الثالث: الفاء قبل الباء في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ (٦) في سبا أدغمه الكسائي وأظهره الباقون.
الرابع: اللام قبل الذال، وجملته في القرآن ستة مواضع، منها في البقرة: ﴿وَمن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٧) وفي آل عمران: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مَنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ (٨) وفي النساء: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا﴾ (٩) و﴿مَن يَفْعَلْ ذَلَك ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (١٠) وفي الفرقان:
_________________
(١) في الأصل: (فأظهر) وفي باقي النسخ ما أثبته لصوابه.
(٢) فتحصل أن لإبن كثير وجهين: الإِظهار والإِدغام. (انظر التيسير ص ٤٥).
(٣) جزء من الآية: ٤٢ هود.
(٤) انظر التيسير ص ٤٥.
(٥) انظر التبصرة ص ٣٦٣ والكافي ٣٩.
(٦) جزء من الآية: ٩ سبأ.
(٧) جزء من الآية: ٢٣١ البقرة.
(٨) جزء من الآية: ٢٨ آل عمران.
(٩) جزء من الآية: ٣٠ النساء.
(١٠) جزء من الآية: ١١٤ النساء.
[ ٣ / ١٢٤ ]
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ (١) (و) (٢) في المنافقينَ ﴿ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ﴾ (٣).
أدغم الجميع أبو الحارث وأظهر الباقون.
الخاص: الثاء قبل الذال (في) (٤) قوله تعالى في الأعراف: ﴿يَلْهَثْ ذَلِكَ﴾ (٥) أظهره الحرميان وهشام بخلاف عن قالون، وأدغم الباقون وبالإدغام أخذ الشيخ والإمام لقالون.
السادس: الدال قبل التاء في قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ﴾ (٦) في الموضعين.
أظهره الحرميان وعاصم، وأدغمه الباقون.
السابع: الراء قبل اللام وهو كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبكَ﴾ (٧) و﴿اغْفِرْ لِي﴾ (٨) و﴿يَسِّرْ لِي﴾ (٩) و﴿إِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ (١٠) و﴿يَنشُرْ لَكُم﴾ (١١) و﴿يَغْفِرْ لَكُم﴾ (١٢) أدغمه أبو عمرو باتفاق
_________________
(١) جزء من الآية: ٦٨ الفرقان.
(٢) ما بين القوسين تكملة من باقي النسخ.
(٣) جزء من الآية: ٩ المنافقون.
(٤) تكملة لابد منها من (س).
(٥) جزء من الآية: ١٧٦ الأعراف.
(٦) جزء من الآية: ١٤٥ آل عمران.
(٧) جزء من الآية: ٤٨ الطور.
(٨) جزء من الآية: ١٥١ الأعراف.
(٩) جزء من الآية: ٢٦ طه.
(١٠) جزء من الآية: ٤٧ هود.
(١١) جزء من الآية: ١٦ الكهف.
(١٢) جزء من الآية: ٢٩ الأنفال.
[ ٣ / ١٢٥ ]
من طريق السوسي، وبخلاف من طريق الدوري: فمذهب الشيخ الإِظهار للدوري (١) ومذهب الإِمام الإِدغام (٢) ومذهب الحافظ الوجهان (٣).
تتميم: قد تقدم أن سكون الحرف المدغم في هذا الفصل عارض وبيانه أن هذه الأحرف/ السبعة لامات الأفعال وهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما جاء بصيغة الماضي وهو جميع ما في الضرب الأول، ولا شك أن أصله البناء على الفتح، وإنما سكن لاتصال ضمير الرفع به.
الثاني: ما جاء بصيغة المضارع، وهو جميع ما فى الضرب الثاني سوى: ﴿اذْهَبْ﴾ (٤) و﴿ارْكَب﴾ (٥) وسوى بعض ذوات الراء نحو: ﴿يَسّرْ لِي﴾ ولا شك أن أصله التحريك بالرفع، وإنما سكن للجزم نحو: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٦).
الثالث: ما جاء بصيغة الأمر وهو: ﴿اذْهَبْ﴾ و﴿ارْكَب﴾ ونحو: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ (٧) فهذا النوع وإن كان مبنيًا على السكون، ولكنه في حكم المغير من لفظ المضارع الذي أصله الرفع، فهو إذًا في حكم ما كان متحركًا، ثم غير فلزمه السكون، ولهذا تجده أبدًا يوافق المضارع في حركة العين، حتى قالت طائفة من النحويين إنما هو المضارع لمخاطب: يسقط
_________________
(١) انظر التبصرة ص ٣٦٥.
(٢) انظر الكافي ص ٣٩.
(٣) انظر التيسير ص ٤٤.
(٤) من مواضعه الآية: ٦٣ الإسراء.
(٥) جزء من الآية: ٤٢ هود - ﵇ -.
(٦) من مواضعه الآية: ٢٩ الأنفال.
(٧) جزء من الآية: ١٤ لقمان.
[ ٣ / ١٢٦ ]
منه حرف المضارعة، ويسكن آخره إن كان صحيحًا أو يحذف إن كان معتلًا، ثم إن كان الحرف الذي بعد حرف المضارعة متحركًا بدأت به في الأمر بتلك الحركة، وإن كان ساكنًا جلبت همزة الوصل (١).
وليست ذال (اذ) ودال (قد) وتاء التأنيث ولام (هل) و(بل) مما أصله الحركة، ولا في حكم ما أصله الحركة. والله تعالى أعلم (٢).
_________________
(١) وهو مذهب الكوفيين، والأخفش: أي أن فعل الأمر معرب مجزوم بلام الأمر مقدرة، فهو عندهم مقتطع من المضارع، فأصل (قم) (لتقم) فحذفت اللام للتخفيف، وتبعها حرف المضارعة، وهو ضعيف، لأن حذف الجازم وإبقاء عمله ضعيف كحذف الجار. وذهب البصريون إلى أنه مبني، وهو الراجح. شرح الأشموني، وحاشية الصبان ١/ ٥٨، وشرح ابن عقيل ١/ ٣٨.
(٢) في (ت) (والله سحانه وتعالى أعلم) وكذا في (ز) مع زيادة (وأحكم).
[ ٣ / ١٢٧ ]
(م) *فصل* (١)