واعلم أنه إن صح هذا القول، فيمكن تطبيقه على الساكن الموصول فقط، نحو: ﴿يُبْدِئ﴾ لأن الساكن الموقوف عليه كحرف الدال في نحو قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ [الفاتحة: ٥] لا يتأتى فيه اتباعه لما بعده، لذهاب حركة ما بعده بسبب الوقف عليه، فتنبه". انتهى.
ويُحكى قول آخر وهو أن للقلقلة نُطقًا خاصًا لا تميل فيه لا إلى الضم ولا إلى الفتح ولا إلى الكسر.
قوله: (واللين) أي وحرفا اللين، وهما: الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما، سميا بذلك؛ لما فيهما من اللين القابل لمدهما كما في باب المد (ويتبين ذلك من البيت التالي).
والحاصل: أن الواو والياء الساكنتين إذا انفتح ما قبلهما يقال لكل منهما: حرفُ لين، وإن جانسهما ما قبلهما (١) قيل لكل منهما: حرفُ مدّ ولِين.
وأما الألف فلا تكون إلا حرف مد ولين، والله تعالى أعلم.
وَاوٌ وَيَاءٌ سَكَنَا وَانْفَتَحَا قَبْلَهُمَا وَالانْحِرَافُ صُحَّحَا
يعني وحروف الانحراف اللام والراء على الصحيح خلافًا لمن جعله اللام فقط، سميا بذلك لانحرافهما عن مخرجهما حتى اتصلا بمخرج غيرهما، ويقال: إن اللام فيها انحراف إلى ناحية طرف اللسان (أي إلى مخرج النون)، والراء فيها انحراف قليل إلى ناحية اللام، ولذلك يجعلها الألثغ لامًا.
قال الإمام مكي القيسي (٢): "سُمِّيا بذلك؛ لأنهما انحرفا عن مخرجهما حتى اتصال بمخرج غيرهما، وعن صفتهما إلى صفة غيرهما.
_________________
(١) أي إذا كانت الواو مضموم ما قبلها، والياء مكسور ما قبلها.
(٢) الرعاية، ص: ١٣٢.
[ ٣٠ ]
قال: أما (اللام) فهو من الحروف الرخوة، لكنه انحرف به اللسان مع الصوت إلى الشدة، فلم يعترض في منع خروج الصوت اعتراض الشديدة، ولا خرج معه الصوت كله خروجه من الرخوة، فسمّي منحرفًا؛ لانحرافه عن حكم الشديدة وعن حكم الرخوة، فهو بين صفتين.
وأما (الراء) فهو حرف انحرف عن مخرج النون - الذي هو أقرب المخارج إليه - إلى مخرج اللام، وهو أبعد من مخرج النون من مخرجه، فسمي منحرفًا لذلك.
قال: "وقيل: "إنما سميت الراء منحرفة فذكر السبب الذي سبق ذكره في اللام. انتهى. واللام أقوى انحرافًا من الراء، وانحرافهما جميعًا إلى الجهة اليمنى" (١).
فِي (اللاَّمِ وَالرَّا) وَبِتَكْرِيرٍ جُعِلْ وَللتَّفَشِّي الشِّيْنُ ضَادًا اسْتُطِلْ
يعني وجعل في الراء صفة تكرير فهي صفة ذاتية لها؛ فمعنى تكريرها: رُبُوُّهَا في اللفظ لا إعادتها بعد قطعها هنا، ولذلك يجب أن يتحفظ من إظهار تكريرها لاسيما إذا شددت كما سيأتي النص عليه قريبًا، وفي تقديم تكريرها على جعل إشارةٌ إلى أن الراء خُصّ بذلك، فجمع بين الانحراف والتكرير، وهو صفة لازمة للراء، ووصفت الراء بالتكرير لقبولها له، فهو وصفٌ لها بالقوة لا بالفعل، كوصفهم إنسانًا بالضحك إذا كان غير ضاحك بالفعل، باعتبار كونه قابلًا لهذه الصفة، وكوصفهم أميًا بالقراءة والكتابة نظرًا لكونه مستعدًا لها، ومُهيأ لقبولها.
قال الإمام مكي (٢): "والراء حرف قابل للتكرير، ويظهرُ تكريره جليًا إذا كان مشددًا، فيجب على القارئ أن يخفي تكريره ولا يظهره،
_________________
(١) الدر النثير، ٢٠ - ٢٥.
(٢) الرعاية، ص: ١٩٦.
[ ٣١ ]
فمتى أظهره فقد جعل من الحرف المشدد حروفًا، ومن المخفف حرفين".
وقال (١): "والتكرير في الراء المشددة أظهر وأحوجُ إلى الإخفاء منه في المخفَّفة". انتهى.
وقال العلامة الجعبري: "وطريق السلامة منه - أي التكرير - أن يُلصق اللافظ به رأس لسانه بأعلى حنكه لصقًا محكمًا مرة واحدة، بحيث لا يرتعد؛ لأنه متى ارتعد حدث من كل مرة راء، فهذه الصفة يجب أن تعرف لتجتنب لا ليؤتى بها، وذلك كالسحر يعرف ليجتنب، بخلاف سائر الصفات فإنها تعرف ليعمل بها". اهـ.
قوله: (لا ليؤتى بها) يوضحه كلام مكي: "فيجب على القارئ أن يخفي تكريره"، وكذا ما يأتي في كلام المرعشي.
أقول: فالمقصود هو إخفاء التكرير بحيث لا يتبين للسامع، وليس المقصود إعدام هذه الصفة بالكلية كما يزعم بعض القراء، فتجدهم ينطقون بالراء ممجوجة كأنها لام مغلظة، أو طاء، وهو لحن ينبغي التحرّز عنه، وهو الذي يسميه ابن الجزري بالحصرمة، فقد قال (٢): "وقد توهم بعض الناس أن حقيقة التكرير: ترعيد اللسان بها المرة بعد المرة، فأظهر ذلك حال تشديدها والصواب: التحفظ من ذلك بإخفاء تكريرها كما هو مذهب المحققين.
وقد يبالغ قوم في إخفاء تكريرها مشددة، فيأتي بها محصرمة، شبيهة بالطاء، وذلك خطأ لا يجوز". انتهى.
والحصرمة: بالحاء المهملة والصاد المهملة، من الحصر وهو: العيُّ في المنطق، فالذي يبالغ في إخفاء تكرير الراء المشددة، يجد في لسانه ثقلًا يشبه الحصر، وهو العي، وسمي فعل ذلك بالحصرمة.
قال المرعشي (٣): "ليس معنى إخفاء تكريره إعدام تكريره بالكلية
_________________
(١) جهد المقل، ص: ٣٥، ٣٦.
(٢) النشر ١: ٢١٨.
(٣) جهد المقل، ص: ٣٦.
[ ٣٢ ]