اعلم أنه قد ثبت عن الصحابة - ﵃ - إجماعهم على تعلُّم ما يوقف عنده وما لا يصح الوقف عنده، فعن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد - ﷺ - فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منه كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته وما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه".
وعن عليّ ﵁ في قوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾ قال: الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقف" وما سبق دالٌ على أن الصحابة كانوا يتعلمون الوقف والقرآن معًا، وعلى هذا كان إجماع التابعين والقراء منهم خاصة، وعلى رأسهم نافع وأبو عمرو ويعقوب وعاصم، لدرجة أن كثيرًا من العلماء اشترط أن لا تُعْطَى الإجازة لأحدٍ إلا بعد معرفته للوقوف.
_________________
(١) انظر: الإتقان، ص: ١١٣.
[ ٩٣ ]
وَبَعْدَ تَجْوِيدكَ لِلْحُرُوفِ لابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الوُقُّوفِ
والابْتدا وَهْيَ تُقْسَمُ إِذَنْ ثَلاثَةٌ: تَامٌ وكافٍ وحَسَنْ
أي أنك بعد معرفتك بتجويد الحروف بمعرفة ما سبق ذكره (لابد) أن تزينه وتجمله بـ (معرفة الوقوف) وأيضًا (الابتدا).
واعلم أن الوقوف ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تامٍ وكافٍ وحسنٍ.
وقوله: (تامٌ) هو بتخفيف الميم للوزن (١).
ثم شرع في تفصيل ذلك فقال:
وَهْيَ لِمَا تَمَّ فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ تَعَلُقٌ أو كَانَ مَعْنًى فابْتَدِي
فَالتَّامُ فَالكَافِي وَلَفْظًا فَامْنَعَنْ إلا رُؤسَ الآي جَوِّزْ فَالحَسَنْ
قوله: (وهي) أي: واعلم أن هذا الوقوف يكون (لما تم) معناه.
إلى هنا انتهى كلامه على الوقف على الكلام التام المعنى، ثم شرع في الكلام على معاودة البدء بما بعده فقال:
(فإن لم يوجد) فيما وُقِف عليه (تعلق) بما بعده (أو كان) يوجد تعلق بما بعده ولكن هذا التعلق كان (معنًى) أي في المعنى لا لفظًا (٢).
(فابتدى) أي فإن لك عند معاودة القراءة أن تبدأ بالموضع الذي وقفت قبله، وفيما سبق نوعان: (فالتام) هو النوع الأول (٣)، (والكافي) هو النوع الثاني (٤).
قوله: (ولفظًا) أي أما إذا كان هذا التعلق لفظًا أي في اللفظ.
(فامنعن) أي امنع هذا البدء، أي: امتنع عن البدء بالموضع الذي وقفت قبله ولكن ائت (٥) بأي موضع في الآية التي وقفت عليها يجوز البدء به؛ وابدأ من
_________________
(١) الدقائق المحكمة ص: ٤٣.
(٢) أي أن الكلام متصل معنىً ومنفصل لفظًا مثل الوقف على ﴿لقد جئت شيئًا إمرًا﴾ فهذه آخر آية وهي مفصولة عن ما بعدها لفظًا ولكنها متصلة بها معنى.
(٣) أي النوع الذي لا يوجد فيه تعلق بما بعده.
(٤) أي النوع الذي فيه التعلق بما بعده معنىً لا لفظًا.
(٥) أي: أحضر ونظيره في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾ [يونس: ١٥].
[ ٩٤ ]
عنده.
(إلا) في حالة واحدة وهي (عند رؤس الآي) فإنه يجوز لك الوقف عليها ثم الابتداء بأول الآية التي بعدها، وإن كان الكلام متصلًا لفظًا، ثم ذكر اسم هذا النوع وهو (الحَسَن).
فائدة:
(التعلق بالمعنى) هو الارتباط بالمعنى وهو ما يرجع فيه إلى علوم التفسير والبلاغة، أي أنه الارتباط من حيث المعنى لا من حيث الإعراب أو الإخبار عن حال المؤمنين أو الكافرين أو تمام قصة ونحو ذلك.
أما (التعلق اللفظي) فهو الذي يرجع فيه إلى القواعد النحوية والإعراب ككونه صفة له أو معطوفًا عليه.
واعلم أن حالةً يستحيل أن توجد، وهي أن يكون الكلام متعلقًا ببعضه لفظًا لا معنى، وذلك لأن اتصال اللفظ لابد وأن يقتضي اتصال المعنى.
وَغَيْرُ مَا تَمَّ قَبِيْحٌ وَلَهُ يُوقَفُ مُضْطَرًّا وَيُبْدَا قَبْلَهُ
أي: واعلم أن أي وقف غير هذه الأنواع السابقة (وهي: التام والكافي والحسن) فإنه يسمى بالوقف القبيح.
(وله) أي بسببه.
(يوقف مضطرًا) لا يوقف عليه إلا عند الاضطرار.
(ويبدا قبله) أي: ولا يجوز البدء بما بعده، ولكن يكون البدء (قبله) أي بأي موضع في الآية التي وقفت عليها مضطرًا بشرط أن يكون هذا الموضع يجوز البدء به.
ومثال القبيح: الوقف على المضاف دون المضاف إليه، وعلى الرافع دون مرفوعه، وعلى الناصب دون منصوبه، وعلى الشرط دون جوابه، وعلى المعطوف دون معطوفه (١).
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ وَجَبْ وَلاَ حَرَامٌ غَيْرَ مَا لَهُ سَبَبْ
أي: واعلم أنه لا يوجد في القرآن وقف واجب يأثم من لم يأت به
_________________
(١) الدقائق المحكمة، ص: ٤٥.
[ ٩٥ ]