قاعدة مهمة (١):
تتفاوت مراتب المدود في القوة والضعف تبعًا لتفاوت أسبابها قوةً وضعفًا، فإذا كان سبب المد قويًا كان المد قويًا، وإذا كان سببه ضعيفًا كان المد ضعيفًا.
وأقوى أسباب المدود كلها سبب المد اللازم، وهو السكون؛ لثبوته وصلًا ووقفًا، واجتماعه مع حرف المد في كلمة واحدة أو حرف واحد، ولإجماع القراء على مده بمقدار واحد، ويليه في القوة سبب المد المتصل، وهو الهمز، لثبوته وصلًا ووقفًا، واجتماعه مع حرف المد في كلمة واحدة، وإجماعهم على مدّه وإن كان مختلفًا في مقداره، ويليه سببُ المد العارض، وهو السكون، لاجتماعه مع حرف المد في كلمة واحدة، وإن كان عارضًا، ومختلفًا في مقداره، ويليه سبب المد المنفصل، وهو الهمز، لانفصاله عن حرف المد، واختلافهم في مدّه ومقداره، ويليه سبب مدّ البدل، وهو الهمز، وهو أضعف الأسباب.
وبناءً على هذا يكون أقوى المدود المد اللازم، ويليه في القوة المد المتصل، ثم المد العارض للسكون، ثم المد المنفصل، ثم مد البدل وهو أضعفها، وإنما كان أضعف المدود؛ لتقدم سببه عليه، ولكون حرف المد مبدلًا من غيره غالبًا، بخلاف المدود السابقة فإن أسبابها متأخرة عنها، وكلها أصلية لم تبدل من غيرها.
وإذا اجتمع في كلمة أو في كلمتين سببان لمدَّين، وكان أحد السببين أقوى من الآخر أو كان أحدهما قويًا والآخر ضعيفًا عُمِلَ بمقتضى السبب الأقوى أو القوي، وألغيَ السبب الآخر ولم يُعمل بمقتضاه، وهذا معنى قول العلامة الجعبري: "إن القوي ينسخُ حكم الضعيف". انتهى.
_________________
(١) انظر: أحكام تلاوة القرآن الكريم ص: ٢٢٨.
[ ٩٠ ]
وهاك الأمثلة:
١ - كلمة ﴿آمِّين﴾ في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، قد اجتمع فيها سببان: أحدهما: تقدم الهمز على حرف المد، وهذا السبب يقتضي اعتبار المد من قبيل مد البدل.
والسبب الثاني: وجود السكون اللازم بعد حرف المد وصلًا، ووقفًا، وهذا السبب يقتضي أن يكون المد من قبيل المد اللازم، والسبب الأول ضعيف، والثاني قوي بل هو أقوى الأسباب، فحينئذٍ يُعمل بالسبب الأقوى ويُهمل غيره، فيكون المد مدًا لازمًا.
٢ - ﴿رِئاءَ النَّاسِ﴾ اجتمع في كلمة ﴿رئاء﴾ سببان: تقدمُ الهمز على حرف المد، وهذا يوجب أن يكون المدُّ مَدَّ بدل، ووجود همز بعد حرف المد متصل به في كلمته، وهذا يوجب أن يكون المد متصلًا، والسبب الأول ضعيف، والثاني قوي، فيُعمل بمقتضاه.
٣ - ﴿رءا أيديهم﴾ اجتمع فيها سببان: تقدم الهمزة على المد المقتضي جعله مد بدل، ووجود الهمز بعد حرف المد في كلمة أخرى المقتضي جعله مدًا منفصلًا، والسبب الأول ضعيف، والثاني قوي فيُعمل به، ويُترك الأول، ويكون المد منفصلًا.
٤ - ﴿يشاءُ﴾ عند الوقف عليه اجتمع فيه سببان: اجتماع حرف المد مع الهمز في كلمة، وهذا يقتضي اعتبار المد متصلًا ووجود سكون عارض للوقف بعد حرف المد، وهذا يقتضي اعتبار المد من قبيل المد العارض للسكون، والسبب الأول أقوى فيُعمل به ويكون المد متصلًا يتعين مده، ويُلغى السبب الآخر فيمتنع القصر حينئذٍ.
٥ - ﴿مآب﴾ عند الوقف عليه اجتمع في هذه الكلمة سببان: تقدم الهمز على المد وهذا سببٌ ضعيف، ووجود سكون عارض بعد حرف
[ ٩١ ]
المد وهذا سببٌ قوي، فحينئذٍ يُهمل السبب الأول لضعفه، ولا يكون المد مد بدل، ويُعمل بالسبب القويّ ويكونُ المد عارضًا للسكون تغليبًا للسبب القوي وعملًا بمقتضاه على السبب الضعيف.
(أي أن القارئ إذا كان يقرأ بقصر العارض فإنه يقف على مآب ونحوها بالقصر، وإذا كان يقرأ بالتوسط أو بالإشباع في العارض فلا يقف على مآب ونحوها إلا كما يقف على العارض (بالتوسط أو بالإشباع) ولا يلتفت إلى مد البدل. والله أعلم).
[ ٩٢ ]
باب