المتحركة، وذهب آخرون إلى أنها أربعة عشر لإسقاطهم مخرج النون واللام والراء فجعلوها من مخرج واحد.
واختلاف العلماء في عدد مخارج الحروف على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنها تسعة وعشرون مخرجًا بعدد حروف الهجاء، لكل حرف مخرجٌ خاص به.
وحجتهم في ذلك: أنه لو لم يكن لكل حرف مخرج خاصٌ به يميزه عن الآخر، لاختلطت الحروف، ولمَا تميّز بعضها من بعض، فكان لكل حرف مخرج خاص به ليتميز عن الآخر، ولا يختلط بغيره.
وهذه الحُجة لا وزن لها ولا اعتبار؛ ذلك لأن اشتراك بعض الحروف في مخرج واحد لا يَلزم منه اختلاطها وعدم تميُّز بعضها من بعض؛ لأن لكل حرف صفاته الخاصة التي تميزه عن غيره وتمنع اختلاطه به، فلا غضاضة في اجتماع بعض الحروف في مخرج واحد؛ لأن اختلاف الصفات كفيلٌ بتمييز كل حرف عن الآخر.
قال ابن الجزري (١): "كل حرف شارك غيره في مخرج فإنه لا يمتاز عن مشاركه إلا بالصفات، وكل حرفٍ شارك غيره في صفاته فإنه لا يمتاز عن مشاركه إلا بالمخرج".
وقال الإمام مكي بن أبي طالب (٢): "الحروف تكون من مخرج واحد، وتختلف صفاتها، فيختلف لذلك ما يقع في السمع من كل حرف، وهذا تقارب بين الحروف من جهة المخرج، وتباين في الصفات.
وتكون الحروف من مخرجين، وهي مختلفة الصفات، فهذا غاية التباين، إذ قد اختلفت في المخارج والصفات.
_________________
(١) النشر (١/ ٢٠٤).
(٢) الرعاية، ص: ١٥٦.
[ ١٦ ]
وتكون من مخرجين، متفقة الصفات، فهذا أيضًا تقارب بين الحروف من جهة الصفات، وتباين من جهة المخرج، فافهم هذا، فعليه مدار الحروف كلها".
ثم قال: "ولا تجد أحرفًا من مخرج واحد متفقة الصفات البتة؛ لأن ذلك يوجب اتفاقها في السمع، فلا تفيد فائدة".
المذهب الثاني: مذهب الأكثرية من النَّحْوِيِّين وعلى رأسهم الخليل بن أحمد شيخ سيبويه، والقرّاء وعلى رأسهم المحقق الإمام ابن الجزري، وهو المذهب المختار المعمول به: أنها سبعة عشر مخرجًا، وهي منحصرة في خمسة مخارج كلية:
الأول: الجوف (١)، وهو مخرج واحد.
الثاني: الحلق، وفيه ثلاثة مخارج.
الثالث: اللسان، وفيه عشرة مخارج.
الرابع: الشفتان، وفيهما مخرجان.
الخامس: الخَيشُوم، وفيه مخرج واحد.
المذهب الثالث: وهو مذهب سيبويه وأتباعه: أنها ستة عشر مخرجًا، وتنحصر في أربعة مخارج:
الأول: الحَلْقُ بمخارجه الثلاثة.
الثاني: اللسان بمخارجه العشرة.
الثالث: الشفتان بمخرجيهما.
الرابع: الخيشوم بمخرجه.
وأسقطوا الجَوف، وجعلوا الألف كالهمزة تخرُج من أقصى الحلق،
_________________
(١) الجوف لغة: الخلاء، واصطلاحًا: خلاء الحلق أو الفم.
[ ١٧ ]