وَاخْتلفُوا فِي الْمِيم فَكَانَ ابْن كثير يصل الْمِيم بواو انضمت الْهَاء قبلهَا أَو انْكَسَرت فَيَقُول ﴿عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ فَاتِحَة الْكتاب ٧ و﴿على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾ الْبَقَرَة ٧
وَاخْتلفُوا عَن نَافِع فِي الْمِيم فَقَالَ إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَابْن جماز وقالون والمسيبي الْهَاء مَكْسُورَة وَالْمِيم مَرْفُوعَة أَو منجزمة أَنْت فِيهَا مُخَيّر
وَقَالَ أَحْمد بن قالون عَن أَبِيه كَانَ نَافِع لَا يعيب رفع الْمِيم فَهَذَا يدل
[ ١٠٨ ]
على أَن قِرَاءَته كَانَت بالإسكان
وَالَّذِي قَرَأت بِهِ الإسكان
وَقَالَ ورش الْهَاء مَكْسُورَة وَالْمِيم مَوْقُوفَة إِلَّا أَن تلقاها ألف أَصْلِيَّة فَإِذا لقيتها ألف أَصْلِيَّة وصلت الْمِيم بواو فِي الْوَصْل مثل قَوْله ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ الْبَقَرَة ٦
وَكَانَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ يكسرون الْهَاء ويسكنون الْمِيم فَإِذا لقى الْمِيم حرف سَاكن اخْتلفُوا فَكَانَ عَاصِم وَنَافِع وَابْن كثير وَابْن عَامر يمضون على كسر الْهَاء ويضمون الْمِيم إِذا لقيها سَاكن مثل قَوْله ﴿عَلَيْهِم الذلة﴾ الْبَقَرَة ٦١ و﴿من دونهم امْرَأتَيْنِ﴾ الْقَصَص ٢٣ وَمَا أشبه ذَلِك
وَكَانَ أَبُو عَمْرو يكسر الْهَاء أَيْضا وَيكسر الْمِيم فَيَقُول ﴿عَلَيْهِم الذلة﴾ ﴿إِلَيْهِم اثْنَيْنِ﴾ يس ١٤ وَمَا أشبه ذَلِك
وَكَانَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ يضمان الْمِيم وَالْهَاء مَعًا فَيَقُولَانِ ﴿عَلَيْهِم الذلة﴾ و﴿من دونهم امْرَأتَيْنِ﴾ وَمَا أشبه ذَلِك
وكل هَذَا الِاخْتِلَاف فِي كسر الْهَاء وَضمّهَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْهَاء الَّتِي قبلهَا كسرة أَو يَاء سَاكِنة فَإِذا جَاوَزت هذَيْن لم يكن فِي الْهَاء إِلَّا الضَّم
وَإِذا لم يكن قبل الْمِيم هَاء قبلهَا كسرة أَو يَاء سَاكِنة لم يجز فِيهَا إِلَّا الضَّم أَو التسكين مثل قَوْله ﴿مِنْكُم﴾ و﴿أَنْتُم﴾
فَأَما من كسر الْهَاء وَوصل الْمِيم بواو وَهُوَ قَول ابْن كثير وَنَافِع فِي أحد قوليه فَإِنَّهُ استثقل ضمة الْهَاء بعد الْيَاء ﴿فَأتى﴾ بالكسرة لِأَن الكسرة من جنس الْيَاء وَالْهَاء مؤاخية للياء لِأَن الْهَاء قد تقع فِي موقع الْيَاء فِي
[ ١٠٩ ]
بعض القوافي وَهِي حرف خَفِي فأتبعوا الْيَاء الكسرة فِي الْهَاء وَأتوا بِالْمِيم مَوْصُولَة بواو الْجمع لِأَنَّهُ أصل الْكَلِمَة أَلا ترى أَنَّك إِذا ثنيت الْهَاء قلت عَلَيْهِمَا فَأتيت بِأَلف التَّثْنِيَة كَذَلِك إِذا جمعت قلت عليهمو فَأتيت بواو الْجمع كَمَا تَقول قَامَ وقاما وَقَامُوا
وَأما من كسر الْهَاء وأسكن الْمِيم وَهُوَ قَول عَاصِم وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ فَإِنَّهُم أمنُوا اللّبْس إِذْ كَانَت الْألف فِي التَّثْنِيَة قد دلّت على الِاثْنَيْنِ وَلَا مِيم فِي الْوَاحِد فَلَمَّا لَزِمت الْمِيم الْجمع حذفوا الْوَاو وأسكنوا الْمِيم طلبا للتَّخْفِيف إِذْ كَانَ لَا يشكل
وَأما الضمة فِي الْهَاء من ﴿عَلَيْهِم﴾ وَهُوَ قَول حَمْزَة فَهِيَ أصل الْهَاء لِأَنَّهَا إِذا ابتدأت كَانَت مَضْمُومَة كَقَوْلِك هم فَتركت على حَالهَا
وَأما من ترك الْهَاء مَكْسُورَة وَضم الْمِيم عِنْد لقائها السَّاكِن فَلِأَن الْمِيم لَا بُد من حركتها للساكن الَّذِي لقيها
فَردَّتْ لما احْتِيجَ إِلَى حركتها إِلَى أصل قد كَانَ لَهَا وَهُوَ الضَّم وَتركُوا الْهَاء على حَال كسرهَا إِذْ لم تَدعهُمْ إِلَى ردهَا إِلَى الأَصْل ضَرُورَة كَمَا دعت إِلَى ضم الْمِيم وَلِأَن الْهَاء إِنَّمَا تبِعت الْيَاء لِأَنَّهَا شبهت بهَا وَلم تتبعها الْمِيم لبعدها مِنْهَا
وَالَّذين كسروا الْمِيم للساكن الَّذِي لقيها وَالْهَاء مَكْسُورَة فَإِنَّهُم أتبعوا الْكسر الْكسر لثقل الضَّم بعد الْكسر
كَمَا استثقلوا ضمة الْهَاء بعد الْكسر كَذَلِك استثقلوا ضمة الْمِيم بعد كسرة الْهَاء
وَأما من كسر الْهَاء إِذا لم يلق الْمِيم سَاكن وَضمّهَا إِذا لَقِي الْمِيم
[ ١١٠ ]
سَاكن وَهُوَ قَول الْكسَائي فَإِنَّهُ لما رد الْمِيم إِلَى أَصْلهَا رد الْهَاء أَيْضا إِلَى أَصْلهَا وأتبع الضَّم الضَّم استثقالا لِلْخُرُوجِ من الْكسر إِلَى الضَّم
وَأما حَمْزَة فِي قَوْله فِي ضم الْهَاء من ﴿عَلَيْهِم﴾ و﴿إِلَيْهِم﴾ و﴿لديهم﴾ فَإِنَّهُ إِذا جَاوز هَذِه الثَّلَاثَة الأحرف وَلَقي الْهَاء وَالْمِيم سَاكن ضمهما فَإِذا لم يلق الْمِيم سَاكن كسر الْهَاء فَيَقُول ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ﴾ الْأَنْفَال ١٦ ﴿برَبهمْ يعدلُونَ﴾ الْأَنْعَام ١
وَمثل السَّاكِن ﴿عَن قبلتهم الَّتِي﴾ الْبَقَرَة ١٤٢
وَإِنَّمَا خص حَمْزَة هَذِه الأحرف الثَّلَاثَة بِالضَّمِّ أَعنِي ﴿عَلَيْهِم﴾ و﴿لديهم﴾ و﴿إِلَيْهِم﴾ من بَين سَائِر الْحُرُوف لِأَنَّهُنَّ إِذا وليهن ظَاهر صَارَت ياءاتهن ألفات وَلَا يجوز كسر الْهَاء إِذا كَانَ قبلهَا ألف فعامل الْهَاء مَعَ المكنى مُعَاملَة الظَّاهِر إِذْ كَانَ مَا قبل الْهَاء إِذا صَار ألفا لم يجز كسر الْهَاء
وَلَو كَانَ مَكَان الْهَاء وَالْمِيم كَاف وَمِيم لم يجز كسرهما إِلَّا فِي لُغَة قَليلَة لَا تدخل فِي الْقِرَاءَة لبعد الْكَاف من الْيَاء
٤ - وَاخْتلفُوا فِي قَوْله ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم﴾
قَرَأَ ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم﴾ بخفض الرَّاء نَافِع وَعَاصِم وَأَبُو عمر وَابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ
وَاخْتلفُوا عَن ابْن كثير فَحَدثني أَبُو حَمْزَة الأنسي أنس بن خَالِد بن عبد الله بن أبي طَلْحَة بن مُوسَى بن أنس بن مَالك قَالَ
[ ١١١ ]
حَدثنَا نصر بن عَليّ قَالَ خبرنَا بكار بن عبد الله بن يحيى العوذي عَن الْخَلِيل بن أَحْمد قَالَ سَمِعت عبد الله بن كثير الْمَكِّيّ أَنه كَانَ يقْرَأ ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم﴾ وَقَالَ الْخَلِيل وَهِي جَائِزَة على وَجه الصّفة للَّذين أنعم الله عَلَيْهِم يَعْنِي بِالصّفةِ الْقطع من ذكر الَّذين
وَيجوز أَن يكون نصب غير على الْحَال
وَقد قَالَ الْأَخْفَش نصب غير على الِاسْتِثْنَاء وَهَذَا غلط
وروى غَيره عَن ابْن كثير الْكسر مثل قِرَاءَة الْعَامَّة
وَمن كسر غير فَلِأَنَّهُ نعت للَّذين
وَيجوز على التكرير ﴿صِرَاط﴾ ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم﴾
قَالَ أَبُو بكر استطلت ذكر الْعِلَل بعد هَذِه السُّورَة وكرهت أَن يثقل الْكتاب فَأَمْسَكت عَن ذَلِك وأخبرت بِالْقِرَاءَةِ مُجَرّدَة
[ ١١٢ ]