"وقد ظهرت قضية الإعجاز في آيات التحدي، وقد اعتاد المفسرون ومؤلفو كتب علوم القرآن الإشارة إلى تعدد مستويات التحدي بالقرآن الكريم، وطيب لهم دائمًا الإشارة إلى تدرج التحدي من التحدي بأن يأتوا بمثل القرآن، إلى التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله، إلى التحدي بأن يأتوا بسورة واحدة، مستشهدين في ذلك بآية سورة الإسراء ثم آية سورة هود ثم آية سورة البقرة، فهذه الآيات الثلاث يتحقق بها الترتيب التنازلي وفق ترتيب النزول، والحقيقة أن هذه المستويات متداخلة في ترتيب نزولها؛ ذلك لأن آيات التحدي وفق ما ذهبوا إليه لا تقتصر على هذه الآيات الثلاث، بل هناك آيتا سورة الطور وسورة يونس، وإذا نظرنا رؤية استقرائية شاملة للآيات الخمس وجدنا أن التدرج من الأعلى إلى الأدنى ليس تدرجًا صارمًا لا تداخل فيه، الأمر الذي جعل بعض المتعرضين لآيات التحدي من المسلمين يتغاضون عن الإشارة إلى بعض الآيات التي ربما توهم بشيء من عدم الاطراد في الترتيب التنازلي في التحدي من الأعلى إلى الأدنى، فذكر آيات سور: الإسراء للتدليل على التحدي بالقرآن كله، ثم ذكر آية سورة هود للتدليل على المستوى الثاني
_________________
(١) - أصول التفسير للسيوطي: (د. ص).
(٢) -التحدي بالقرآن الكريم-د. محسن الخالدي- (ص: ١٥). بتصرف.
[ ٤٥ ]
التحدي بعشر سور، ثم ذكر آية سورة البقرة التي جاء فيها التحدي بسورة واحدة، وهو المستوى
الثالث (^١)، ولعل الذي دفع إلى هذا هو حساسية التعرض للتداخل في ترتيب النزول بين آيات التحدي، ولكن الحقيقة أن هذه رؤية عقل بشري قد تخطئ وقد تصيب، فلعل فكرة الترتيب التنازلي قد راقت لهم، ثم لعلها قادتهم إلى التغاضي عن الاستقصاء أو إلى التغاضي عن الإشارة إلى التداخل بين هذه المستويات.
وهذا الأمر نفسه جعل بعض المعترضين المتشككين يتغاضون - بدورهم - عن الاستقصاء في استقراء ترتيب النزول للسور التي جاءت فيها آيات التحدي، فانطلقوا بالمنحى الانتقائي المضاد للمنحى الانتقائي الأول، واكتفوا بذكر بعض آيات محاولين إثبات أن الترتيب جاء تصاعديًا وليس تنازليًا، أي بدأ بالتحدي بسورة ثم بعشر سور ثم بالقرآن كله، بل اختلقوا ترتيبًا ظنيًا لا نبرؤه من العَمْد، نتبين ذلك بالوقوف عند نموذج من العرض لبعض أصحاب هذا الاتجاه المضاد لآيات التحدي جاء فيه: أن آية سور الطور ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٤) هي أول ما نزل من آيات التحدي، ثم رأى فيها إمكان أن يأتوا بحديث مثله مستندًا إلى أن إطلاق الحديث يترتب عليه إمكان أن يأتوا به؛ لأنه يتحقق في الآية والآيتين، ثم يخلص إلى أن " تحديهم بأن يأتوا بحديث مثله غير صحيح ولا مأمون فيه سوء العاقبة، فلذا عدل عنه محمدﷺ- متدرجًا في التحدي إلى ما هو أعلى من ذلك، فجاء بالآية الثانية (فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) (يونس: ٣٨)، ولم يقف عند هذا الحد حتى جعلها عشر سور، ثم ارتقى إلى ما يقتضيه التحدي الصحيح الذي يتعذر أو يستحيل عادة أن يجيبه إليه أحد، وهو تحديهم بأن يأتوا بمثل القرآن من دون قيد بحديث أو سورة كما قال في الآية الأخرى (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ) (الإسراء: ٨٨)، وهذا هو التحدي الذي ترجع فيه المعارضة خائبة خاسرة بلا شك ولا ريب، ولذا نراه يتكلم بجراءة واطمئنان واثقًا بعجزهم عما يريد منهم، حتى أنه لم يتحد الإنس وحدهم بل جعل الجن لهم معاونين تهويلًا عليهم وتأكيدًا لعجزهم ". (^٢)
والغريب أن المتحدث هنا لم يهتم بالبحث في ترتيب النزول، ولا اهتم بالرجوع إلى المراجع التي تعرضت له، على الرغم من رجوعه إلى بعض هذه المراجع في كتابه المذكور ومنها كتاب الإتقان للسيوطي، والبرهان للزركشي، ثم إن الغريب الغريب أيضًا أن العرض الذي عمد إلى ذكر ثلاث آيات فقط، وهي آيات
_________________
(١) - د. حلمي محمد القاعود: مدخل إلى البلاغة القرآنية، ط ١ دار النشر الدولي، الرياض ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م ص ١٦٧
(٢) - معروف الرصافي (١٣٦٥ هـ): الشخصية المحمدية، أو حل اللغز المقدس، ط ١ منشورات الجمل، ألمانيا ٢٠٠٢ م: (ص: ٦٠٧ - ٦٠٨).
[ ٤٦ ]
(الإسراء وهود والبقرة) متوافق، لا نقول مع ترتيب السيوطي، بل متوافق مع ترتيب المستشرقين، وذلك في الترتيب الذي قام به " نولدكه " وأخذ به " بلاشير" في ترجمته لمعاني القرآن، ولعل في هذا مالا يحوجنا إلى رد أو مناقشة هذا الزعم، فهو محض هراء؛ لأن الحقيقة
التي لا جدال فيها أن الإسراء نزلت أولًا ثم نزلت هود ثم نزلت البقرة، وهذا النزول يتحقق به الترتيب التنازلي في التحدي، وفق ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه الأول.
ولكننا نود أن ندع هذا الاستقراء الناقص في الرؤيتين السابقتين لنعمد إلى تدبر ملمح آخر يتحدد في التداخل في ترتيب النزول بين آيات التحدي والترتيب التنازلي في التحدي نعتمد فيه على رؤية الآيات جميعها ونتجاوز الرؤية الانتقائية، ولعلنا لسنا بحاجة إلى إيضاح أن المقصود بالترتيب التنازلي هو الترتيب المستند على الكم المتحدَّى به من الأكثر إلى الأقل، وهذا الترتيب التنازلي كما ذكرنا له ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: التحدي بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقد جاء هذا المستوى في سورتي: الإسراء والطور.
المستوى الثاني: التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله، وقد جاء في سورة هود.
المستوى الثالث: التحدي بأن يأتوا بسورة من مثله، وقد جاء في سورتي يونس والبقرة.
ووفقا للترتيب التنازلي نرى تداخلًا في ترتيب النزول؛ لأن الترتيب التنازلي يقتضي أن يكون المستوى الأول هو الأسبق في زمن النزول، ثم يتلوه المستوى الثاني، ثم يتلوه المستوى الثالث، ولكن الحقيقة أن ترتيب النزول يقول غير ذلك، فترتيب النزول للسور السابق ذكرها في مستويات التحدي هي وفق ترتيب النزول الإسراء ثم يونس ثم هود ثم الطور ثم البقرة.
ومن هنا جد بعض الباحثين في محاولة التوفيق بين هذه الآيات وتعليل أسباب النزول، أو الوقوف حيالها موقف التسليم والإذعان. (^١)