إن الله تعالى جلت قدرته قد أنزل القرآن الكريم -آخر كتبه -، على خاتم أنبيائه ورسله، وجعله مهيمنًا على الكتب السابقة كما قال جل ذكره: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه) (المائدة: ٤٨).
وقد توكل ربنا حفظه بذاته العلية، ولم يوكل ذلك لأحد من خلقه، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، كما قال تعالى في محكم كتابه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
قال الطبري ﵀: (ت: ٣١٠ هـ)
وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. (^١)
وثبت عند مسلم منْ حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ (ت: ٥٠ هـ) (^٢) - ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا
جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: … إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ …) (^٣)
يقول أبو العباس القرطبي ﵀: (^٤)
"فلو غُسِلَتِ المصاحفُ لما انغسل من الصدور، ولما ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) ". (^٥)
_________________
(١) - تفسير الطبري (٩/ ٦٩). جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤
(٢) -من بني مجاشع بْن دارم بْن مالك بْن حنظلة بْن مالك بْن زيد مناة بْن تميم له صحبة وهو عياض بْن حمار بْن أَبِي حمار بْن ناجية بْن عقال بْن مُحَمَّد بْن سفيان بْن مجاشع نسبه خليفة بْن خياط، عداده في أهل البصرة وفد على النبي - ﷺ- قبل أن يسلم، ومعه نجيبة يهديها إليه فقال: " أسلمت؟ " قال: لا، قال: " إن اللَّه نهاني أن أقبل زبد المشركين ". فأسلم فقبلها منه. يُنظر: (عياض بن حمار التميمي) في تهذيب الكمال للمزي (٤٦٠٥ (بخ م ٤)، أسد الغابة: (ص: ٩٧)
(٣) - رواه مسلم (رقم/ ٢٨٦٥).
(٤) - الفقيه المحدّث أبو العباس ضياء الدين أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري الأندلسيّ القرطبي المالكي، ولد سنة ٥٧٨ هـ في قرطبة، وعُرف بابن المزيِّن، رحل مع أبيه من الأندلس وهو صغير، إلى فاس وتلمسان، ثم الإسكندرية، والمدينة ومكّة، والقدس. يُنظر: وفيات الأعيان (٧/ ٢٩٥)، تذكرت الحفاظ (٤/ ١٤٣٨).
(٥) -المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٧/ ١٦٣)
[ ٣٨ ]
ويقول النووي -﵀-: (ت: ٦٧٦ هـ)
"قوله تعالى: (لا يغسله الماء) معناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان ". (^١)
ويقول الله تعالى في حق نبيه محمد - ﷺ-: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة: ٤٤ - ٤٧)
فإذا كان هذا الوعيد والتهديد الشديد قد ورد في حق خير الخلق وحبيب الحق، في حق وليه وصفيه وخليله وأمينه على وحيه ﷺ، فكيف بمن دونه في الرتبة والمكانة والفضل والمنزلة؟! ومن هو؟ إنه نبيه وخاتم رسله - ﷺ- وخيرته من خلقه، وهو من هو في عصمته وأمانته في البلاغ عن ربه وأدائه لرسالته سبحانه، وحاشاه - ﷺأن يتقول على ربه ولو بعض قول، وقد وصف الله تعالى أمانته في البلاغ عنه سبحانه في محكم كتابه جل في علاه بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: آيتا: ٣ - ٤]، والمعنى المراد هنا: إن هذا الوعيد الشديد من باب أولى ينال من كان دون النبيﷺ- فيما لو تقول على الله بعض القول!!.
قال ابن كثير - (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀-:
يقول تعالى: (ولو تقول علينا) أي: محمدﷺ- لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجلناه بالعقوبة. (^٢)
يقول البغوي (ت: ٥٦١ هـ) -﵀-:
(فما منكم من أحد عنه حاجزين) أي: مانعين يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدًا لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه بأنه لو تكلفه لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه. (^٣)
وهذه الآية الكريمة نظيرها في كتاب الله تعالى قوله تعالى لنبيه ﷺ: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر: ٦٥]، وإن كان الشرك والكفر في حقه - صلى الله
_________________
(١) - شرح مسلم (١٧/ ١٩٨)
(٢) يُنظر: تفسير ابن كثير: (١٤/ ١٣٢). تفسير القرآن العظيم المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: سامي بن محمد سلامة الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ٨
(٣) - يُنظر: تفسير البغوي: (٨/ ٢١٥). معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥
[ ٣٩ ]
عليه وسلم- ممتنع عقلًا وشرعًا غاية الامتناع،؟ لأن الله عصمه جل في علاه، فهذا الوعيد والتهديد الشديد في حق من دونه أحق وأولى.
خطب الحجاج، فقال: إن ابن الزبير يبدل كلام الله تعالى،
قال: فقال ابن عمر ﵄: كذب الحجاج؛ إن ابن الزبير لا يبدل كلام الله تعالى ولا يستطيع ذلك. (^١)
وهذا من فقهه﵁- وَسَعَة علمه بكتاب ربه جل في علاه.
وقال تعالى عن التوراة وهو من الكتب السابقة المنزلة، وقد أنزله على نبيه موسى بن عمران﵇-: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة: من آية: ٤٤)
والضمير في قوله: (استحفظوا) يعود على علمائهم وقرائهم وفقهائهم، وهذا القول، أعني عود الضمير في (استحفظوا)، لا أعلم له خلافًا بين أهل التفسير، وهو واضح جلي.
يقول ابن كثير ﵀:
أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به. (^٢)
"ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ماحكاه عياض في المدارك عن أبي الحسن بن المنتاب قال: كنت عند إسماعيل يومًا فَسُئِل: لما جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز التبديل
على أهل القرآن؟. فقال لأن الله تعالى قال في أهل التوراة (بما استحفظوا من كتاب الله) فوكل الحفظ إليهم، وقال في القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فتعهد الله بحفظه فلم يجز التبديل على أهل القرآن.
قال: فذكرت ذلك للمحاملي فقال لا أحسن من هذا الكلام". (^٣)
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١ - ٤٢)
يقول الطبري ﵀:
_________________
(١) - رواه البيهقي في " الأسماء والصفات " (١/ ٥٩٦) بسند صحيح.
(٢) - ابن كثير (٣/ ١١٧)
(٣) - يُنظر: تفسير ابن عاشور: التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (٦/ ٢٠٩). التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ) الناشر: الدار التونسية للنشر - تونس سنة النشر: ١٩٨٤ هـ عدد الأجزاء: ٣٠ (والجزء رقم ٨ في قسمين).
[ ٤٠ ]
قول: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) يقول تعالى ذكره: وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه، وحفظه من كل من أراد له تبديلًا أو تحريفًا أو تغييرًا، من إنسي وجني وشيطان مارد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) معناه: لا يستطيع ذو باطل تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه.
عن قتادة: الباطل: إبليس، لا يستطيع أن ينقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. (^١)
ويقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
يقول تعالى آمرًا رسوله ﵊ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس. (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير لها، ولا محرِّف، ولا مؤوّل. (^٢)
ويقول سبحانه: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٢)
و(لا ريب فيه) أي: لاشك فيه، وبهذا ينفي الله تعالى عن كتابه الكريم كل ريب وكل شك، وإن من أعظم الريب المنفي في الآية دخول التحريف والتغير والتبديل إليه، سواء كان ذلك بالزيادة أو النقصان.
وقد تحدى الله بكتابه الإنس والجن بصنوف التحدي.
يقول ابن سعدي ﵀: (ت: ١٣٧٦ هـ)
"ومن ذلك تحدي الله لجميعِ الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإخبارُه أنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله، والتحدي قائمٌ في كل وقت، والعجز من الخلق ظاهرٌ، مع توفر دواعي الأعداء، وحرصهم الشديد على ردِّ ما جاء به الرسول، والقدح في رسالته. وهذا
برهان عظيم يضطرُّ كلُّ عاقلٍ معه إنصافٌ؛ أن يعترفَ بالحق الذي قامت البيناتُ الظاهرة والدلالات الباهرة على صدقه من كل وجه؛ ولله الحمد". (^٣)