الحمد لله الذي بدأ بحمد ذاتِه العليةِ قبل أن يَحْمَده حامدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي له كل المحامدِ، الأحد الصّمَد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أهل طاعته كلهم له عابدٌ، وهم له قانتون، ما بين قائمٍ وراكعٍ وساجدٍ، حيّ لا يموت؛ قيوم لا ينام، ذو الجلال والإكرام، والهبات الكبيرة العظام؛ تكلم بالقرآن، خلق الإنسانَ، علمه النطق والإفصاح والبيانَ، أنعم على عباده بالهدى والإيمان، فأرسل رسولَه محمدًا ﷺ لجميع الإنس والجان أجمعين، وأيده بالحجة والبرهان المتجددين مع تجدد الْمَلَوينِ، وتعاقب الجديدينِ (^١)؛ أرسله بكتاب عربي واضح مبين، وجعله فارِقًا بين التوحيد والشرك، وبين الهدى والضلال، والظلمات والنور، والشك واليقين؛ أنزله في أوجزِ لفظٍ وأعجزَ أسلوبٍ، فأعيت بلاغَتُه البلغاءَ فأخرستهم مشاكلتُه، وأعجزت فصاحتُه الفصحاءَ فأعجزتهم معارضَتُه، وأبكمت حكمتُه الحكماءَ فأعْيَتهم مناقضتُه، وأذهلت روعتُه الخطباءَ فأعجزتهم محاكاتُه ومخاطبتُه، فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظَهِيرًا، كما قال ربنا في ذلك قولًا مبينًا: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨).
جعل أمثاله لمن عَقِلها وتدبّرها عِبَرًا، وأوامره لمن اهتدى بها واستبصرها هُدًى ورشدًا؛ بَيَّنَ فيه ما أوجبه على عباده من العبادات والأحكامِ، وفرّق فيه بين ما اشتبه عليهم أمرُهُ، كما بَيَّنَ فيه معالم الحلال والحرامِ، وثنى فيه من المواعِظ والعبر والقصص ما تتعظ وتتذكر به سائر الأنامِ، ولينتفع به من شاء الله من عباده على مر العصور والأزمان والأيامِ، وضرب فيه الأمثال، وقصّ فيه غيبَ أخبارِ من سكن هذه الدارَ لأخذ الحَيْطةِ والاعتبارِ والاتعاظِ والادكارِ؛ فقال ربنا الواحدُ القهارُ: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: من آية: ٨٨).
سهل ألفاظه لعباده وخاطبهم به ليعقلوه، وبَيَّنَ لهم فيه مقاصدَهُ ومراميَهُ ليتعلموه،
فَقرأةُ كتابه هم حملتُهُ وهم حَفَظَةُ علمهِ المخزونِ، وقد جعله في كتاب مكنونٍ، لا يمسه إلا المطهرون المقربون. وجعل ورثةَ أنبيائه هم خلفاءه وأمناءه، وهم أهله وخاصّتُه وخِيرتُه وأصفياؤه وأولياؤه؛ كما قال رسوله ﷺ: إن لِلَّهِ أهلِين مِنّا قالوا: يا رسول الله، مَن هم؟ قال:» هم أهلُ القرآن أهلُ الله وخاصّتُه «(^٢).
_________________
(١) المَلَوَانِ: اللَّيلُ والنهار، أَو طَرَفا النهار، والجديدان أيضًا هما اللَّيلُ والنهار، يُنظر: قاموس المعاني الجامع.
(٢) - أخرجه ابن ماجه أنس بن مالك ﵁: حديث/ ٢١٥، ١/ ٧٨، وأحمد، حديث/ ١٣٥٦٦، ٢/ ٢٤٢، والدرامي: حديث/ ٣٣٢٦، ٢/ ٥٢٥، والطيالسي في مسنده: حديث/ ٢١٢٤، ١/ ٢٨٣، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان: حديث/ ٢٦٨٨، ٢/ ٥٥١.) صحيح (وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم ١٤٣٢.
[ ٦ ]
فَحُقَّ لمَن عَلَّمَهُ اللهُ كتابه أن يكون أولَ من ينتهي عن نواهيه، ويعتبر بعبرهِ وينزجرَ عما ورد فيهِ، ويخشى اللهَ ربَهُ ويتّقيهِ، ويراقبه في خلوته وجلوته ويُعَظِمَهُ ويستحييه. فإنه قد حُمِّل ميراثَ الأنبياءِ، وأصبح ممن يشهد في عرصات أرض المحشر على مخالفي الرسل من سائر أهل الملل الأشقياءِ؛ كما قال رب الأرض والسماء: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: ١٤٣).
ألا وإنّ حجةُ الله قائمةٌ على من عَلِمَهُ فأهملَهُ، وهى أشد منها على من جَهِلَهُ فلم يعه ويفهمَهُ، وكذلك هي أنكى على من أوتي القرآنَ فلم تقرعه زواجره ونواهيه، ولم يرتدع به ويَؤُوبُ إلى ربه فيأويه، ولم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به فيهديه؛ وارتكب من الذنوب والمآثم كل قبيحٍ لا يحبه ربّه ولا يرتضيِهِ، ومن الجرائم كل فضوحٍ مما يؤلمه ويؤذيه؛ فأضحى ما حمله من القرآن حجةً عليه، وخَصْمًا له يوم الحساب لديه وبين يديه، كما قال رسول الله الذي هو أرأف وأرحم به من أبويه - صلوات الله وسلامه عليه-: "الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ" (^١).
فحُقَ لمَن خَصّه الله بعلم كتابه أن يقوم بحقه ويتلوَه حق تلاوته، ويتدبّر حقائق عبارته وآياته؛ ويتفهّم في عجائبه، ويتبيّن من غرائبه؛ وقد بيّن ربنا بقوله في آياته: (كِتَاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك ليَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ) (ص: ٢٩).