" وإنّ القرآنَ كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلامُ الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلامُ البشر فقد كفر وقد ذَمَّه الله وعَابَهُ وأوعده بسقر حيث قال تعالى: (سأُصلِيه سَقَر) (المدثر: ٢٦)، فلما أوْعَدَ بِسَقَر لمن قال (إنْ هذا إلا قول البشر) (المدثر: ٢٥) عَلِمْنَا وأيْقَنَّا أنَه قولُ خالقِ البَشَر ولا يُشْبِه قولَ البشر". (^١)
فالقرآن الكريم - الذي هو كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُهُ - غيرُ مخلوقٍ، مُعْجِزٌ في نَظْمِه، لا يُشْبِهُه شيءٌ مِن كلام المربوبينَ، ولا يَقْدِرُ على مِثْلِه أحَدٌ مِن المخلوقين، الذي في مَصاحِفِ المسلمين، لم يَفُتْ منه شيءٌ، ولم يَضِعْ بنسيانِ ناسٍ، ولا ضلالِ صحيفةٍ، ولا موتِ قارئ، ولا كتمانِ كاتمٍ، ولم
يُحرَّفْ منه شيءٌ، ولم يُزَدْ فيه حرفٌ، ولم يُنْقَصْ منه حرفٌ، كُلُّه حقٌّ مِن عندِ الله، ولو كذَّب به أعداءُ الرُّسُلِ (^٢)
مِن الكُفَّار والمُشْرِكين والمُلْحِدين ومَن سارَ على نهجِهم مِن الفلاسفة وأهلِ الأهواء". (^٣)
فما تقولون في فضل كتابٍ أنقذ الله به أمة من جاهلية جهلاءَ، وضلالة عمياءَ، دأبهم السلبُ والنهبُ، ومعبودهم الأوثانُ والحجارةُ، وديدنهم توارثُ العداواتِ والأحقادِ، لا تعرف من الحقَ رسمًا. نحلتها ما وجدت عليه آباءَها، وما استحسنته أسلافُها، من آراء منحرفةٍ، ونحل مخترعةٍ، وملل مبتدعةٍ، فأنزل الله عليهم هذا الكتابَ فأنقذهم منها به، وانتشلهم به من أوحالها.
_________________
(١) - شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٧٩).
(٢) - شُعَب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٢٦).
(٣) - يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزِّ (٣٣٣).
[ ٩ ]
ما تقولون في فضلِ كتابِ ختمَ الله به الكتبَ، وأنُزِل على نبي ختم به الأنبياء، وبدين ختمت به الأديانَ. (^١)
ما تقولون في فضل كتاب فُتحت به أمصارٌ، وجثت عنده الركبُ، ونهل من منهله العلماءُ، وشرب من مشربه الأدباءُ، وخشعت لهيمنته الأبصارُ، وذلت له القلوبُ، وقام بتلاوته العابدون، والراكعون، والساجدون.
ذلكم القرآن الكريمُ: كليةُ الشريعةِ، وعمدةُ الملةِ، وينبوعُ الحكمةِ، وآيةُ الرسالةِ، ونورُ الأبصارِ والبصائرِ، فلا طريق إلى الله سواهُ، ولا نجاة بغيرهِ، ولا تمسك بشيء يخالفُهُ". (^٢)
أما بعد