بعث الله محمدًاﷺأكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر، وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية، دون الجهل والحيرة،
حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعوهم صباحًا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة.
فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعًا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا قال: فهاتوها مفتريات فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه، ويكايد فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض.
فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم، وكثرة من هجاه منهم، وعارض شعراء أصحابه، وخطباء أمته لأن سورة واحدة وآيات
_________________
(١) -الجاحظ الكناني هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري) ١٥٩ هـ-٢٥٥ هـ (أديب عربي كان من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي، ولد في البصرة وتوفي فيها. مختلف في أصله فمنهم من قال بأنه عربي من قبيلة كنانة ومنهم من قال بأن أصله يعود للزنج وأن جده كان مولى لرجل من بني كنانة وكان ذلك بسبب بشرته السمراء الغامقة. نقلًا عن الموسوعة الحرة" ويكيبيديا". قال الذهبي في السير (١١/ ٥٢٧) عن الجاحظ: "كان ماجنًا قليل الدين، له نوادر"، وقال (١١/ ٥٢٨): "يظهر من شمائل الجاحظ أنه يختلق"، وقال في الميزان (٣/ ٢٤٧): "وكان من أئمّة البدع". وقال ابن حزم في "الفصل" (٤/ ١٩٥): "كان أحد المجّان، ومن غلب عليه الهزل، وأحد الضلاّل المضلّين، فإنّا ما رأينا في كتبه تعمّد كذبة يوردها مثبتًا لها، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره. كذا في لسان الميزان لابن حجر: (٤/ ٣٥٥). وقد أورد البغدادي في "الفَرق بين الفِرَق" (١٧٥ - ١٧٨) والسكسكي في "البرهان في عقائد أهل الأديان" (٣٠ - ٣١) كثيرًا من البدع العقديّة التي كان يعتقدها الجاحظ وأودعها في كتبه. للاستزادة يُنظر: تعليق الشيخ مشهور حسن آل سلمان على كتاب الشيخ محمد راغب الطبّاخ﵀- "ذو القرنين وسد الصين" (ص ١٢١/ حاشية ٥/ ط. غراس) والجاحظ: يُعَدُّ من المعتزلة، وله جماعة حامت حوله سُمِّيَت بـ "الجاحظيّة.
[ ٥١ ]
يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال.
وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور.
ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر ". (^١).
وإن كان التحدي باقيًا إلى قيام الساعة، فإن العرب وهم أهل الفصاحة والبيان عجزوا مع توفر كامل دواعي التحدي.
"وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها، وعنفوان قوتها والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهذا ما أُجْمِلِ في القرآن، أو أُشِيِرَ إليه فيه، فصار القرآن بهذا معجزًا للإنسانية كافة". (^٢)