قد" جاء التحدي بالقرآن كاملًا، وجاء التحدي بعشر سور منه، وجاء التحدي بسورة، لكن لم يأتِ التحدي بآية؛ لأن من الآيات ما هو كلمة، كقوله تعالى: (مدهامتان) [الرحمن: ٦٤]، ولا يعجز البشر أن يقولوا: (مدهامتان)، لكن مع ذلك فالآية معجزة في موضعها من الكلام وارتباطها بما قبلها وما بعدها، فلا تستطيع أن تحذف (مدهامتان) وتأتي بأي كلمة ترادفها تقوم مقامها، لكن بالنظر إليها مفردة لا تعجز، ولذا لم يحصل التحدي بها.
وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، فإذا قلنا -وهو قول الشافعي-: إن البسملة آية، صارت سورة الكوثر أربع آيات، فلا يحصل التحدي إلا بأربع آيات أو بمقدارها ولو آية واحدة، وإذا قلنا: إن البسملة ليست بآية -وهو قول الأكثر- قلنا: يحصل التحدي بثلاث آيات، أو بقدر هذه الثلاث
[ ٤٤ ]
ولو آية واحدة، المهم ألّا تقل عن قدر سورة الكوثر، فلا يمكن أن يأتوا بآية واحدة بقدر أقصر سور القرآن". (^١)
"ويمكن القول بأن هذا التحدي كان أول مواجهة لتحدي ثقافي في زمن النبي - ﷺ - فزعم المشركون أن باستطاعتهم أن يأتوا بمثل القرآن الكريم وزعموا أن النبي - ﷺ - قد اختلقه فتحداهم الله أن يأتوا بمثله، وقرَّعهم بالعجز عن الإتيان- مع ما هم عليه من الأنفة والحمية- بما فيه من الآيات التي تبين أنه بلغتهم ومن جنس كلامهم فطالبهم أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بمثل سورة وتمر عليهم السنوات وتزداد الآيات وهم على عجزهم دائمون … ". (^٢)
والتحدي بالقران من جهة الإعجاز عن الإتيان بمثله يستوي قلة وكثرة، فليس الإتيان بقليله أسهل من الإتيان بكثيره، وذلك لأن التحدي واقع كيفًا ونوعًا، لا كمًا ولا مقدارًا، فليُنتبه لهذا، لأن العجز عن الإتيان بقليله يستوي مع العجز عن الإتيان بكثيره، فلا يُظَنُ أن ترتيب التحدي تصاعديًا له أثر في قوة التحدي والتعجيز عن الإتيان بمثل القرآن كله أو بعضه.
وسيأتي معنا الكلام حول قضية ترتيب آيات التحدي.
تنبيه هام جدًا: