هو ما رواه جمع كثير غفير، يستحيل عقلًا تواطؤهم على الكذب عادة أو صدور ذلك منهم اتفاقًا، وذلك عن مثلهم في كل طبقة من طبقاته، من أول السند إلى منتهاه، وأن يكون مستند انتهائهم الحس السمعي (أي السمع بالتلقي المباشر مشافهة)، ويصحب خبرهم إفادة العلم بنفسه لسامعه.
_________________
(١) -علم من أعلام الفكر الإسلامي (مع التحفظ على هذه العبارة) (أ) في العصر الحديث، رزق الحظ الأوفر من علوم الإسلام، كما نهل من علوم أوربا الشيء الكثير، ولد في قرية (محلة دياي) بمحافظة كفر الشيخ عام ١٨٩٤، وحصل على العالَمية (الليسانس) الأزهرية عام ١٩١٦ م، ونال الدكتوراه من فرنسا عام ١٩٤٧ م، من مؤلفاته: التعريف بالقرآن، الأخلاق في القرآن، الدين، النبأ العظيم، توفي في مدينة لاهور بباكستان عام ١٩٥٨ م، يُنظر: فاتحة كتابه: النبأ العظيم، قال الزركلي: فقيه متأدب، الأعلام: ٦/ ٢٤٦. (أ) (مع التحفظ على هذه العبارة) أي عبارة: "علم من أعلام الفكر الإسلامي": وقد سُئِلَ شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀: عن مصطلح (فكر إسلامي) و(مفكر إسلامي)؟. فأجاب قائلا: كلمة (فكر إسلامي) من الألفاظ التي يحذر عنها، إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر. أما (مفكر إسلامي) فلا أعلم فيه بأسًا لأنه وصف للرجل المسلم والرجل المسلم يكون مفكرًا. المناهي اللفظية - لابن عثيمين ﵀. (١/ ٨٨). المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، جمع وإعداد: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، الناشر: دار الثريا للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ، عدد الأجزاء: ١
(٢) -هذا يسمى أسلوب اقتباس، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(٣) - النبأ العظيم ص: ١٢ - ١٣
[ ٣٠ ]
والتواتر كذلك معناه إفادة العلم اليقيني المقطوع به دون الظني، وقد حصل العلم اليقيني بذلك، ونقل القرآن حتى وصل إلينا على صفة التواتر المذكورة آنفًا، وقد أفاد التواتر العلم اليقيني بلا ريب.
فقد تلقاه الصحابة-رضوان الله عليهم-، عن رسول الله - ﷺ- مُشافهةً، ثم تلقاه التابعون عن الصحابة مُشافهةً كذلك، ثم تلقاه تابعو التابعين مُشافهةً عنهم من بعدهم كذلك، ثم نُقِلَ إلى من بعدهم بنفس الطريقة كذلك، وهؤلاء جميعًا يُجزم بصدقهم في النَّقل، كما يُجزم
بدقتهم وتحريهم للضبط وكمال الإتقان، وهكذا في كل طبقة ممن يُنقل عنهم عمن قبلهم، مع استحالة تواطؤهم واتّفاقهم جميعًا على الكذب عادة.
والقرآن الكريم كما هو معلوم يُشترط في تلقيه وأخذه المشافهة عمن يؤديه، ومن المعلوم أن الأصل في تلقي القرآن النقل من الصدور إلى الصدور؛ وليس النقل من السطور إلى الصدور.